أحزاب "اليسار" المصري تسعى للتحالف مع البرجوازية

يوهانس ستيرن
18 يونيو 2011

وصلت الثورة المصرية التي بدأت في يناير الماضي لمنحنى حرج، فجموع الطبقة العاملة التي أطاح نضالها بدكتاتورية الرئيس حسني مبارك التي دعمها الغرب، تواجه تهديداً من الثورة المضادة بواسطة المجلس العسكري الذي يسيطر على الحكومة. في هذه الظروف، قامت مجموعة من الأحزاب التي تنعت نفسها بـ"اليسار" بل وبـ"الاشتراكية" بالاندماج معا لتأسيس تحالفاً مع البرجوازية، التي تدعم المجلس العسكري بدورها.

في 10 مايو، قامت هذه الأحزاب- حزب العمال الديمقراطي، الاشتراكيون الثوريون، التحالف الشعبي الديمقراطي، والحزب الاشتراكي المصري، والحزب الشيوعي المصري- بالاتحاد فيما يطلق عليه "جبهة القوى الاشتراكية". وأعلنت أن هدفها هو "الدفاع عن حقوق الطبقات الشعبية والمصالح الوطنية". كما أعلنت عن "سعيها الدائم للعمل المشترك مع كل القوي التقدمية والديمقراطية، من اجل تحقيق الاهداف الوطنية المشتركة" وتتبلور في تأسيس دولة برجوازية ديمقراطية وعلمانية.

إن القوة الدافعة للحركة الثورية التي أسقطت مبارك هي الطبقة العاملة التي شلت الدولة بالإضرابات الواسعة فجعلت يد الجيش مغلولة وأجبرته على التخلي عن الدكتاتور.

ومنذ استولى الجيش على السلطة في 11 فبراير، لم يمر يوم دون إضرابات واحتجاجات مهمة قامت بها الطبقة العاملة المصرية. كان سقوط مبارك هو البداية فقط بالنسبة لجموع المصريين، وكان لهم طلبات شاملة يمكن حلها فقط على أساس مواجهة سياسية قوية مع النظام الرأسمالي.على سبيل المثال، نشرت صحيفة مصر الثورية في 11 مارس قائمة بالمطالب وضعها العمال الثوار. ومن هذه المطالب:

رفع الحد الادنى للأجور والمعاشات ، وتقريب الحد الاقصى بما لا يزيد عن 15 ضعف الحد الادنى ، تحقيقاً لمبدأ العدالة الاجتماعية الذي تبنته الثورة .وصرف بدل بطالة للعاطلين ، وعلاوة دورية تتناسب مع زيادة الاسعار .

استرداد الشركات التي تم خصخصتها وعودتها الى ملكية الدولة. ووقف برنامج الخصخصة سئ الذكر والذي قضى في ظل النظام البائد على اقتصادنا الوطني .

العودة للتسعير الجبري للسلع والخدمات بما يضمن عدم رفع الأسعار الذي يتسبب في ارهاق كل الطبقات الفقيرة .

حق عمال مصر في الأضراب والاعتصام والتظاهر السلمي .. والذين يضربون الآن ضد اذناب النظام البائد .. والذين فرضوا على مؤسساتهم بهدف تخسيرها علماً بأن هذه الثورة إن لم تؤد إلى توزيع عادل للثروة واقامة عدالة اجتماعية .. فكأن شيئاً لم يكن .. ان الحريات السياسية لا تكتمل الا بالحريات الاجتماعية .. حيث أن حرية رغيف الخبز هو المقدمة الطبيعية لحرية تذكرة الانتخاب .

حل الأتحاد العام لعمال مصر والذي يعد أحد أهم رموز الفساد للنظام البائد...[...].

قام المجلس العسكري الحاكم برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي والحكومة المؤقتة برئاسة عصام شرف التي شكلها الجيش، بالاستجابة لمطالب العمال المصريين والرد على الاضرابات اللانهائية بواسطة العنف واصدار قوانين قاسية.

في 23 مارس قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتمرير قانون يجعل أي إضراب أو احتجاج يؤثر على الاقتصاد والحياة العامة، جريمة عقوبتها السجن. فقانون الطواريء مازال سارياً مثلما كان - مع توقف قصير- منذ عام 1967.

منذ سقوط مبارك، تعرض المتظاهرون السلميون في ميدان التحرير لهجوم وحشي بواسطة الجيش، الذي قام أيضاً باتخاذ إجراءً عنيفاً ضد طلبة معتصمين. وطبقاً لتقارير حقوق الانسان، تم القبض على الآلاف وتعذيبهم ومحاكمتهم أمام المحاكم العسكرية.

رغم هذه الإجراءات القمعية، قامت قطاعات كبيرة من البرجوازية المصرية، التي تناصر الديموقراطية ظاهرياً، بمساندة المجلس العسكري بقوة لأنها يعتبرونه الضامن للرأسمالية ولمصالح طبقتهم. بعد هجوم الشرطة العسكرية المميت على المتظاهرين السلميين في ميدان التحرير يوم 9 ابريل، لخص محمد البرادعي، رئيس الجمعية الوطنية للتغيير، موقف البرجوازية المصرية، واصفاً الثقة المتبادلة بين الشعب المصري والجيش بأنها "خط أحمر" وبأنها "حيوية من اجل الوحدة الوطنية

."

إن مساندة البرجوازية المصرية غير المشروطة للدكتاتورية العسكرية تؤكد على نظرية الثورة الدائمة التي صاغها ليون تروتسكي عام 1905، قبل الثورة الروسية الأولى مباشرة، والتي تحققت لاحقاً في ثورة أكتوبر 1917. يقول تروتسكي إن في الدول المتأخرة في النمو لا تستطيع البرجوازية قيادة الكفاح من أجل الديموقراطية أو ضد الاضطهاد الامبريالي، الطبقة العاملة هي الوحيدة القادرة على إنجاز هذه المهمة على أساس منهج الاشتراكية العالمية

.

لا يمكن إطلاقاً أن يجد العمال والفلاحون المصريون طريقهم للديمقراطية وللمجتمع الاشتراكي في إطار الرأسمالية. لقد كشفت البرجوازية المصرية بشكل كامل عن طابعها المناهض للديمقراطية، كما أعلن المجلس العسكري عن استمرار السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي انتهجها نظام مبارك. فيما تطالب الأسواق المالية العالمية بمزيد من "الاصلاحات".

إن جموع المصريين ينفرون بشدة من الأحزاب البرجوازية الرسمية بسبب الهوة بين المطالب الاجتماعية والديمقراطية التي تشكلت أثناء الثورة وبين سياسات النخبة المصرية. فالسياسيون والأحزاب البرجوازية، لا يتمتعون بأي قاعدة شعبية. حتى الأخوان المسلمين، التي تعتبر أقوى الأحزاب، تتمتع بدعم 20 في المائة فقط من الشعب حسب معظم التقديرات، ومؤيدوها الأساسيون ينتمون للطبقة المتوسطة العليا

.

نتيجة ضعفها ومواجهة الحركة الثورية للطبقة العاملة لها، تبحث البرجوازية المصرية بيأس عن الوسائل التي تحتوي بها النزاعات العمالية، وتوجيهها لقنوات غير ضارة حتى تحافظ على النظام الرأسمالي. في هذا السياق يصبح الدور الذي تلعبه الأحزاب التي شكلت "الجبهة الاشتراكية"، ذا أهمية متزايدة، مع تغطية وسائل الاعلام البرجوازية لأنشطتها وآرائها بشكل إيجابي.

إن السمة التي ميزت هذه الأنشطة والآراء تم التعبير عنها بوضوح من خلال مسار واحد من أعضاء الجبهة، وهو حزب العمال الديمقراطي (WDP). أنشيء الحزب عقب ثورة 25 يناير، وهو يدّعي أنه يمثل مصالح العمال المصريين ولكنه في الحقيقة حزب برجوازي بامتياز، مرتبط بقوة بالرأسمالية ويسعى لجمهورية برلمانية.

في بيانه التأسيسي الذي نشر في الأول من مايو، يذكر (WDP) أن واحداً من مبادئه الرئيسية هو "تكريس الديمقراطية". وسيتم تحقيق ذلك من خلال "دستور يخدم حقوق الإنسان والمواطنة وحرية التعبير"، وكذلك عبر "جمهورية برلمانية، مع إطلاق حرية الأحزاب السياسية والنقابات العمالية".

في 24 مارس، قدم (WDP) المسودة الأولى لبرنامجه الذي أوضح من خلالها أن الحزب ليس له علاقة بالاشتراكية. فكلمة الاشتراكية لم تظهر مرة واحدة في هذه الوثيقة. في الفقرة الثانية، وتحت عنوان "حزبنا" يقترحون مطالب برجوازية محضة، وقد نصت على: " حزبنا حزب سياسي يهدف إلى تحقيق الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية."

في الفقرة التالية وتحت عنوان "إعلان مبادئ حزب العمال"، يؤكدون ثانية أن (WDP) هو حزب برجوازي. "حزب العمال سوف يناضل من اجل مبادئ الثورة المصرية الثلاثة: الحرية، العدالة الاجتماعية، الدولة المدنية".

في الفقرة الرابعة، بعد تقديم بعض المطالب الديمقراطية والاشتراكية المحدودة نسبياً، يعلن (WDP)، بشكل مفاجئ، عن رغبته في إسقاط الرأسمالية. وبعد عدة فقرات، يوضح ما يعنيه الحزب بهذا: " إن إسقاط النظام لا يعني فقط الإطاحة برأس النظام لكننا نريد تغيير جوهر سياسات النظام". بمعنى آخر، إنه يطرح الضغط على النظام الرأسمالي كي يبدل سياساته، كمهمة رئيسية له.

الفقرة الأخيرة من المسودة بعنوان "كفاح العمال في القضية الوطنية" وهي تشير لمطالب تتعلق بالدول العربية المجاورة وإسرائيل، وهي أساساً، مطالب مشتركة لقطاعات واسعة من البرجوازية المصرية، التي ترغب في الاستقلال أكثر عن الامبريالية الأمريكية بعد الإطاحة بمبارك، وذلك لتحقيق مصالحهم الخاصة في المنطقة بشكل أفضل. مثل هذه المطالب قد تجد من يدعمها من القوى البرجوازية الأخرى مثل الجمعية الوطنية للتغيير الخاصة بالبرادعي وكذلك الإخوان المسلمين.

يكافح حزب العمال الديمقراطي (WDP)، مثل تلك القوى، من أجل حكومة برجوازية تُجري تغييرات طفيفة في السياسة الخارجية، تنعكس خصوصاً، على مصالح البرجوازية المصرية.

ويذكر (WDP) في نهاية برنامجه، أنه على استعداد للمشاركة في مثل هذه الحكومة: "سنظل نناضل من أجل تحقيقها(اي رؤية العمال المصريين) ومن أجل الوصول لحكومة ثورية تعبر بحق عن مصالح غالبية جماهير الشعب المصري."

كي نفهم طبيعة (WDP) بشكل أفضل، من الضروري أن نفحص المجموعة السياسية التي بدأت في تأسيسها. إن (WDP) هو مشروع الاشتراكيين الثوريين (RS)، الذين يمثلون الفصيل المصري من التیار الاشتراكي الاممی (IST)، الذي يعد حزب العمال الاشتراكي (SWP) في بريطانيا من أهم مجموعاته الوطنية.

تأسس (SWP) على يد طوني كليف الذي انشق عن الماركسية في أواخر الاربعينيات، ووضع مفهومه الذي يقول فيه إن الاتحاد السوفيتي ليس دولة عمالية فاسدة، كما قال ليون تروتسكي، ولكنه بالأحرى شكل من أشكال رأسمالية الدولة.

يمكن تلخيص سياسات (IST)، منذ تأسيسه، كتاريخ للتأقلم الانتهازي مع بيروقراطية النقابات الاشتراكية الديمقراطية.

لقد ذهب رأسماليو الدولة لحد بعيد كي يحصلوا على مراكز مهمة في الدولة البرجوازية. في ألمانيا، كريستين بوشهولز من منظمة ماركس 21 التابع لحزب العمال الاشتراكي (SWP)، وهي كذلك عضو في لجنة الدفاع بالحكومة الألمانية، قامت بتأييد جرائم الجيش الألماني خلال حربه الإمبريالية في أفغانستان. الفصيل الألماني من (IST) حل نفسه و انضم الحزب اليساري، الذي يتكون من ديموقراطيين اشتراكيين ومن استالينيين مسنين، وقد عملوا خلال سنوات عديدة على تفكيك نظام الرعاية الاجتماعية الألمانية.

الرؤية السياسية لرأسمالي الدولة المصرية ليست أفضل من ذلك. فقد تعاونوا لعدة سنوات مع الإخوان المسلمين، وهم جماعة إسلامية رجعية ذات عداءٍ عميق تجاه الطبقة العاملة. يحاول الاشتراكيون الثوريون (RS) تبرير تعاونهم مع الإخوان بأنه على أساس "التقاليد الماركسية" التي لم يفهموها أو تعمدوا تحريفها.

أجرت انترناشيونال سوشيالزم مقابلة مع سامح نجيب، وهو من قيادات (RS) وعالم الاجتماع في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، أوضح خلالها أن التعاون مع الإخوان المسلمين كان على أساس "تقليد الجبهة الموحدة الماركسي". وقال إن ذلك يعني في الممارسة الفعلية "الانضمام إلى النضال المشترك بجانب المنظمات الإصلاحية مثل الإخوان المسلمين، من أجل أهداف محددة، ودون التخلي عن استقلال الذاتي أو النقد الصريح.

في الواقع، لا يوجد علاقة بين تشكيل جبهة موحدة مع الإخوان المسلمين وبين السياسة الماركسية. إن الجبهة الموحدة في الأصل، كانت وسيلة تم تطويرها بواسطة "الكومنترن" في مؤتمر العالمي الثالث عام 1921، وكان ذلك بهدف كسر العلاقة بين أغلبية العمال، الذين كانوا يثقون في الاحزاب الديمقراطية الاشتراكية، وبين هذه المؤسسات العتيقة، والفوز بهم إلى جانب السياسة الثورية. على عكس الديموقراطيين الاشتراكيين في العشرينيات، لا يشكل الإخوان المسلمون حزباً إصلاحياً، وليس لديهم أي تقاليد أو جذور تتعلق بالطبقة العاملة، ويمكن أن نضيف أن الاشتراكيين الثوريين (RS)، لا يمثلون المنهج الثوري، مثلما كان "الكومنتيرن" قبل أن اصبح استالينياً.

إن الجبهة الموحدة التي يدافع عنها (RS)، تتشابه أكثر مع الجبهة الشعبية الاستالينية في منتصف الثلاثينيات، عندما اشتركت الأحزاب الشيوعية في فرنسا وإسبانيا في الحكومات البرجوازية التي ضيقت على حركات العمال الثورية وأعطت الفرصة للقوى الفاشية أن تُغرق الثورات في الدماء. يقف الاشتراكيون الثوريون اليوم إلى جانب الثورة المضادة، مثلما فعلت الستالينية من قبل. فسياساتهم تحقق ما يريده الجيش المصري الذي يستعد لخنق الثورة بالقوة.

في خضم الثورة، قد لا تقل مهمة الطبقة العاملة عن تشكيل حكومة عمالية تدافع عن مصالحها الديموقراطية والاجتماعية، يحاول رأسماليو الدولة المصرية تشكيل حزب برجوازي حتى يجذبوا العمال بعيداً عن الاستمرار في النضال من أجل طبقتهم.

إن مبررهم لانتهاج هذه السياسة لا يكاد يكون

أكثر تشاؤما. في مقابلة نُشرت في 31 مارس على الموقع الالكتروني للثوريين الاشتراكيين (RS)، مع زعيمهم كمال خليل، أحد مؤسسي حزب العمال الاديمقراطي (WDP)، ادعى فيه أن حزب العمال لم يضع لنفسه هوية اشتراكية، والعمال أنفسهم في الوقت الحالي" لا يقفون على أرضية اشتراكية".

بدلاً من الكفاح من أجل تكوين رؤية اشتراكية ومنهج اشتراكي عالمي داخل الطبقة العاملة، يعلن (RS) ببساطة أن العمال المصريين يُعادون الاشتراكية، وبناء على ذلك، يبررون توجههم نحو السياسات البرجوازية.

لا يمثل رأسماليو الدولة المصرية مصالح العمال المصريين، ولكنهم يعبرون عن مصالح البرجوازية والطبقات الوسطى العليا الذين يخافون بشدة من استيلاء العمال على السلطة وإنشاء مجتمع اشتراكي. وهكذا، لا يفاجئنا إغواء (RS)، و(WDP) العلني من خلال مقالات إيجابية مع قادتهم، مثل حسام الحملاوي، في الاعلام البرجوازي المصري والدولي، من المصري اليوم والأهرام إلى الغارديان البريطانية والجزيرة، حيث قدموا منتدى للنقاش حول مقالاتهم وأعمدتهم.