البرجوازية المصرية و اليسار الزائف يعارضون "الثورة المصرية الثانية"

جوناثان أسوان
4 يوليو 2011

في 27 مايو تظاهر مئات الآلاف من العمال والشباب في كل المدن المصرية الكبرى ضد سياسات المجلس العسكري الذي استولى على السلطة بعد تنحي مبارك في 11 فبراير.وأوضحت المظاهرات أن المتظاهرين يعتبرون الحكومة العسكرية تهديدا للثورة.وكان من بين الشعارات المرفوعة الدعوة إلى "ثورة ثانية".

في الواقع، واصلت الحكومة العسكرية نفس سياسات دكتاتورية حسني مبارك.فقانون الطوارئ لايزال ساريا،والاحتجاجات والإضرابات المؤثرة في الاقتصاد ممنوعة، والمحتجون والناشطون الذين انتقدوا الدكتاتورية العسكرية قد أدينوا واحتجزوا. وتظل مصر حجرالزاوية للإمبريالية الغربية في المنطقة،مع أخذ السياسة الخارجية في الإعتبار. إن الهدف من بعض التغييرات البسيطة مثل الفتح الجزئي لمعبر رفح أو استئناف المحادثات الثنائية مع إيران هو احتواء المعارضة الداخلية والحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

أصر الكثير من المتظاهرين الذين تحدثوا إلى موقع الإشتراكية العالمي من ميدان التحرير يوم 27 مايو على أن لا شيء في الواقع قد تغير بعد أربعة أشهر منذ بدء الثورة

.

وقال طالب من جامعة حلوان"إنني اليوم في ميدان التحرير لأن لدينا دكتاتورية أخرى الآن.والجيش يعاقب أي نقد لحكمه.وقد هاجم و احتجز المئات من المتظاهرين والناشطين السلميين.بل ولم يلب أي من المطالب الاجتماعية والديمقراطية للشعب، ومحاكمات رموز النظام القديم هي مزحة سخيفة.فحسني مبارك قاتل الشعب لايزال يقيم في المستشفى ذي الخمس نجوم في شرم الشيخ"

وقال متظاهر آخر كان قد جاء من المنوفية الي القاهرة للمشاركة في الاحتجاجات"في رأيي أن المشير طنطاوي ]رئيس المجلس العسكري [ ومبارك متشابهان.في الحقيقة،المجلس العسكري كله هو جزء من النظام؛إنهم جنرالات مبارك.و في الواقع لم تكن مفاجأة بالنسبة لي أنه ليس هناك تغيير حقيقي. والثورة يجب أن تستمر وأنا هنا اليوم لهذا السبب".

المجلس العسكري يستخدم نفس أساليب وحجج دكتاتورية مبارك لتبرير خنق الطبقة العاملة ، بعد أن واجه معارضة متصاعدة من الشباب والطبقة العاملة.وفي نفس الوقت، تلعب أحزاب اليسار المزيف من الجبهة الإشتراكية دورا متصاعداً محاولتاً التحكم في الطبقة العاملة وتشجيع سياسات التضليل التي يتبعها المجلس العسكري والسياسيون عموما.

وحاولت جماعات إسلامية ،في الأسابيع الماضية، أن تؤجج النزاع بين الأغلبية المصرية المسلمة والأقلية المسيحية.فقد وقف الجيش مكتوفة الأيدي عندما هاجمت عصابات مسلحة كنيسة في حي شعبي في منطقة إمبابة.وقد لقي عشرة أشخاص مصرعهم في الإشتباكات. ويستخدم الحكام العسكريون الآن الخوف من "الفوضى" لتقوية آلته القمعية للدولة الرأسمالية لقمع كل من يستمر في التظاهر.

وقبل الإحتجاجات في 27 مايو،أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بيان على صفحته على الفيسبوك،متهما المتظاهرين بأنهم" عناصر أجنبية مشبوهة يدّعون أنهم وطنيون" و يدلون باقوال كاذبة من اجل فصل الجيش عن الشعب. هذه "العناصر الأجنبية" بحسب البيان،استخدموا الخارجین من القانون لتسلل فی صفوف المحتجین مستفزا للمواجهات مع الجيش وقوات الشرطة. وهم يهدفون إلى إضعاف الجيش،"صمام الأمن والأمان لمصر في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ مصرنا الحبيبة".

احيط بيان الجيش بحملة دعائية ضخمة في الإعلام المملوك للدولة ضد أي مظاهرات وإضرابات و التي تدعو الحكّام العسكريين إلى وقفة حاسمة في "الفترة الإنتقالية" وطالب أغلب المعلقين الجيش بأن"يقوم بكل ماهو ضروري لاستعادة الأمن" ووقف "الفوضى"

.

وأوضح جلال ناصر في تعليق منشور له في جريدة الأهرام الأسبوعية التي تصدر باللغة الإنجليزية أن كل الحملة من أجل "الأمن" موجهة ضد الطبقة العاملة الثورية المصرية.وقال في آخر سطر من تعليقه:"إن لم نوقف الفوضى،قد تندلع ثورة جديد،وهذه المرة ستكون الثورة التي حذرنا منها علماء الاجتماع قبل يوم 25 يناير:ثورة الجياع"

وانقسم البرجوازيون على كيفية التعامل مع التهديد بثورة ثانية.هناك كلام عن أن المجلس العسكري نفسه قد يكون أجرى اتفاقا مع الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الأخرى.

الأخوان المسلمون هم أكبر القوى السياسية في مصر وأكثرها تنظيما،وقطاعات البرجوازيين الأخرى،يعتبرون إن حكومة إخوانية مدعومة من الجيش هي أفضل وسيلة لاحتواء الحركة الثورية.وكان الأخوان المسلمون معادين للثورة منذ البداية وعارضوا المظاهرات الضخمة في الأيام الأولى للثورة. اليوم هي تدعم صراحتا الحكومة العسكرية.وأدانت متظاهري الـ 27 من مايو بأنهم"علمانيين واشتراكيين".

و العديد من الأحزاب الليبرالية،مثل الوفد أو حزب المصريين الأحرار الذي أسسه حديثا الملياردير نجيب ساويرس،رفضوا احتجاجات الـ27 من مايو،مؤكدين على الحاجة إلى الاستقرار.وامتنع كذلك السياسيون البارزون مثل محمد البرادعي،أوهشام البسطويسي،أوعبد المنعم أبو الفتوح،أو عمرو موسى الذي كان يحضر قمة الدول الثماني في فرنسا.

شارك بعض أعضاء التحالف الوطني من أجل التغيير بزعامة البرادعي،لكن بشكل شخصي.وبحسب جريدة اليوم السابع المصرية المستقلة،إن تحالفه قد قرر تعليق أنشطته"لحين استقرار البلاد."

وشارك رئيس حزب الكرامة والمرشح الرئاسي حمدين صباحي،وأيمن نور رئيس حزب الغد .وكان هدفهم صرف الأنظار عن الهدف الرئيس للمظاهرات.وادّعى نور أن الدعوة لم تكن لمليونية،وأن هؤلاء الناس يتظاهرون من أجل "استئصال الفساد السياسي".

بدأت بعض الأحزاب الليبرالية وجماعات الشباب مثل حركة 6 إبريل الشبابية – الذين في البداية طالبوا المجلس العسكري بالإستيلاء على السلطة "لحماية الثورة"- أن تأخذ موقف أكثر تشددا تجاه المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية.وعرضوا استبدال المجلس الأعلى بمجلس مدني واتهموا الجيش باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين بعد سقوط مبارك.

وقد قام الجيش مراراً بفض احتجاجات سلمية،واعتقل الآلاف وأرسلهم للمحاكم العسكرية.وتصدر جماعات حقوق الإنسان تقارير دورية عن استخدام التعذيب ضد المتظاهرين المحتجزين.

ولكن القوى التي تنتقد الجيش لا تشك في المجلس العسكري بشكل عام،ناهيك عن ذكر الدولة الرأسمالية التي يحكمها.والآن،بعد أن بدأ قطاع عريض من المجتمع أن يفهم الوجه الحقيقي للمجلس العسكري وأن يفيق من أوهام الأيام الأولى للثورة،وتدّعي منظمات الطلبة أن الضغط عبر الجموع يكفي لانخراط الجيش في "حوار حقيقي" لإكمال الثورة.

وتلعب جماعات اليسار الزائفة مثل الإشتراكيين الثوريين (RS)،وحزب العمال الديموقراطي (WDP)،وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي (SAP)،وحزب الاشتراكي المصري (ESP)،وحزب الشيوعي المصري (ECP)، دورا خطيرا في الجهود من أجل منع ثورة ثانية من الأسفل ولمساندة الدولة البرجوازية.وفي 10 مايو ،اتحدت هذه القوى فيما يسمى الجبهة الاشتراكية ،معلنين في بيانهم التأسيسي أنهم سوف "يتعاونون مع كل لقوى الديموقراطية والتقدمية لإنجاز أهداف قومية مشتركة".

الجبهة الإشتراكية لديها برنامج و خطط قومية برجوازية، وتتبنى كذباً شعار "الإشتراكية" فقط لكي تضلل العمال والشباب الباحثين عن بديل للنظام الرأسمالي. المظور الذي يختبئ خلف هذا التشكيل من الجبهة الإشتراكية هو بناء تحالف واسع من أحزاب الطبقة المتوسطة،الذي سيريد التأثير أو المنصب العام تحت سيطرة الجيش المصري.وليس له أي علاقة بالإشتراكية أو كفاح القوى العمالية.

في 27 مايو،لم تدعم هذه القوى اليسارية الزائفة الدعوة لثورة ثانية.أصدر حزب الإشتراكيين الثوريين بيانا تحت عنوان "لا لحكم العسكر: لماذا نعود إلى التحرير في 27 مايو القادم" داعين إلى "مجلس رئاسي مدني ثوري لإدارة للمرحلة الإنتقالية ليعود بالثورة لمسارها الصحيح" وطالبوا أيضا بـ"انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستور جديد للبلاد قبل إجراء أي انتخابات".

بدون منظور ثورة جديدة ضد المجلس العسكري،هذه الجملة فارغة _تعبيرعن الآمال في أن الدكتاتورية العسكرية ستخلق رأس مالية ديموقراطية.وتضامن مع حزب الإشتراكيين الثوريين في التوقيع على الوثيقة الجبهة القومية للعدالة والديموقراطية (NFJD) وهي حزب رأس مالي يعمل في فلك الدولة السابقة وجهازها الإعلامي.

هدف الجبهة القومية للعدالة والديموقراطية المعلن هو العمل" مع كافة الحركات السياسية المختلفة حول أشكال الحكم والبيئات السياسية والدستورية الأفضل للمرحلة القادمة دون إقصاء أي جانب " ويحتوي برنامجها على "التأثير في نتيجة الانتخابات بقدر المستطاع" وتشمل أساليبها "الضغط الجماهيري" وأيضاً "الضغط الإعلامي"،بما يشمل العمل على "ترسيخ علاقات جيدة و مفيدة مع منابر الإعلام التقليدي" (راجع:

http://www.tahrirdocuments.org/2011/05/national-front-for-justice-and-democracy

أما قوى الجبهة الإشتراكية الأخرى فلم تكلف نفسها حتى بالمطالبة بتنحي المجلس العسكري، لكنها نشرت الوهم بأن المجلس العسكري يمكن الضغط عليه من أجل تبني سياسات ديموقراطية.

ودعا حزب التحالف الشعبي الإشتراكي "خريطة طريق للمرحلة الانتقالية تضمن و وضع دستور جديد للبلاد أولا و قبل اجراء أي انتخابات" وطالب المجلس العسكري بـ"حماية البلاد من أخطار لا يعلم مداها إلا الله" ويخشى حزب التحالف الإشتراكي من الثورة و تزلفه أمام دكتاتورية المجلس العسكري فلا عجب فیه –إنه يتكون من أعضاء سابقين من الحزب "اليساري" خلال حقبة مبارك،حزب التجمع القومي التقدمي الوحدوي.وقد تشوهت سمعته بعد سنوات من التعاون والتحالف مع مبارك.

وزع حزب العمال الديموقراطي،الذي أسسه تحالف الثوريون الإشتراكيون حديثا نشرة بعنوان "معاً ... لنصرة الثورة" يعلن أن مطالب الشعب المصري لاتزال قائمة لكن هذه "التصريحات الرسمية سواء للوزراء أو المجلس العسكري تشير إلى أن مطالب العدالة الاجتماعية والعيش بكرامة ليست ضمن أولويات المرحلة القادمة".

مدح حزب العمال الإشتراكي البريطاني- الجماعة المتضامنة مع تيار الإشتراكي الاممي(IST) ،والذي ينتمي إليها الإشتراكيون الثوريون في مصر-مدح المجلس العسكري علانيتا.

وفي تعليق منشور في موقع حزب العمال الإشتراكي الإلكتروني socialistworker.org يوم 1 يونيو لمصطفى عمر،أن المجلس العسكري"لانية لديه لمحاولة العودة للطريقة عمل النظام قبل 25 يناير".وحتى أضاف أن الجيش "يهدف إلى إصلاح النظام السياسي والإقتصادي،بما يسمح له بأن يصبح أكثر ديموقراطية وأقل قمعيتاً" وأورد عمر أن "اليسار" يحتاج أن "يضغط على المجلس ومؤيديه في الأشهر القليلة القادمة،وتفادي المواجهات المبكرة معه ".

مثل هذه الحجج –أن المجلس العسكري يشكل قوة تقدمية،أو أنه يمكن إقناعه ببناء نظام ديموقراطي- هي كذبة رجعية. والأحزاب التي تسانده ليست معادية فقط للكفاح من أجل الإشتراكية،بل إن عداوتها للإشتراكية تعني أنهم معادين لأي كفاح من أجل الديموقراطية.

بينما تثور الطبقة العاملة ضد الفقر والإستغلال كعمالة رخيصة الرأسماليات والدكتاتورية العسكرية غارقة في تحالف ضيق ضد تحرك الشعب. الجيش المصري يحتاج الدعم المالي والتقني من الإمبريالية الأجنبية،بملاحظة حزم المساعدات بمليارات الدولارات التي تتلقاها من واشنطن.ومن أجل مصلحتها، تحتاج الرأسمالية الأجنبية والمصرية المجلس العسكري كي يفرضوا سياسات اليمين التي يعدونها على الطبقة العاملة والطبقات الدنيا المقموعة.

في 5 يونيو أعلن سمير رضوان وزير المالية أن مصر ستقر 3 مليار دولار بترتيب مع صندوق النقد الدولي.ومثل كل معونات صندوق النقد الدولي لأوروبا ودول العالم،سيكون هذا إفقارا أكثر للطبقات الدنيا من المجتمع.تستخدم القوى الأمريكية والأوروبية صندوق النقد الدولي لإجبار مصر على فتح اقتصادها للأصول الأجنبية. قادت سياسات الأسواق الحرة هذه للفقر المدقع وعدم المساواة الإجتماعية في مصر التي كانت السبب الرئيس لإنفجار الثورة.

وبينما تستعد الدكتاتورية العسكرية لتطبيق هذه السياسات،يزيد من استخدامه للقوة ضد الطبقة العاملة.وفي 1 يونيو،احتجزت الشرطة العسكرية خمسة من بين 150 عامل في شركة بتروجيت نظموا اعتصاما أمام وزارة البترول.

وفي 3 يونيو مات سائق ميكروباص وهو رهن الاعتقال في قسم الأزبكية سيء السمعة بالقاهرة.وقال زملاؤه إنه تعرض للتعذيب حتى الموت من قبل الشرطة. فأثاروا الشغب وأشعلوا النار في إحدى سيارات الشرطة.وهجمت الشرطة العسكرية وقوات الأمن المركزي على المحتجين وألقت القبض على العديد منهم.

تمّ تعريب هذا المقال من الإنكليزيّة. يحثّ الموقع الإلكترونيّ للاشتراكيّة العالميّة (WSWS) القرّاء في مصر وجميع أنحاء المنطقة على توزيع مقالاتنا والنضال في سبيل الاشتراكيّة. للاتصال بـWSWS، أنقروا هنا. وللإطّلاع على مزيد من المقالات في اللغة العربيّة، انقروا هنا.