اندفاع و هرولة وزير الاقتصاد الالماني لاستغلال الفرص التجارية في ايران

By يوهانس شتيرن
٢٦ تموز يوليو ٢٠١٥

في السنوات الاخيرة ، نادرا ما تسببت رحلات المسؤولين السياسيين الالمان الى الخارج بضجة قوية كما حدث للزيارة التي قام بها نائب المستشار الالماني و وزير الشؤون الاقتصادية سيجمار غابريل (الحزب الديموقراطي الاشتراكي ، سي.دي.او) الى ايران، حيث توجه غابريل برفقة وفد من كبار رجال الاعمال، و لم يكد يجف بعد حبر الاتفاق النووي الاخير مع ايران.

ان غزوة برلين لاحد البلدان الاكثر اهمية استراتيجيا و الغني بالموارد الطبيعية في الشرق الاوسط هو جزء من عودة الامبریالیة الالمانية الى المسرح العالمي ، فايران تملك رابع اكبر احتياطي نفط و ثاني اكبر احتياطي غاز في العالم ، و ما يميز هذه الزيارة انها جرت بنفس الاسبوع الذي ضغطت فيه الحكومة الفدرالية الالمانية على اليونان لتنفيذ برنامج تقشف صارم ، و متزامنة مع زيارة وزير الخارجية الالماني فرانك - فالتر شتانماير على رأس وفد الى كوبا.

كانت رحلة غابريل الى ايران ذات الاهداف الواضحة غير متوقعة و مفاجئة للعديد من وسائل الاعلام الذين اعتادوا على انتقاد التدخلات الالمانية العدوانية في الشؤون العالمية، حيث اضطروا للانتقاد و السخرية من التسرع في الزيارة.

كتبت جريدة " زود دويتشي سايتونغ" كان هذا عمل محرج و نحذر لانه بهذا قد تم الانطباع ان المانيا تهتم فقط لمصالحها الاقتصادية . فالوصول متأخر غباء و لكن في بعض الاحيان الوصول باكرا جدا اكثر غباءا.

و وصفت جريدة فرانكفورتر الجماين سايتونغ رحلة غابريل " كان اسبق من الجميع اذا لم يكن متسرع جدا" . و علق كاتب المقال : "ربما هذه الخطوة تساعد الصناعة الالمانية للحصول على موطئ قدم في هذا السوق من جديد بعد سنوات طويلة من العقوبات" . مع ذلك " فهي إشارة غامضة" لسياسة المانيا الخارجية حسب رأي الجريدة.

كما صدرت انتقادات لزيارة غابريل من اعضاء في الحكومة نفسها : " اشعر بالقلق من القول بان ايران احد اصدقائنا" قالها رودريك كيزفتر عضو (حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم (سي.دي.او ) و ممثل تحالف الحزب الحاكم و حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي (سي.اس.او) في لجنة الشؤون الخارجية في البوندستاغ ( البرلمان الفدرالي). و اضاف قائلا " يمكن لايران فقط ان تكون صديقا لنا و عامل استقرار في المنطقة عندما تعترف بحق اسرائيل بالوجود". كما صرح عضو البرلمان السابق النائب عن الحزب الاشتراكي الديموقراطي (اس.بي.دي) و رئيس الجمعية الالمانية – الاسرائيلية راينهولد روبي قال : ان خطوة غابريل تعطي الانطباع ان المانيا تضع مصالحها الاقتصادية فوق كل شيء آخر"

و مما ساعد على تأكيد هذا "الانطباع" غرور غابريل و تبجحه عندما هبطت طائرته في مطار مهرباد الدولي في طهران صرح لمراسلي الصحافة الالمانية مباشرة قال: "نحن تقليديا لنا علاقات جيدة مع ايران كما ان العديد من الشركات ترغب في الاستفادة من الاتصالات الجارية. و هذا سوف تظهر نتائجه عندما يدخل الاتفاق حيز التنفيذ مع بداية السنة القادمة. و هي الخطوة الاولى الرئيسية و الاهم مع التأكيد انها ستترافق مع خطوات اخرى علينا القيام بها" .

لم يستطع ممثلوا رجال الاعمال في الوفد المرافق لغبريل اخفاء حماستهم للانفتاح الجديد لفرص التصدير للبضائع و السلع الاساسية للامبريالية الالمانية . قال اريك شفايتزر رئيس جمعية الغرف الالمانية للصناعة و التجارة : "ان الصناعات الالمانية تحظى بتقدير كبير في ايران حيث كانت اهم ثاني سوق مستورد للبضائع الالمانية خارج اوروبا خلال فترة حكم الشاه، و اكثرنا يريد العودة و متابعة ما كان".

كذلك صرح فولكر تراير مسؤول التجارة الخارجية لجمعية الغرف الالمانية للصناعة و التجارة قال : "ان توجه الاقتصاد الايراني نحو الصناعة اقوى مما يعتقده البعض ، فايران ذات الـثمانين مليون نسمة و تملك قاعدة صناعية قوية، فمن المؤكد ستكون سوق تصدير للشركات الالمانية".

كما ان صحف الاقتصاد الالمانية ايضا ابدت حماسا لا يوصف حول تطورات الحدث. كتبت المجلة الشهرية مانجر مغازين بحماس " بالاضافة لليد العاملة ذات التأهيل العالي هناك الكثير من المواد الخام المتوفرة في ايران . و ينظر الى ايران "كـعملاق نائم" يحتوي على كل المتطلبات الاقتصادية الحبيسة نتيجة العقوبات الاقتصادية في السنوات الاخيرة".

ان الامبريالية و العاصمة الالمانية تعتبر ان وزير الخارجية الالماني فرانك فالتر شتانمير بذل جهدا و ساهم في التوسط لاتمام الاتفاق النووي الايراني كفرصة لاعادة بناء العلاقات الوثيقة التقليدية مع ايران و لزيادة النفوذ الاقتصادي و السياسي الالماني في كل المنطقة.

كتبت صحيفة دي فيلت : " ان فرص الانفتاح امام الشركات الالمانية في ايران رائعة و مهمه" ، فالعلاقات الاقتصادية بين البلدين معروف انها " نمت و تطورت منذ عقود" و "بعض الشركات الالمانية اقامت علاقات تجارية في عمق الامبراطورية الفارسية السابقة لاكثر من 100 سنة".

بناءا لمصادر رسمية ، ان حوالي 80 شركة المانية تعمل حاليا و مباشرة من خلال فروع لها في ايران، و حوالي 1000 شركة ايضا لها ممثلين هناك . من بينهم اكبر المؤسسات الصناعية التجارية ، شركة هينكل و سيمنز و باير. و رغم التراجع الحاد في العلاقات الاقتصادية في السنوات الاخيرة فقد ارتفعت قيمة الصادرات حوالي الثلث تقريبا اي 2,4 مليار يورو (2,6 مليار دولار امريكي) في سنة 2014 .

و تتوقع غرفة التجارة و الصناعة الالمانية مضاعفة الصادرات الالمانية خلال السنتين المقبلتين لتصل الى 5 مليار يورو (5,5 مليار دولار امريكي). بينما يعتقد الاتحاد الصناعي الالماني انه من المحتمل ان تصدر الشركات الالمانية بضائع ما قيمته 10 مليار يورو الى ايران في المستقبل القريب.

و عقب الاجتماع مع وزير النفط الايراني بيجان نامدار زنكنه يوم الاثنين، اعلن غابريل ان المانيا و ايران ستستأنفان تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة بداية سنة 2016 . كما عبر الرئيس الايراني حسن روحاني عن امله بأن برلين ستلعب دورا ايجابيا في بناء و تطوير العلاقات بين البلدين و ايضا بين اوروبا و كل الشرق الاوسط ، " كما فعلت في مفاوضات البرنامج النووي".

و ما يصفه روحاني و النظام الايراني بأنه "ايجابي" هو في الحقيقة يعني الخضوع الايراني الكامل لسيطرة و نهب القوى الامبريالية و ذلك بعد 35 عاما من الثورة.

و علقت جريدة زود دويتش سايتونغ تحت عنوان "السباق الكبير" ، كتبت : ان المانيا " ليست البلد الوحيد الذي يريد عودة حذرة للعلاقات الطبيعية" و اشارت قائلة " رغم ان غابريل "كان اول سياسي غربي كبير يصل الى ايران" بعد الاتفاقية النووية، الا ان العديد من وزراء خارجية بلدان الاتحاد الاوربي قد زار طهران . ففرنسا ارسلت "130 شخصا ضمن وفد تجاري قوي الى ايران في شباط سنة 2014 ". منهم توتال شركة النفط العملاقة ، مصانع اليستوم ، و مجموعة شركة الاتصالات اورانج كما شارك ممثلين عن مصانع السيارات الفرنسية.

تعتبر الصين المنافس الواضح و الاقوى ، صرح انتون بونر، رئيس اتحاد التجارة الخارجية، حيث استخلص انه من المحتمل سيكون "صعبا" على الشركات التجارية الالمانية " ان تصبح الشريك التجاري الاكبر لايران مرة اخرى" . و وفقا لبونر : "استغلت الشركات الصينية سنوات فترة العقوبات ليؤسسوا وضعا تجاريا قويا لانفسهم في ايران و سوف يكافحوا للحفاظ على هذا المركز عندما ترفع العقوبات عن ايران".

و تعليقا على زيادة منافسة البلدان الاسيوية صرح فولكر تراير مسؤول التجارة الخارجية لجمعية الغرف الالمانية للصناعة و التجارة قال " من الواضح ان الشركات الصينية و الكورية اخذت مكاننا تحت الشمس (اي احتلت موقعنا التجاري في ايران) " و قال ايضا ان حجم الصين التجاري الان يعادل 50 مليار دولار امريكي في ايران فلا اعتقد انه بامكاننا الوصول الى هذا المستوى من الاستثمار"

و في الحقيقة ان كبار رجال الاعمال الالمان يطالبون بحقهم في " مكان تحت الشمس" و هذا التعبير له معنى و مدلول تاريخي قديم . فعندما نشأت الامة الالمانية و اصبحت قوة استعمارية حاولت ان يكون لها "مكان تحت الشمس" (اول من استخدم هذا التعبير المستشار برنهارد فون بولو امام البرلمان الالماني في 6 كانون اول سنة 1897) و هذا التعبير يشير الى المستعمرات الالمانية في افريقيا و الشرق الاوسط حيث تطورت فيما بعد السياسة الاستعمارية الى محاولة سيطرة القطب الواحد على العالم مما ادى الى كارثتين ( الحرب العالمية الاولى و الثانية) في القرن العشرين.

و كما في الماضي ، فان تجدد التوجه الالماني الاستعماري على المسرح العالمي ستفاقم التوتر مع الولايات المتحدة الامريكية، مع ان هذه المسألة لم تناقش علنا، لكن اندفاع و هرولة الشركات الالمانية لتؤسس لمصالحها التجارية في ايران ما هي الا محاولة لاجهاض المنافسة الامريكية المحتملة، و التي ستبقى مستبعدة الى ان يصوت "الكونجرس الامريكي" على اتفاق البرنامج النووي. ان هيمنة الامبريالية الالمانية على ايران او هيمنة الامريالية الاوروبية بقيادة المانيا عبارة عن تحد جيو- استراتيجي مباشر للامبريالية الامريكية ، التي ابرمت الصفقة النووية اساسا من اجل تثبيت و ترسيخ هيمنتها على المنطقة.