تأملات ختامية حول الذكرة المئوية لثورة أكتوبر

٢٩ كانون الأول ديسمبر ٢٠١٧

في مطلع هذا العام الذي قارب الآن على الانقضاء كتب موقع الاشتراكية العالمي :" ثمة شبح يطارد عالم الرأسمالية، إنه شبح الثورة الروسية". لقد تأكد هذا التصريح بشكل ثري من خلال الطريقة التي تابع بها مؤرخو وصحافيو البورجوازية الذكرى المئوية لثورة أكتوبر. فخلال الأشهر الأولى من العام كانت التعليقات ساخرة ورافضة وتمثل ذلك في الملاحظة الوقحة التي كتبتها المؤرخة شيلا فيتزباتريك التي كتبتفي شهر مارس الماضي في مجلة مراجعة الكتب في لندن : " ليس هناك أفشل من الفشل وفيما يخص مقاربة المؤرخين للذكرى المئوية للثورة فإن اختفاء الاتحاد السوفيتي خيم على بريق الثورة. ومن بين محصولالكتب الجديدة والكثيرة ، الشبيهة بالطفح الجلدي، التي تناولت الثورة ثمة قلة منها ادعت استمرار دلالة الثورة ، وتضمن البعض منها نبرة دفاعية واعتذارية...إن الاشتراكية لا تعدو أن تكون سراباً يبدو من الأفضل عدم الإشارة إليه".

لكن مع تقدم أيام السنة ووسط التهديد المتصاعد بوقوع حرب مدمرة والتظاهرات اليومية لعدم الاستقرار السياسي العالمي و اشتداد التوترات الاجتماعية فإن لهجة التعليقات اكتسى قتامة غير معهودة . جرى افتراض أن تفكيك الاتحاد السوفياتي من قبل البيروقراطية الستالينية عام 1991 قد طرد شبح الثورة الاشتراكية بشكل تام، لكن مع اقتراب الذكرى المئوية للثورة التي قادها لينينوجدت البورجوازية نفسها في وضع الليدي ماكبث تتساءل: من كان ليظن أن عروق الرجل العجوز تحوي كل هذا القدر من الدماء؟

ففي دراسة نشرت في النيويورك تايمز في السادس من شهر نوفمبر كتب المؤرخ اليمينيسيمون سيباغ مونتيفيوري: " إن ثورة أكتوبر التي قادها لينين قبل مائة عام بالتحديد ما تزال تحتفظ بأهميتها بأشكال لم يكن من الممكن تخيلها عندما انهار الاتحاد السوفياتي". وقال بعصبية أن صدى الانتصار البلشفي مستمر وأنه يلهم ويلوح في الأفق ملحمياً وأسطورياً وفتاناً". وعبر مونتيفيوري عن الحسرة بسبب فشل الحكومة الروسية البورجوازية المؤقتة فىهزيمة الثورة من خلالاغتيال لينين.

وفي اليوم ذاته وفي صحيفة واشنطن بوست، حذرت المؤرخة المناهضة للشيوعية آن آبلباوم من أن الرأسمالية ما تزال غير محصنة تجاه مخاطر ثورة اشتراكية، وأن على الحكومات عدم الشعور بالرضا حتى ولو كان الاشتراكيون الثوريون ما يزالون قليلي العدد لكن يجب عدم إساءة تقدير قدراتهم الكامنة. وكتبت آبلباوم " لنتذكر أنه في بداية عام 1917...كان معظم الرجال، الذين عرفهم العالم لاحقاً بوصفهم البلاشفة، متآمرين وخياليين يعيشون على هامش المجتمع لكنهم مع نهاية العام حكموا روسيا". وبالتالي فإن درس 1917 واضح: " إذا وصل النظام إلى حالة كافية من الضعف وكانت المعارضة منقسمة بشكل كاف وإذا كان النظام الحاكم فاسداً بما فيه الكفاية فمن الممكن أن يظهر المتطرفون فجأة في المركز من حيث لا يمكن أن يتوقع أحد".

لكن وبالتعارض مع المؤرخين البورجوازيين من أصحاب الوعي الطبقي الرفيع نجد أن ممثلي اليسار الزائفمن البورجوازية الصغيرة مستمرون في التأكيد على عدم أهمية ثورة أكتوبر بوصفها دليل نظري ونموذج سياسيللاشتراكيين في عالم اليوم. إنهم لم يعترضوا على إغداق المديح على لينين و تروتسكي بشكل احتفالي خالص أما فيما يتعلق بالواقع العملي فإنهم لا يرون أي شيء نظري أو سياسي في تجربة البلاشفة وفي ثورة أكتوبر يتصف بصلة خاصةوثيقة بعالمنا المعاصر. إن هذه النظرة المفلسة وجدت أسمى تعبير عنها في طبعة خاصة من مجلة اليعاقبة المخصصة للذكرى المئوية لثورة أكتوبر. تضمنت المجلة دراسة حملت عنوان" الشيوعيون الجدد" بقلم كونور كيلباتريك و أدانير أوسماني بدأت بشعار " إنها سنة 2017. حن الوقت للكف عن القلق حول قضايا 1917".

إن هذه النصيحة ليست بالقدر من الفرادة التي يبدو أن كل من كيلباتريك و أوسماني يعتقدانه حيث أنها تمثل المفهوم الأساسي الذي قام عليه " اليسار الجديد " قبل نصف قرن من الزمان. وكما كان الحال عام 1968 عندما تم المناداة بالكف القلق حول قضايا 1917 وهو أمر كان موجهاً بشكل مباشر ضد دراسة نظرية وبرنامج و مبادئ والدروس الاستراتيجية المتعلقة بمسألة استيلاء الطبقة العاملة تحت قيادة حزب ماركسي ثوري على السلطة لأول مرة في حدث لم يتكرر.

ثمةنتيجة طبيعية لمقاربة مثل اللازمة ترافق الدعوة " إلى نسيان التاريخ" التي يتبناها " اليسار الجديد" وسلالته من اليسارالزائف مفادها عدم دراسة الدور الذي لعبته الستالينية ، والاشتراكية الديمقراطية والوسطية وغيرها من أشكال الانتهازية السياسية في حرف المسار وإضاعة العديد من الفرص التي أتيحت أمام الطبقة العاملة خلال القرن العشرين لقلب الرأسمالية بطريقة ثورية. ونجد في المقام الأول فقدان الذاكرة الذي يروج لها اليسار الزائف الذي استهدف ضد دراسة التاريخ والبرنامج التروتسكيين والأممية الرابعة بشكل جدي وملتزم.

تزخر الدراسة التي أعدها كيلباتريك – أوسماني بنوع من السخرية وبالتبريرات السطحية التي تسم مجلة اليعاقبة بشكل عام، وهذه المجلة ، كما يمكن أن نتوقع، تحظى بتقدير صحيفة نيويورك تايمز التي تروج لها وتثني عليهابوصفها صورة مثالية عن النظرية الاشتراكية المعاصرة. "بغض النظر عن أن اشتراكية القرن العشرين كانت محكومة بالفشل فنحن الآن نعيش في عصر جديد" هذا ما كتبه المؤلفان دون أن يفسرا بدقة مضمون هذا " العصر الجديد"، وكيف يختلف جوهرياً عن عصر ثورة أكتوبر. وببساطة يجزم المؤلفان قائلين " اليوم وبعد انقضاء مائة عام تغير العالم. (؟) إن المهام السياسية الراهنة بعيدة كل البعد عن تلك التي واجهها البلاشفة عام 1918(؟؟). لقد ورث البلاشفة عالماً عانى بشدة من حرب إمبريالية فتاكة في حين نعيش نحن في أفضل مرحلة سلام سجلها التاريخ." (؟؟؟)

يبدو أن مؤلفي هذا الهذيان السياسي قد غفلا عن الخمسة وعشرين سنة الماضية و غضا الطرف عن اجتياح العراق مرتين ، وحروب البلقان في التسعينيات، وحمامات الدم المختلفةالتي حرضت عليها الإمبريالية في أفريقيا،والصراع الشامل اذي أفلت عقاله في معظم أرجاء الشرق الأوسط وفي آسيا الوسطى نتيجة " للحرب ضد الإرهاب" المستمرة منذ ستة عشر عام. وخلال "هذه الحقبة التي سجلت أطول فترة سلام في التاريخ" قتل وجرح ملايين البشر وتم تشريد عشرات الملايين الذين فقدوا بيوتهم ودولهم.

كما أعلن منظري المجلة اليعقوبية أن "الطبقات العاملة في العالم تحركت إلى الأمام". لقد مضى زمان أحلام اليقظة و حان الوقت بالنسبة لنا لنكف عن الانشغال بإجابات قديمة عن مسائل قديمة وأن نبدأ بالاهتمام بالقضايا التي تهم الطبقات العاملة".. إنه ليس عصر لينين وتروتسكي بل هو عصر ساندرز و كوربين! ويعتقد المؤلفان أنهذين الاثنين هما ممثلين، مثيرين للشفقة، للنزعة الإصلاحية الخرفة ويتم اعتبارهما الصوت الحقيقي " لعشرات ملايين الأشخاص ( الذين) يستميتوا في سبيل تغيير العالم".لكن الكاتبين فشلا في شرح كيف سيتم تلبية الطموحات الثورية تحت قيادة شخصين "يستميتان في سبيل الحفظ على الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة وعلى حزب العمال في المملكة المتحدة وهما أشد الأحزاب الرأسمالية – الإمبريالية رجعية في العالم.

* * * *

خلال الأشهر الاثني عشر المنصرمة قامت اللجنة الدولية للأممية الرابعة بإحياء ذكرى مئوية ثورة أكتوبر بطريقة عبرت عن تماهيها العميق على المستويين السياسي والتاريخي مع أحداث عام 1917 ومع برنامج البلشفية الثوري . وتضمن إحياءنا للذكرى في نشر مقالات في صفحة موقع الاشتراكية العالمي الإلكتروني تضمن تقرير زمني اسبوعي مفصل لعام 1917 رسم الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدها ذلك العام الثوري في روسيا وعلى الصعيد الدولي . و بالتوافق مع التركيز على الجدل النظري والسياسي الرئيسية في عام 1917، سعينا أيضا إلى توفير الإحساس بالأجواء الاجتماعية والثقافية التي تطورت فيها الحركة الثورية الكبيرة للبروليتاريا الروسية.

كما أذاعت اللجنة الدولية للأممية الرابعة تسعة محاضرات فحصت وشرحت القضايا الهامة النظرية والبرنامج والمنظور التي واجهت الحزب البلشفي في ثورتي شهري فبراير وأكتوبر من عام 1917. وأخيراً وفي خريف عام 2017 قامت الأحزاب المرتبطة باللجنة الدولية للأممية الرابعة في كل من أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا وفي بلدان آسيا المطلة على المحيط الهادئ بتنظيم محاضرات جماهيرية حول الدلالة التاريخية لثورة أكتوبر والدروس المستقاة منهاحضرها جمهور تكون بشكل رئيسي من طلاب ومن شباب ومن عمال.

كانت كل أشكال إحياء الذكرى المئوية التي نظمتها اللجنة الدولية متجذرة في موقف لا يقبل المساومة في الدفاع عن المنظور الماركسي الثوري وتضمن هذا المفاهيم الجوهرية التالية:

1) إن ثورة أكتوبر قد دشنت بداية عصر الثورة الاشتراكية العالمية، وهي مرحلة تاريخية انتقالية من الرأسمالية إلى الاشتراكية وهي مستمرة في تحديد شكل المرحلة التاريخية القائمة حالياً. إن إقامة سلطة العمال عام 1917 و ما ترتب عن ذلك من إنشاء الاتحاد السوفيتي عام 1922 كانا إنجازين عظيمين لثورة أكتوبر . ومع ذلك وعلى الرغم من أهمية إقامة سلطة السوفييت والدفاع عنها لكن كانت تلك مرحلة على طريق الثورة الاشتراكية العالمية. كان التخلي عن برنامج الثورة العالمية و انحراف البلشفية لتصبح مشروع بناء دولة قومية هو جوهر خيانة الستالينية. إن برنامج " الاشتراكية في بلد واحد" الذي أعلنه ستالين و بوخارين عام 1924 مثل انبعاثاً للتوجه القومي- الديمقراطي الذي تبناه ستالين و كامنييف في الفترة التي تلت مباشرة ثورة فبراير 1917 الأمر الذي عارضه لينين دون هوادة إثر عودته إلى روسيا في شهر أبريل.

2) إن أحداث عام 1917 التي بلغت ذروتها في استيلاء البروليتاريا الروسية على السلطة أكدت صحة نظرية الثورة الدائمة التي صاغها ليون تروتسكي في أعقاب ثورة عام 1905 . وكما تنبأ تروتسكي فإن تنفيذ المهام الديمقراطية للثورة لم يكن ممكناً إلا من خلال الإطاحة بالبورجوازية على يد البروليتاريا وإطلاق سياسات اشتراكية. إن الدفاع عن الثورة الاشتراكية في أي بلد تقع فيه مرتبط بانتشار الثورة عبر العالم.

3) إن انتصار ثورة أكتوبر برهن على ضرورة وجود حزب ماركسي طليعي. ولولا النضال الطويل الذي خاضه لينين ضد السياسات الانتهازية وضد تأثير التحريف المثالي للمادية الفلسفية لما كان من الممكن وجود كوادر الماركسيين الثوريين من أصحاب الوعي الطبقي الرفيع ضمن الطبقة العاملة، وهو أمر كان ضروري على المستويين السياسي والتنظيمي، لتوجيه الحركة الجماهيرية التلقائية التي تفجرت في روسيا عام 1917.

4) إن ضرورة وجود حزب ماركسي ثوري التي تم البرهنة عنها بشكل إيجابي عام 1917 من خلال الدور القيادي للبلاشفة قد تم البرهنة عليها بشكل سلبي من خلال إخفاقات الطبقة العاملة في العقود التالية من السنين. لقد تمكنت الرأسمالية من البقاء خلال القرن العشرين ولم يكن هذا بسبب عدم توفر أوضاع وفرص ثورية بل نتيجة لخيانة قيادة الأحزاب الخاضعة للبيروقراطية وكذلك خيانة نقابات ومنظمات الطبقة العاملة.

5) إن حل أزمة قيادة الطبقة العاملة، وفق ما أكد عليه تروتسكي في البرنامج التأسيسي للأممية الرابعة يظل يمثل المهمة التاريخية الكبرى التي تواجه الحركة الاشتراكية الثورية.

إن اللجنة الدولية للأممية الرابعة تمتلك كل الحق للنظر إلى الخلف بفخر بفضل العمل النظري والسياسي الذي قامت به في عام 2017. إن قدرة اللجنة الدولية على تنفيذ هذا البرنامج الطموح الخاص بالتأهيل السياسي والنظري يستحق التقدير نظراً لواقع استمرارها في نشر مقالات يومية في الموقع الإلكتروني للاشتراكية الدولية. إن هذا الإنجاز يشهد على على التعزيز الكبيراللجنة الدولية للأممية الرابعة بوصفها الحزب الاشتراكي الثوري الوحيد في العالم.

لكن الفخر بإنجازات الماضيةمختلف عن الرضا عن الذات. إن اللجنة الدولية تنظر إلى كل العمل التعليمي الذي تم خلال العام الماضي بوصفه مرحلة تحضيرية جوهرية لاستئناف الصراع الطبقي على المستوى الدولي الأمر الذي سيكون أهم المميزاتالسياسية في عام 2018.

تحضيرية أساسية لاستئناف الصراع الطبقي على المستوى الدولي، والذي سيكون أهم سمة سياسية لعام 2018

دافيد نورث