الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تستعد للانقضاض على سورية .

١١ نيسان أبريل ٢٠١٨

يوم الأربعاء الماضي هدد الرئيس دونالد ترامب بتصعيد خطير في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة قبل سبع سنين بهدف تغيير النظام في سورية وأعلن في تغريدة عبر التويتر : "أقسمت روسيا بأنها ستسقط كل الصواريخ التي ستستهدف سورية. استعدي يا روسيا لأن صواريخنا الذكية والجديدة والرائعة قادمة".

إن تصريحات ترامب تعبر عن الحملة الإجرامية التي تقودها الولايات المتحدة ضد سوريا حيث أن رئيس الولايات المتحدة يقف على عتبة شن حرب عدوانية لا مبرر لها فالولايات المتحدة وحكومات أوروبا الغربية تكذب دون ضوابط بهدف تبرير حربها الهادفة إلى النهب كما أن التصريحات غير القابلة للتصديق تمر دون أن يتم تفنيدها من قبل الصحافة.

إن ادعاء الولايات المتحدة بأن مخططاتها لمهاجمة سورية هي رد على استخدام نظام الأسد للسلاح الكيميائي في السابع من نيسان/ أبريل لا يستند إلى أي تحقيق مستقل وكل من يسمىالشهود هم من القوى العميلة للولايات المتحدة في سوريا.

إن كل الادعاءات الإنسانية للولايات المتحدة لا يمكن أن تصمد أمام أي تقصجدي حيث تجاهلت وسائل الإعلام الغربية مجازر الإسرائيليين التي نفذت بدعم من الولايات المتحدةبحق المتظاهرين المدنيين العزل في غزة كما أن العربية السعودية وهي الحليف الأول للولايات المتحدة في الشرق الأوسط تشن حرب إبادة في اليمن ، وقد تسبب الهجوم الضاري للولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى تدمير مجتمعات بأسرها.

وإذا وضعنا جانباً عدم وجود أدلةفلم يتم تقديم تفسير معقول حول سبب قيام نظام الأسد بهجوم بالأسلحة الكيماوية عندماكان على وشك طرد المتمردين المرتبطين بالقاعدة و الممولين من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. لكن هناك الكثير من الأسباب التي تفسر سبب قيام الولايات المتحدة للإيعاز إلى وكلائها لترتيب مثل هذا الحادث المفبرك. فقبل يومين ومن الهجوم المزعوم في دوما اشتكت صحيفة نيويورك تايمز من أن ترامب " ترك لروسيا دور الزعامة في سوريا " وأنه سمح لإيران بالحصول على موطئ قدم في البلاد وتساءلت الصحيفة " كيف يمكن أن يخدم هذا المصالح الأمريكية؟ "

وبعد ساعة واحدة من تغريدة ترامب على التويتر يوم الأربعاء صباحاً أقر في تغريدة تالية بأن هناك قوى سياسية في واشنطن تقف وراء الحملة ضد روسيا حيث كتب ترامب " أن الكثير من أسباب التوتر مع روسيا ناتجة عن التحقيق المزيف والفاسد الذي يقوده كل أنصار الحزب الديمقراطي أو أشخاص يعملون لمصلحة أوباما".

وخلف الصراع الطائفي المتزايد الذي يشغل بال واشنطن ، هناك انقسامات جذرية حول السياسة الخارجية التي ركزت حولالصراع في سوريا ، والتي استمرتمنذ سنوات.

ففي عام 2013 كانت الولايات المتحدة على وشك شن هجوم عسكري شامل بهدف تغيير نظام الرئيس السوري الأسد، وسعت لتكرار ما حدث عام 2011 عند الإطاحة بمعمر القذافي في ليبيا لكن الرئيس أوباما اضطر للتراجع وسط معارضة شعبية عارمة و بعد فشل تصويت برلمان المملكة المتحدة على السماح بمشاركة بريطانية في الهجوم . وبدلاً من شن هجوم مباشر ضد سوريا وافقت الولايات المتحدة على صفقة توسطت فيها روسيا بهدف تدمير مخزون سوريا من السلاح الكيميائي .

وفي محاضرة ألقيت في شهر أيلول/ سبتمبر 2013 في الفترة التي تلت مباشرة ذلك الاتفاق حذر دافيد نورث رئيس هيئة تحرير موقع الاشتراكية العالمية :

" لكن تأجيل الحرب لا يعني خفض أرجحية اندلاع حرب كبرى الذي هو أمر حتمي . وكما تبين بوضوح من التصريحات العدوانية التي صدرت عن واشنطن فإن الخيار العسكري ظل مطروحاً. ولن يقتصر الأمر على استهداف سوريا بهجوم عسكري حيث أن العمليات العسكرية في سوريا ستمهد الطريق أمام الصدام مع إيران . والأدهى أن منطق إمبريالية الولايات المتحدة الساعي لفرض الهيمنة الشاملة سيقود إلى صدام مع روسيا ومع الصين".

لقد تم إثبات صحة هذا التحذير حيث أن قادة الإمبريالية الأمريكية لم ينسوا أبداً ما يعتبرونه الحرج الكبير و النكسة التي حلت بإمبريالية الولايات المتحدة نتيجة الفشل في منع تجاوز ما يسمىالخط الأحمر الذي رسمه أوباما.

والآن بعد أن صارت الجماعات الإسلامية المدعومة من الولايات المتحدة في سورية تواجه هزيمة على يد الحكومة السورية وإيران وروسيا جمعت أجهزة الاستخبارات الأمريكية وركبت مجموعات من الأعذار لتبرير مخططاتها المعدة منذ وقت طويل لشن حرب .

وبعد أيام قليلة من الاتهامات الموجهة ضد الحكومة السورية باستخدام الأسلحة الكيميائية في السابع من أبريل/ نيسان انهارت ادعاءات الحكومة البريطانية حول قيام روسيا باستخدام سلاح كيميائي على الأرض البريطانية. حيث لم يقتصر الأمر على تعافي الضحايا المزعومين من التعرض لغاز أعصاب أقوى بعشرة مرات من غاز السارين بل تم منعهم من قبل السلطات البريطانية من الإدلاء بأي تصريحات علنية. إن الحدثين الذين وقعا في كل من ساليسبوري ودوما ، حالهما حال كل الحملة المناهضة لروسيا، وهما جزء من هجوم دعائي متسق ومعد بعناية بهدف شرعنة ضربة عسكرية ضد سوريا والتصعيد ضد روسيا.

قبل خمسة عشر سنة عارضت فرنسا التدخل الأمريكي في العراق الأمر الذي دفع إدارة بوش إلى إدانة " أوروبا العجوز " والدعوة إلى استبدال اسم وجبة البطاطا المقلية ( فرنش فرايز) لتصبح ( فريدوم فرايز). ومنذ ذلك الحين ، عكست فرنسا موقفها وتحرص الآن على إعادة تثبيت مواقعها بوصفها قوة استعمارية من خلال المساهمة في إعادة تقسيم الشرق الأوسط حيث أعلن وزير الخارجية جان- إيف لودريان بأن فرنسا جاهزة الآن "للقيام بواجبها. "

كما أن الظروف الداخلية المتسارعة تلعب دور لا يقل أهمية عن الدوافع الجيوسياسية نتيجة لواقع أن كل القوى الإمبريالية الكبرى التي تستعد للحرب تعاني من أزمة داخلية عميقة وتواجه حركة متصاعدة من قبل الطبقة العاملة.

لقد ساند الرئيس الفرنسي ماكرون جنوح الولايات المتحدة نحو الحرب وحكومته متورطة في مواجهة مع عمال النقل حول سياساته النيوليبرالية المقيتة. كما أن حكومة التحالف الحكومي اليميني الواسع في ألمانيا الذي تم تشكيله بعد شهور من الصفقات التي عقدت في الغرف الخلفية لا يحظى سوى بدعم شعبي ضئيل .

كما أن الدولة البريطانية التي تعاني من أزمة الخروج من الاتحاد الأوروبي هي تحت قيادة رئيسة وزراء هي موضع ازدراء عالمي ولا تمتلك سلطة أو شرعية. إن تيريزا ماي شديدة الخوف من المعارضة الشعبية للتدخل في سوريا وتخشى تكرار هزيمة دافيد كامرون عام 2013 إلى حد دفعها للإعلان عن التحضير لهجوم دون عرض الموضوع على التصويت في البرلمان.

كما أن الولايات المتحدة متورطة في أكبر أزمة سياسية منذ قضية ووترغيت التي أجبرت نيكسون على التنحي ، وهذه الأزمة تتفاقم تحت تأثير موجة اضرابات المعلمين وتصاعد المعارضة بين صفوف الطبقة العاملة.

إن مسارعة الناتو لخلق صراع مع روسيا يولد انطباعاً قوياً بأن الولايات المتحدة والقوى الأوروبية سترحب بحالة حرب مفروضة بحكم الواقع وهم سيستخدمونها عذراً لتشديد جهودهم لفرض الرقابة على الأنترنت ولتجريم المعارضة السياسية الداخلية. إن السلطات في بلدان حلف الناتو تعاني من حمى الحرب وهي حرب طائشة بقدر ما هي إجرامية وبالتالي فمع اشتداد أزماتها الداخلية تتعرى استفزازاتها العسكرية وتصبح أشد سفوراً.

أما فيما يخص حكومة بوتين فهي عالقة ما بين عناصر في الجيش تدفع إلى مجابهة الولايات المتحدة وبين جماعة الطغمة المالية أصحاب السلطة الكبيرة الذين يعانون من العقوبات الاقتصادية ويسعون بتهور للتوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة. كما أن إيران تعاني من الإجراءات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة وأدت إلى تراجع قيمة العملة المحلية بنسبة 35%.

وفي حين قال ألكسندر زاسيبكين ، السفير الروسي في لبنان، يوم الأربعاء : " إذا شن الأمريكيون هجوماً فعندها سيتم إسقاط الصواريخ وسيتم قصف المنصات التي انطلقت منها". لكن الرئيس بوتين حاول تخفيف التوتر وقال بأنه يأمل بتغلب الحكمة.

إن الحكومة الروسية تواجه الآن تبعات تفكيك الاتحاد السوفيتي وهي سيرورة ستبلغ ذروتها بتحويل البلاد إلى شبه مستعمرة. وكل من موسكو وطهران تواجه واقع أنه ما من تنازلات يمكن أن ترضي الولايات المتحدة التي لا تسعى سوى إلى إخضاعهما بشكل كامل. وفي الواقع لا يمكن للبورجوازية الروسية أو الإيرانية الصمود أمام قوى الإمبريالية العالمية.

إن التصعيد في الأزمة السورية يبرهن على أن القوى الإمبريالية تدفع باتجاه حرب عالمية جديدة. وبغض النظر عن نتائج الأزمة الأخيرة فإن الانقضاض على سوريا لا يعدو أن يكون نذيراً لحرب ضد إيران وروسيا وأخيراً ضد الصين الأمر الذي يهدد بإبادة البشرية في انفجار نووي.

إن الطريقة الوحيدة لتجنب هذه الكارثة هي ربط الحركة الدولية الناشئة للطبقة العاملة بالنضال ضد الحرب الإمبريالية.

تصريح صادر عن هيئة تحرير موقع الاشتراكية العالمية بتاريخ 12 نيسان / أبريل 2018.

W.S.W.S.