وباء الفيروس التاجي وفشل الرأسمالية

آندري دامون و ديفيد نورث
٢١ آذار مارس ٢٠٢٠

نُشر هذا المقال في الأصل باللغة الإنجليزية في 12 مارس 2020

في يوم الاثنين ، عانى مؤشر داو جونز الصناعي من اسوأ انخفاض له في التاريخ حيث بدأت آثار وباء فيروس كورونا العالمي تظهر في عمليات بيع في الأسواق المالية.

وانخفض مؤشر داو بمقدار 2013 نقطة أو 7.79 في المئة. وكان الانخفاض سريعاً إلى الحد الذي أدى إلى كسر دارة السوق لأول مرة منذ 23 عاماً ، الأمر الذي أدى إلى توقف التداول لمدة 15 دقيقة. هبطت أسهم الطاقة بنسبة 20 في المئة ، تليها الأسهم المالية التي انخفضت بنسبة 11 في المئة ، بينما انخفضت عائدات الديون السيادية الأمريكية إلى مستوى قياسي وسط رحلة غير مسبوقة إلى الأمان.

حدثت عمليات البيع على خلفية عدد الوفيات المتزايدة لوباء فيروس كورونا العالمي ، وخاصة الأحداث في إيطاليا ، حيث أعلنت الحكومة فرض الحجر الصحي الإلزامي في جميع أنحاء البلاد.

خلال عطلة نهاية الأسبوع ، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الحكومات قد فشلت في وقف انتشار الوباء العالمي وسط نمو مطرد وهائل في عدد الحالات في إيطاليا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة.

ضباط الشرطة والجنود يفحصون المسافرين الذين يغادرون محطة القطار الرئيسية في ميلانو ، إيطاليا ، الاثنين 9 مارس ، 2020. (كلاوديو فورلان / لابريس عبر AP)

في السنوات الأخيرة ، دخل مصطلح "البجعة السوداء" في المعجم الاقتصادي للإشارة إلى حدث يبدو أنه لم يخرج من أي مكان ولكنه يُخلف تأثيراً هائلاً على المجتمع في ظل ظروف حيث هو بالفعل عُرضة للخطر.

السبب المباشر لعمليات البيع هو تزايد التوتر وعدم اليقين بشأن الوباء وتأثيره.  لكن حجم عمليات البيع يشهد على الهشاشة العميقة للظروف الاقتصادية في الولايات المتحدة ودوليا. بعد مرور 12 عامًا على انهيار 2008 ، يقف النظام المالي العالمي على حافة انهيار مدمر.

خلقت الأساليب ذاتها المستخدمة لتحقيق الاستقرار في النظام الرأسمالي استجابة للأزمة المالية لعام 2008 فقاعة أصول هائلة وظروف انهيار جديد. وفي استجابة للهلع المالي ، الذي أدى إلى إفلاس كل المؤسسات المالية الضخمة ، حوّلت إدارتي بوش وأوباما مئات المليارات من الدولارات إلى الميزانيات العمومية للبنوك. ثم أعقب ذلك ضخ ما يزيد على 4 تريليون دولار في "التيسير الكمي" وسنوات من سياسات معدل الفائدة التي بلغت الصفر.

وقد تصدت البنوك المركزية لكل انخفاض في الأسواق المالية بضخ المزيد من الأموال. ومن الجدير بالذكر أنه في الأسبوع الماضي فقط ، استجاب بنك الاحتياطي الفيدرالي لانحدار سابق في قيم الأسهم من خلال خفض أسعار الفائدة بنسبة نصف في المائة أخرى.

ونتيجة لضخ النقد العام على مدى عقد من الزمان في الأسواق المالية ، تضاعف تقييم مؤشر داو جونز أربع مرات.

كانت هذه العملية هي آلية إعادة التوزيع التصاعدي للثروة الاجتماعية إلى الأوليغارشية المالية. ومع ذلك ، فإن ما تم إخفاؤه لفترة طويلة — العلاقة الملموسة بين تقييمات السوق والإنتاج الإقتصادي الحقيقي — فقد كشف عنها الآن من خلال الأزمة.

تنبأت عمليات البيع بوضع لا تستطيع فيه البورصة عزل نفسها عن الانكماش الهائل للنشاط الاقتصادي الذي يهدده الوباء ، بما في ذلك الانهيار المحتمل لسلاسل التزويد.

لا يعلم أحد ما إذا كانت الأسواق في القاع أو بالقرب منه. ولكن كيف يمكن إجراء حساب معقول عندما لا يكون من الممكن تحديد تأثير الطوارئ الصحية على الناتج الاقتصادي العام؟  ماذا يحدث عندما تضطر مرافق الإنتاج والتوزيع بأكملها إلى الإغلاق؟  كيف قامت "أمازون" أو غيرها من الشركات الكبرى "بتأمل" مثل هذا الموقف؟

ومهما كانت التقلبات اليومية للسوق — ولا شك أن كل حركة صعودية سوف تُعلن كعلامة على الانتعاش — فإن الأزمة الاجتماعية تزداد حدة.

ورغم أن الأسباب الأساسية وراء البيع الذي جرى في يوم الاثنين أعمق من الوباء العالمي ، فإن تأثير المرض هائل بالفعل. وإذا تحقق سيناريو أو آخر من أسوأ السيناريوهات ، فإن العواقب من حيث حياة البشر سوف تكون مدمرة للغاية.

تميزت الاستجابة للمرض في الولايات المتحدة وفي كل دولة متقدمة أخرى بالارتباك وقلة التنسيق والغياب التام للاستعداد.

إن الولايات المتحدة ، الدولة الأكثر ثراءً ، والأكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية والعلمية على مستوى العالم — والتي تؤوي وادي السليكون وأرقى الجامعات في العالم — غير قادرة على إجراء أدنى قدر ممكن من الاختبارات التي من شأنها أن تجعل إدارة الوباء ممكنا.

في جميع أنحاء البلاد ، يسعى المرضى والأطباء بشكل يائس إلى إجراء الاختبارات ولكن يتم رفضهم من قبل المسؤولين الفيدراليين. وجدت دراسة استقصائية حديثة للممرضات على الساحل الغربي أن معظم المستشفيات ليست لديها خطة واضحة لعزل وعلاج مرضى الفيروس التاجي.  هناك تقارير تفيد بأن أماكن العمل تفتقر حتى إلى أكثر منتجات النظافة الأساسية لمكافحة تفشي المرض ، في حين تم منع عمال النقل والمضيفات على متن الطائرات من ارتداء معدات الوقاية في العمل.

وهذه هي الفوضى التي تحول رئيس أركان ترامب المعين حديثاً إلى الحجر الصحي بعد أن تلامس مع مريض بفيروس كورونا ، في حين لم يتمكن البيت الأبيض من الإجابة على ما إذا كان الرئيس نفسه ، الذي حضر مؤتمراً مع شخص مصاب ، قد خضع للاختبار.

وقد حذر الخبراء من أنه إذا استمرت عدد الحالات في التزايد بالمعدلات الحالية فإنها ستتجاوز قدرات المستشفيات المتاحة بسرعة ، مما سيؤدي إلى ارتفاع سريع في مستوى شدة فتك المرض.

وتتسبب أزمات بهذا الحجم في إحداث تغييرات عميقة في الوعي. وكما كتب ليون تروتسكي ، فإن "الحقبة الثورية ، عصور الانهيارات الاجتماعية ، تحول كل ما هو داخل المجتمع إلى الخارج". المجتمع يشهد فشل طبقة ، ونظام حكم ، ونظام اجتماعي كامل.

الوباء هو فقط الأبرز في سلسلة من الأحداث — من الاستجابات الكارثية للأعاصير ماريا وهارفي ، الحرائق في كاليفورنيا والكوارث المحيطة بطائرة بوينغ 737 ماكس ، التي كشفت عن عجز المجتمع الأمريكي عن معالجة المشاكل الاجتماعية الكبيرة بجدية.

طوال العقد الماضي ، كانت كل الحياة الاقتصادية والسياسية موجهة نحو إعادة توزيع الثروة بشكل تصاعدي بلا هوادة تجاه أولئك الذين هم في القمة. ولكن حل جميع المشاكل الاجتماعية الكبرى ، من الأوبئة إلى تغير المناخ ، يتطلب توجيه الموارد المالية نحو تلبية الاحتياجات الاجتماعية.

يبدو المجتمع مختلفًا تمامًا بعد أزمة كبيرة.  أشكال الحياة تتغير ، أشكال الاتصال الاجتماعي تتغير وأشكال الحكومات تتغير.

لقد شهدت الفترة الأخيرة قدراً كبيراً من المناقشات حول إرث الثورة الأميركية ، حيث تبذل الطبقة الحاكمة كل ما بوسعها من جهد للافتراء على التطلعات الديمقراطية التي وجدت تعبيراً فيها.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن الوثيقة ذاتها التي أسست البلد تبدأ بالعبارة الخالدة ، "عندما يكون ذلك في سياق الأحداث الإنسانية... وكلما أصبح أي شكل من أشكال الحكم مدمراً لهذه الغايات ، يُحق للشعب أن يغيرهُ أو يلغيه".

نحن الآن في خضم حدث يستلزم تغيير العلاقات الاجتماعية والسياسية التي هيمنت على المجتمع سابقًا.

ومهما كانت نتيجة هذه الأزمة ، فإن بعض الأمور قد أصبحت واضحة بالفعل. إن المجتمع الحديث يطرح جميع المشاكل بوصفها مشاكل عالمية تؤثر على الجماهير. ولا يمكن حل التحديات التاريخية الكبرى التي تواجه المجتمع في إطار نظام اجتماعي قائم على الدول القومية ومبدأ التراكم الخاص للثروة.

كيفما تتكشف الأزمة في الفترة المقبلة ، فإنها سلّمت بالفعل رسالة عالمية قوية مفادها: يجب على الرأسمالية أن تذهب. ويجب تنظيم المجتمع على أساس علمي ورشيد. وبعبارة أخرى ، تثير الأزمة ضرورة ملحة للتحول الاشتراكي للمجتمع.