مقتل أحد المتظاهرين في لبنان أثناء التمرد ضد ارتفاع أسعار الغذاء

جين شاؤول
١١ حزيران يونيو ٢٠٢٠

نُشرت هذه المقالة لأول مرة باللغة الإنجليزية في 29 أبريل 2020

استخدمت القوات المسلحة اللبنانية النيران الحية والطلقات المطاطية والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين الغاضبين ، مما أسفر عن مقتل رجل وإصابة العشرات.

أُطلقت النار على فواز فؤاد السمان البالغ من العمر 26 عامًا ليلة الاثنين خلال اليوم الرابع من المظاهرات في جميع أنحاء البلاد بسبب انهيار العملة وارتفاع أسعار المواد الغذائية ومعالجة الحكومة لوباء كوفيد-19 ، الذي أودى بحياة 24 شخصًا. ووقعت اشتباكات أخرى الثلاثاء بعد جنازة الشاب الذي وصفه المحتجون "شهيد الجوع". بدأت الاحتجاجات في مدينة طرابلس الشمالية ، أفقر مدن لبنان ، في نهاية الأسبوع الماضي وانتشرت بسرعة في جميع أنحاء البلاد.

في تحدٍ للإغلاق بسبب فيروس كورونا ، قام آلاف الأشخاص بمسيرات وإغلاق الطرق الرئيسية وحرق الإطارات ومهاجمة البنوك وأجهزة الصرف الآلي بقنابل المولوتوف. غاضبون من هبوط العملة ، التي أدت إلى ارتفاع الدولار الأمريكي وخفض قيمة أجورهم ومدخراتهم إلى النصف ، واتهموا البنوك بمساعدة الطبقة السياسية الفاسدة في دفع البلاد نحو الإفلاس.

يوم الإثنين ، سار رجال ونساء وأطفال في شوارع طرابلس ، التي يعيش أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر ، وهم يهتفون "ثورة ، ثورة" وهاجموا البنوك والمحلات التجارية ، مما أدى إلى اشتباكات مع قوات الأمن.

كما شهدت العاصمة بيروت وصيدا احتجاجات مماثلة في الجنوب ، حيث هتف المتظاهرون "مولوتوف ، المولوتوف ، بدل الشمعة مولوتوف" خارج فرع محلي من البنك المركزي ، فضلاً عن بلدات في وادي البقاع مع وقوع اشتباكات غاضبة مع قوات الأمن طوال الليل. كما أَغلقت أسواق الصرف أبوابها احتجاجاً على "الفوضى الجنونية" المتمثلة في خفض قيمة سعر الصرف. وكان التركيز الرئيسي للاحتجاجات هو الجوع. في مقطع فيديو واحد مشترك على نطاق واسع ، يصرخ أحد المحتجين قائلاً: "أنا جائع" على أحد أفراد قوات الأمن ، والذي يرد عليه قائلاً: "أنا جوعان أكثر منك".

وادعى الجيش من جانبه أن 40 جنديًا أُصيبوا في طرابلس وأجزاء أخرى من البلاد عندما ضربوهم المتظاهرون بالحجارة أثناء محاولتهم إعادة فتح الطرق السريعة المسدودة.

تراجعت الاحتجاجات مؤقتًا بعد إجراءات الإغلاق الكامل وحظر النقل العام وحظر التجول الليلي المفروض في 15 مارس/آذار. والاحتجاجات هي استمرار للحركة الواسعة النطاق التي بدأت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والفساد الحكومي والطائفية. بعد استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري المنحاز للسعودية واستمرار الشلل الاقتصادي والسياسي خلفهُ حسن دياب المتمتع بدعم حزب الله المتحالف مع إيران وتخلفت حكومته عن سداد سندات اليورو التي تبلغ قيمتها 1.2 مليار دولار مع بداية تفشي فيروس كورونا ، الأمر الذي أدى في وقت لاحق إلى تمديد العجز عن سداد الديون الخارجية بالكامل.

إن أي قرض خارجي لمساعدة لبنان ، أحد أكثر البلدان المديونة في العالم ، بشأن الأزمة سيعتمد على "إصلاحات" السوق الحرة المعتادة التي من شأنها أن تغرق الملايين في الفقر المدقع وتتطلب الاصطفاف السياسي مع دول الخليج النفطية ضد إيران.

وبعد ثلاثة أيام من التخلف عن القرض ، أعلن دياب حالة الطوارئ ، واتخذ إجراءات مشددة لوقف انتشار الفيروس التاجي في ظل ظروف عدم وجود سوى القليل من الرعاية الصحية لأي شخص غير النخبة الحاكمة وقام بإرسال قوات الأمن لتفريق معسكرات الاحتجاج في وسط بيروت.

لن ينتج عن الإغلاق سوى توفير الظروف المثالية للانتقال السريع للفيروس بين الأسر اللبنانية المزدحمة جيلياً ، بل إنه سيساعد أيضاً في حرمان أغلب الفقراء من السعي وراء لقمة عيشهم.

في العام الماضي ، وحتى قبل ظهور الوباء ، قدر البنك الدولي أن 45 في المائة من سكان لبنان البالغ عددهم 6 ملايين نسمة يعيشون تحت خط الفقر وتوقعوا أن يؤدي إفلاس البلاد الوشيك إلى زيادة أخرى إلى 50 في المائة في عام 2020.

ومنذ بدء الاحتجاجات في تشرين الاول/اكتوبر الماضي ، ضاعت أكثر من 220 ألف وظيفة. واعترف وزير الشؤون الاجتماعية رمزي المشرفية بأن ما يصل إلى 75 في المائة من الناس بحاجة إلى مساعدة ، حيث يبحث الناس في القمامة عن الغذاء  ويتوسلون إلى المارة من أجل الحصول على شيء يأكلونه. والوضع أسوأ بالنسبة للفئات المهمشة في لبنان — اللاجئين والعمال المهاجرين — حيث تفتقر الغالبية العظمى منهم الى الغذاء ، ويخشى العديد منهم من الإخلاء.

مع زيادة التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية بسبب انخفاض قيمة الليرة اللبنانية ، تتزايد المخاوف من الجوع. أعلن دياب عن بعض التدابير التافهة لمساعدة بعض العائلات الأكثر فقراً لكنه لم يستطع ضمان موافقة مجلس وزرائه على الشروط ، تاركاً الناس محرومين من سبل العيش. وقد تفاقمت الأزمة بسبب انخفاض التحويلات المالية من الشتات اللبناني حيث أثرت عمليات الإغلاق الكامل والركود الاقتصادي على وظائفهم وأجورهم.

لعدة أشهر ، بناءً على طلب البنك المركزي — حددت البنوك حجم عمليات السحب بالعملات المحلية والأجنبية إلى 200 دولار في الأسبوع ، مع التخلص من الأخيرة بشكل شبه كامل تقريباً ، وحظر التحويلات الأجنبية. وقد أدى ذلك إلى خطوط طويلة خارج البنوك حيث طلب الزبائن السماح لهم بسحب أموالهم. ورغم أن نداءات عامة الناس العاديين لم تلق آذاناً صاغية ، فقد تمكن الأثرياء رغم ذلك من تحويل نحو 5.7 مليار دولار من البنوك ، التي يمتلك العديد منها ساسة بارزون ، في يناير وفبراير كما كشف رئيس الوزراء الغاضب أثناء عطلة نهاية الأسبوع.

تصرُف البنك المركزي لم يقل كثيراً عن السرقة الصارخة. ولم يقتصر الأمر على التمييز ضد المودعين الأصغر حجماً لصالح الأغنياء ، ولكن أيضًا ضد السوريين الذين احتفظوا بأموالهم في لبنان ، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في سوريا بشكل كبير ، والتي كانت بلا شك أحد أهدافها.

وفي الأسبوع الماضي ، أصدر مدير البنك المركزي رياض سلامة ، الذي نفّذ العقوبات المالية التي فرضتها واشنطن على حزب الله ، توجيهاً يعكس سياستها دون أي استشارة مع الحكومة. وسيسمح لمن لهم ودائع بالعملات الأجنبية بسحب أموالهم بالليرة اللبنانية بقيمة تحددها المصارف التجارية — من المتوقع أن تكون أقل من سعر السوق السوداء البالغ 3400 ليرة مقابل الدولار الأمريكي ، على عكس السعر الرسمي ، وهو سعر غير قابل للتحقيق ، تم تحديده في عام 1997 ، بـ1500 ليرة للدولار.

كان من المتوقع أن يؤدي هذا التخفيض الفعلي للعملة إلى ارتفاع سريع في الأسعار حيث غمرت السيولة النقدية المتاحة حديثًا السوق وسط ندرة الدولار. هذا ما حدث يوم الجمعة ، عندما بدأت قيمة الليرة تتدهور بشكل كارثي ، من المستوى المنخفض البالغ 3400 الليرة إلى الدولار الأمريكي إلى 4000 ، وهو انخفاض بنسبة 17٪ تقريبًا.  خلال عطلة نهاية الأسبوع ، تدخل البنك المركزي اللبناني لدعم العملة ، وحدد سعر الصرف عند 3،200 ليرة للدولار. أثار كل هذا خلافًا غاضبًا بين دياب وسلامة ، حيث أشار دياب إلى أن محافظ البنك قد تعمد هندسة تحطم الليرة.

يوم الاثنين ، سقط آخر شريان حياة الحكومة عندما أعلن وزير الطاقة ريمون غجر عدم وجود أي احتياطيات للغاز قابلة للإنتفاع تجارياً منها في إحدى الكتل العشر التي يطالب بها لبنان في حوض الشام. لطالما شجعت الحكومات المتعاقبة منذ أمد بعيد إلى تضخيم احتمالات العثور على الغاز باعتباره حلاً للمشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلاد ، وحتى لو كان الاستكشاف ناجحاً ، فإن الأمر سوف يستغرق سنوات قبل أن يصبح متاح. وكما هو الحال ، فإن انهيار أسعار النفط كان سبباً في تخريب احتمالات بقائية حقول الغاز في قبرص ومصر وإسرائيل ، كما أدى بإزالة كل الآمال في استكشاف أي من الكتل الأخرى في مياه لبنان.

في مواجهة العوز مع بداية الإغلاق الكامل ، بدأ بعض العمال في تحدي الحكومة في أعمال فردية تتسم بالتحدي واحتجاجات منعزلة. في 17 أبريل/نيسان ، تحدى المئات حظر التجول في الساعة السابعة مساءً في طرابلس وتظاهروا بمناسبة مرور ستة أشهر على بدء المسيرات الجماهيرية ضد الفساد الحكومي والمصاعب الاقتصادية. ألقى المتظاهرون الغاضبون الحجارة على قوات الأمن ، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود. نزل المتظاهرون الأسبوع الماضي إلى الشّوارع للتعبير عن رفضهم للحكومة بينما اجتمع البرلمان للمرة الأولى منذ تفشي الفيروس التاجي.

والآن تحولت هذه الاحتجاجات الأولية إلى موجة غضب عارمة في مختلف أنحاء البلاد ، ولم تكن الحكومة ، التي تمثل مصالح أصحاب المليارات من اللبنانيين وأصحاب المناصب العليا في طوائفها العديدة ، تمتلك الإرادة أو القدرة على استرضاء الناس. وبينما سمحت الحكومة لبعض الشركات بإعادة فتح وتقصير حظر التجول الليلي ، فإن هذا لن يفعل شيئاً لتخفيف محنة الملايين من العمال وأسرهم.