إدارة أوباما ومصر

٥ شباط فبراير ٢٠١١

تواجه إدارة أوباما حركة ثورية متنامية في مصر، بالتالي ستنبع تكتيكاتها من هدفين استراتيجيّين أساسيّين لا يفترقان: الدفاع عن الدولة المصرية الرأسمالية والحفاظ عليها "مسمار العجلة" للعمليات الأميركية الإمبريالية في منطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا وجميعأنحاء الشرق الأوسط. وعلى الطبقة العاملة في مصر وحلفائها بين الجماهير المتمرّدة أن لا يسمحوا لأنفسهم بإبقاء أدنى أوهام في نوايا الرئيس أوباما وخططه. ذاك أنّ الرئيس ومستشاريه في وزارة الدفاع ووكالة الإستخبارات المركزية الأميركية عاقدي العزم على احتواء الحركة الثورية وتهدئتها وحتى سحقها في نهاية المطاف.

وشكلت أحداث الأسبوع الماضي مفاجأة بالنسبة إلى إدارة أوباما، إذ لم تتوقع نشوب ثورة شعبية ضد الرئيس مبارك الذي يشكل بالنسبة لواشنطن مصدر قوة ثابتة تعتمد عليها منذ فترة طويلة. وقد أدلت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بتصريحات تضمن استقرار النظام حتى في حين كان عشرات الآلاف من العمال والشباب يتحدّون عنف الشرطة نهار الثلاثاء الماضي. 

والولايات المتحدة، معنيّة بعمق بنظام الرئيس مبارك، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. وترددها في الاستغناء بسرعة عن الدكتاتور ليس تعبيراً عن عاطفة من قبلها، إنما الواقع أنّها تخشى أن يؤدي التخلص السريع جداً من الرئيس مبارك إلى تقويض ثقة غيره من الدكتاتوريين المدعومين مادياً من وكالة الإستخبارات المركزية في صدقيّة واشنطن وقدرتهم على الاعتماد عليها. ومع ذلك، يشير التحليل النهائي أنّ مصير مبارك مسألة ثانوية، فواشنطن تولي اهتماما أعظم بكثير ببقاء الجيش وأجهزة الأمن المصرية، الذي يعتمد عليه الحكم الرأسمالي.

إنّ إدارة أوباما قلقة حالياً من أن تؤدي محاولة استخدام الجيش لقمع الاحتجاجات إلى انهيار الجيش. وليس من المؤكد أنّه يمكن الاعتماد على قوات الجيش لإطلاق النار على المواطنين في شوارع القاهرة والإسكندرية وبورسعيد وغيرها من المدن، وهو قد يكون السبيل الوحيد لإنقاذ الرئيس مبارك.

وتؤرق سابقة الثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1979صانعي السياسة الأميركية. لم تكن واشنطن قد أعدّت بديلاً سياسياً لنظام الشاه، وانهار الجيش الإيراني تحت ضغط الثورة. ونتيجة ذلك، خسرت الولايات المتحدة دولة عميلة حساسّة في الخليج الفارسي.

وللسياسة التي يتم تطويرها حالياً في واشنطن هدفان في المدى القصير: دعم الجيش المصري وجهاز المخابرات أولاً، ومن هنا تعيين رئيس المخابرات والجنرال السابق عمر سليمان نائباً للرئيس، وثانياً إعداد بديل سياسي لمبارك إذا تبيّن أنّه لا بدّ من إبعاده. ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أنّ أي بديل يأتي من جانب واشنطن لن يكون أكثر من دمية توفر لنظام عسكري جديد واجهةً مزينةً بديمقراطية زائفة.

ومن المرشحين لهذا المنصب، نجد محمد البرادعي الذي يتم الترويج له حالياً من قبل وسائل الإعلام الأميركية. يعتبر البرادعي ممثلاً موثوقاً به للبرجوازية المصرية، وقد ترك منزله في فيينا الأسبوع الماضي متوجهاً إلى مصر يحمل معه غرضاً صريحاً يقضي بتفادي حصول الإطاحة الثورية وتعطيلها وإنقاذ النظام البرجوازي.

أما الإخوان المسلمون، فقد وافقوا من جهتهم على دعم البرادعي في إطار مزايدتهم الخاصة للفوز برعاية واشنطن.

وفي سلسلة مقابلات تلفزيونية لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، أجريت يوم الأحد، أشارت كلينتون بوضوح إلى الخطوط العريضة للاستراتيجية المناهضة للثورة التي يقوم البيت الأبيض بتطويرها. تجنبت المطالبة باستقالة الرئيس مبارك ورفضت الالتزام بحكمه المستمر في آن واحد.

وتماشياً مع دعوات إدارة أوباما التهكميّة للإصلاح الديمقراطي في مصر، صرّحت كلينتون في بيان مثير للسخرية: "نحن نواصل حث الحكومة المصرية، كما فعلت الولايات المتحدة لمدة 30 عاماً، على الاستجابة للتطلعات المشروعة للشعب المصري والبدء باتخاذ خطوات ملموسة لتنفيذ الإصلاح الديمقراطي والإقتصادي".[مع التشديد[

فما هي هذه الحملة التي دامت 30 عاماً والتي تمحورت حول الإصلاح الديمقراطي في مصر؟ تموين مبارك بـ35 مليار دولار من المساعدات معظمها عسكرية، والثناء عليه باعتباره حليفاً قوياً في الحروب ضد العراق، والدفاع عن إسرائيل و"الحرب على الإرهاب". ولم تتواطأ الولايات المتحدة مع النظام المصري في عمليات قتل المعارضين السياسيّين وتعذيبهم وحسب، بل واستخدمت أجهزة المخابرات والشرطة التابعة لمبارك كجلادين مأجورين في إطار سياسة اختطاف الإرهابيّين المزعومين و"تسليمهم" التي تتبعها واشنطن.

وأضافت كلينتون: "ويجب أن نميّز، كما يحاول هو [الجيش المصري] فعله، بين المتظاهرين السلميّين الذين ينبغي تناول تطلّعاتهم، وأولئك الذين يستفيدون من وضعٍ مماثلٍ لممارسة أعمال النهب وغيرها من الأنشطة الإجرامية".

وتكون كلينتون هنا قد ميّزت بالفعل بين أشكال الإحتجاج "المشروعة" و"غير مشروعة"، الأولى هي تلك التي لا تتحدى المصالح الأميركية، والثانية هي تلك التي تفعل. بالتالي، هي تضع الإطار السياسي والأخلاقي الزائف لتبرير القمع الشامل المستقبلي.

تعي واشنطن أنّ أي حكومة تدعمها هي، لن تُنهي الأزمة السياسية في مصر. ذاك أنّه يستحيل على أيّ نظام رأسمالي تلبية مطلب واحد فقط من مطالب الشعب الإجتماعية أو السياسية، من وظائف، ووضع حدّ للفقر في المدن والريف، وإلغاء وكالات الشرطة التي تلجأ إلى القمع الوحشي. كما ولن يُنهي أيّ نظام برجوازي تحالف مصر مع إسرائيل، الذي كان عنصراً أساسياً في دور الدولة الإستراتيجي في الشرق الاوسط منذ زيارة الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، إلى القدس عام 1977. فالبرجوازية المصرية المرتشية مرتبطة ارتباطاً تاماً بالإمبريالية الأميركية بحيث لا يمكنها تنفيذ سياسات مماثلة.

بالتالي، تكمن إستراتيجية إدارة أوباما في إعداد الجيش، وراء واجهة إدارة "إصلاح" زائفة، لحملة وحشية يشنّها في المستقبل على الطبقة العاملة. ومن المؤكد أنّ وزارة الدفاع الأميركية تُجري، وراء الكواليس، جرداً تفصيلياً لكل لواء، وفوج، وفرع من القوات المسلّحة المصرية لتحديد القوات التي يمكن الاعتماد عليها.

أما القضية الساخنة التي تواجه الثورة فهي القيادة السياسية، والطبقة الحاكمة الأميركية على يقين من هذا الواقع. وفي مقابلة نشرت يوم السبت، قال جون ب. ألترمان من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن "كما في تونس، يبدو أنّ الاحتجاجات تمثّل حركة تفتقد لقيادة في معظمها، ولا تملك جدول أعمال واضح ولا وسيلة للاستيلاء على السلطة".

والنتيجة فراغ سياسي تسعى الامبريالية الأميركية وعملائها في الطبقة الحاكمة المصرية إلى استغلاله.

ونرى اليوم الطبقة العاملة المصرية تكتسب الثقة والخبرة. وقد بدأت تظهر في جميع أنحاء البلاد، أشكال جديدة من التمثيل الشعبي، مستقلة ومعادية للدولة القائمة. إنّما يتطلّب تطوّر القوى الثورية استراتيجية سياسية واضحة، ترتكز على فهمٍ للخلفية التاريخية لطبقة الحركة الثورية التي تبزغ في مصر وجميع أنحاء الشرق الأوسط وسياقها الدولي والقوى المحركة لها.

وفي هذه الأوقات الصعبة، تطلق اللجنة العالمية للأممية الرابعة (ICFI) هذا النداء الصادق إلى الطبقة العاملة المصرية وحلفائها من بين الطلاب والشباب والفقراء في المناطق الريفية: إنّ مبادئ نظرية الثورة الدائمة التي خرج بها "ليون تروتسكي" والتي تؤكدها التجارب التاريخية في القرن العشرين، ذات صلة عميقة بالنضال الذي بدأ يبرز الآن. لا يسعكم تحقيق النصر للثورة والحصول على الحقوق الديمقراطية والمساواة إلا بالارتكاز إلى برنامج إشتراكي والنضال من أجل السلطة. ولا يمكنكم وضع ثقتكم في أي ممثّل سياسي للطبقة الرأسمالية ومؤسساتها. ابحثوا عن حلفاء لكم من بين الطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم، لا بين ممثلي البرجوازية الوطنية المشبوهين والذين يدّعون ديمقراطية زائفة. ومع كل هجوم عنيف يتعرّض إليه العمال في كل القارات، هجوم آخذ في التزايد على وضعهم الإجتماعي وحقوقهم الديمقراطية، فهم يستمدّون وحياً جديداً من النضالات الثورية التي بدأت تبرز في شمال أفريقيا.

باري غراي ودايفيد نورث

تعريب كارين مكرزل- تي تي إنترناشونال غروب ش.م.ل. (لبنان)

www.GroupTT.com