على أعتاب العام الجديد

٣١ كانون الأول ديسمبر ٢٠١٥

مع انتهاء عام 2015، يسود مزاج عام من الخوف وتسيطر النذر في أوساط الطبقات الحاكمة. فمن الصعب العثور على أثر للتفاؤل. المعلقون في وسائل الإعلام البرجوازية ينظرون خلفهم إلى السنة الماضية مدركين أنها كانت سنة من الأزمات العميقة. كما يتطلعون بتوجس إلى 2016. الشعور العام في مكاتب الحكومات ومجالس إدارة الشركات هو أن العام القادم سيكون عام صدمات عميقة، مع عواقب يصعب توقعها.

الصحفي في صحيفة فاينانشال تايمز 'جدعون راتشمان عبر عن هذا الشعور السائد في تقييمه لنهاية هذا العام الذي نشر يوم الثلاثاء. "في عام 2015، ويبدو أن الشعور بعدم الارتياح ونذر السوء سيعم على جميع مراكز القوى في العالم"، كما يكتب. "كل اللاعبين الكبار يبدون غير متأكدين، وحتى خائفين. "الصين "تشعر أنها ستكون أقل استقرارا". في أوروبا، المزاج "قاتم". وفي الولايات المتحدة، الشعور العام هو "المرارة".

إلى حد كبير، يشير راتشمان إلى أن "أكبر عامل مشترك" في الوضع العالمي هو "احتدام المشاعر المعادية للنخبة، والجمع بين القلق بشأن عدم المساواة والغضب من الفساد الذي يسود في بلدان مختلفة عن بعضها البعض مثل فرنسا والبرازيل والصين والولايات المتحدة. "وتعكس هذه الملاحظة اعترافاً متزايداً في وسائل الإعلام التجارية أن الفترة القادمة ستكون فترة اضطرابات اجتماعية هائلة.

تعليق راتشمان و أمثاله الذي ظهر في الأيام الأخيرة يؤكد التقييم الذي أجراه الموقع الإلكتروني للاشتراكية الدولية خلال الأسبوع الأول من عام 2015. وقد تصبح الفترات الفاصلة بين اندلاع الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى "قصيرة بحيث يمكن بالكاد وصفها بأنها فترات" كما كتبنا. الأزمات "تبدو ليست معزولة كـ"حلقات"، بل سمات دائمة للواقع المعاصر، إن نمط الأزمة المتكررة الذي تميزت به سنة 2014 –وهو مؤشر رئيسي على حالة متقدمة من الرأسمالية العالمية غير المتوازنةــ سيستمر بكثافة أكبر في عام 2015".

في سياق دفاعها عن موقعها في الحكم، تسعى الطبقة الحاكمة للتغطية على واقع الرأسمالية تحت كتلة من الأكاذيب والنفاق، إذ يتم تغليف الحروب في لغة من الحرية والديمقراطية؛ كما يتم تصوير السياسة المحلية المعادية للمجتمع وكأنها سعي لتحقيق المساواة والحرية. ولكن ــ وهذه سمة من سمات فترة الأزمة ــ فإن الطبيعة الرئيسية للرأسماليةــ نظام الاستغلال وعدم المساواة والحرب والقمع ــ تتقاطع مع التجارب اليومية لقطاعات واسعة من الجماهير. وتتحطم الأوهام، ويظهر الجوهر.

على نطاق الاقتصاد العالمي، فقد تلاشى أي توقع بالتحسن في واقع الأزمة الدائمة. في الولايات المتحدة، وبعد مرور ست سنوات مما يسمى "التعافي" الاقتصادي لا تزال البطالة الحقيقية في أعلى مستوياتها شبه القياسية، كما تتعرض الأجور للسحق ، و يتم شطب الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية للملايين من الأميركيين. تنمو أوروبا بنسبة أقل من 2 في المائة سنويا، وأجزاء كبيرة من الاقتصاد الأوروبي ــ بما في ذلك اليونان، المستهدفة بتدابير تقشف وحشية تطالب بها البنوك الأوروبيةــ تدخل في ركود اقتصادي عميق. كذلك تتباطأ الصين بشكل حاد وهي التي كان ينظر إليها كمحرك محتمل للنمو الاقتصادي العالمي، كما تغرق البرازيل والعديد من دول أميركا اللاتينية وروسيا في ركود عميق.

وفي تلك الأثناء، أنتجت سياسة البنوك المركزية بتوفير السيولة السهلة في العالم موجة جديدة من الاستثمار في المضاربات، تركزت في السندات الرديئة وغير ذلك من أشكال الدين، التي بدأت بالتفكك بالتزامن مع أزمة الرهون العقارية عالية المخاطر قبل عام 2008.

وكانت النتيجة الرئيسية والمرجوة من السياسات الحكومية على مدى السنوات السبع الماضية هي تفاقم عدم المساواة الاجتماعية بشكل كبير. وخلال العام الماضي، ارتفعت ثروة مليارديرات العالم الماضي بمقدار سبعة ترليونات دولار وأصبح واحد في المئة منهم يسيطرون الآن على نصف ثروة العالم. في الولايات المتحدة، فإن مؤشر التفاوت الاجتماعي وبالتالي عدم المساواة السياسية أصبح من الإرتفاع بحيث أن إحدى الدراسات العلمية الحديثة خلصت إلى أن "يبدو أن ما تفضله الغالبية العظمى من الأمريكيين ليس له أي تأثير على السياسات التي تتبناها الحكومة أو لا تتبناها "

تتصادم الأزمة الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية وتزيد من تفاقمها، مما أدى في عام 2015 إلى جعل العالم أقرب إلى الحرب العالمية مما كان عليه في أي وقت في نصف القرن الماضي. فقد أصبح كل جزء من العالم تقريبا ساحة للمعركة أو اكتسب طابع الساحة المحتملة للمعركة. وقد تم الزجّ بمنطقة الشرق الأوسط في أتون حرب أهلية إقليمية أشعلت نيرانها القوى الامبريالية، فها هي سوريا الآن هدفا لحملة حرب مكثفة شُنت تحت ستار جديد "الحرب على الإرهاب"، وكذلك يجري إعادة تسليح أوروبا الشرقية كجزء من حملة الولايات المتحدة والناتو ضد روسيا، و في شرق آسيا تقوم الولايات المتحدة بإطلاق الاستفزازات ضد الصين بشأن بحر الصين الجنوبي، وكذلك في أفريقيا، تخطط الولايات المتحدة والقوى الأوروبية لعمليات في ليبيا والكاميرون ونيجيريا ودول أخرى.

تعمل الإمبريالية بمستوى من القسوة والإجرام يمكن مقارنتها فقط بفترة النصف الأول من القرن ال20، حيث يجري تمزيق بلدان بأكملها. ترتكب الفظائع ــ من قبيل القصف المتعمد لمستشفى أطباء بلا حدود في أفغانستان في أكتوبر- وتمر من دون عقاب، كما تشن الحروب دون حتى التظاهر بالاكتراث بالشرعية الدولية.

أن صراع القوى العظمى ــ الذي أنتج حربين مدمرتين في القرن العشرين ــ أخذ يبرز مرة أخرى بصفة القوة المحركة الأساسية للعلاقات الدولية. محرك الإمبريالية الأمريكية لحرب لا هوادة فيها وجعلها في صراع ليس فقط مع روسيا والصين، ولكن على نحو متزايد مع القِوى الامبريالية الأخرى. فقد شهد العام الماضي جهدا كبيرا من ألمانيا لتأكيد نفسها بصفتها القوة الأوروبية الرئيسية، مع دعوات من السياسيين والإعلاميين والأكاديميين لإنشاء "دولة قوية" لتمكين ألمانيا لشغل دور "الناظر" في أوروبا . مرة أخرى، الطبقة الحاكمة الألمانية بصدد وضع خطة لـ"السيطرة على أوروبا من أجل السيطرة على العالم."

بالنسبة لجماهير الشعب، فإن الطابع الأساسي للدولة على أنها "مجموعة من الرجال المسلحين" مكرسة للدفاع عن الحكم الطبقي أصبح واضحاً. تم استخدام "الحرب على الإرهاب" – التي تكثفت في أعقاب هجمات في باريس وسان بيرناردينو قبل نهاية العام ــ لتبرير إلغاء الإجراءات الرسمية للديمقراطية البرجوازية. وقد وضعت فرنسا تحت "حالة طوارئ" دائمة. وتقوم القوى الأوروبية، ردا على أزمة اللاجئين الضخمة التي نتجت عن الدمار العسكري لمنطقة الشرق الأوسط، بإقامة الحواجز وطرد المهاجرين. في ظل ظروف الحرب التي لا تنتهي، تنموالقوى الفاشية والفاشية الجديدة (الجبهة الوطنية في فرنسا، بيغيدا في ألمانيا، وترشيح دونالد ترامب في الولايات المتحدة).

لقد قامت الطبقة الحاكمة الأمريكية، وهي التي تستخدم أساليب التعذيب والاغتيال بطائرات بدون طيار في السعي لتحقيق طموحاتها العالمية، ببناء جهاز ضخم من القمع في الداخل. حيث ترد في كل يوم تقارير جديدة عن إطلاق النار على العمال العزل والشباب بدم بارد من قبل ضباط الشرطة الذين يعملون، مع الإفلات من العقاب، على تنصيب أنفسهم كجلادين.

كما هو الحال في كل فترة من التأزم الشديد، تتم ازاحة الغطاء عن المصالح الطبقية الحقيقية ممثلة باتجاهات مختلفة. وهذا ينطبق ليس فقط على الأحزاب البرجوازية القائمة، ولكن أيضا على أحزاب "اليسار" من البرجوازية الصغيرة. لقد كانت تجربة الاستراتيجية المركزية للطبقة العاملة في عام 2015 هي انتخاب سيريزا في اليونان ، و"تحالف اليسار الراديكالي"، والذي تم تقديم مجيئه الى السلطة على أنه نقطة تحول رئيسية في السياسة العالمية. وعلى مدار العام نكث سيريزا بجميع وعوده الانتخابية، وهو ينفذ الآن نفس السياسات التي ادعى أنه يعارضها. ومع قرب نهاية السنة ، أظهرت الانتخابات التي جرت في أسبانيا نموا كبيرا في دعم حليف سيريتزا، حزب بوديموس مع إدعاءات جديدة بأن عصر التقشف قد ولى.

في الواقع، فقد أثبتت التجربة في اليونان أن الأحزاب على مستوى العالم مثل حزب بوديموس، وسيريتزا وغيرها كثيرون معادية تماما للطبقة العاملة. سياسيا ونظريا، إنها راسخة في مفاهيم ما بعد الحداثة المعادية للماركسية ، و مهووسة بقضايا العرق والجنس والنوع الاجتماعي. كشف العام الماضي ليس فقط عن الإفلاس السياسي لليسار الزائف، ولكن ساهم في إدراك متزايد بأن ما يسمى "اليسار" هو، في الواقع، فقط تعبير واحد عن اتجاه اليسار نحو السياسة البرجوازية كبقية الأحزاب في ميلها العام نحو اليمين.

ما تثبته هذه التجارب هو أنه ليس هناك بديل سوى التعبئة الثورية للطبقة العاملة في معارضة النظام الرأسمالي.

بمقابل هذه الخلفية، فإن التعبير النهائي والحاسم عن الأزمة الرأسمالية يكمن في تكثيف الصراع الطبقي و مزيد من العلامات المتزايدة على ظهور الطبقة العاملة كقوة مستقلة. هناك غضب عميق ومتجذر و تندلع معارضته باستمرار في أشكال مختلفة ــ كالإضرابات والاحتجاجات والمظاهرات، التي تسعى الطبقة الحاكمة لعزلها وقمعها من خلال مزيج من العنف، إضافة الى حشد من وكالاتها المساعدة في اليسارالزائف و اتحادات عمالية.

في الشهور الأخيرة من العام الماضي، فقد أدت المعارضة من جانب العاملين في صناعة السيارات في الولايات المتحدة إلى دخولهم في صراع مع كل من شركات السيارات ونقابة عمال السيارات المتحدة التي تعمل كذراع أيمن لهذه الشركات. جهود العمال في أمريكا، بالتوازي مع مثيلاتها في بلدان أخرى في جميع أنحاء العالم، لاختراق الحواجز التي أقامتها النقابات الرجعية تدخل مرحلة جديدة. هذه العملية، وإن كانت في مراحلها الأولى، وسوف تزداد وضوحا. الفترة التي تم فيها قمع النضال الطبقي بشكل مصطنع، حيث تم استبعاد المعارضة للحرب وعدم المساواة والدكتاتورية من الحياة السياسية، تقترب من نهايتها.

لم تمض السنة الماضية عبثاً. إذ بدأ العمال في جميع أنحاء العالم باستخلاص العبر، وباكتساب وعي أكبر لحقيقة القوى الاجتماعية والسياسية التي تواجهها. في هذا الصدد، من المهم أن نضال عمال السيارات تزامن مع النمو الحاد في عدد القراء للموقع الإلكتروني للاشتراكية الدولية، حيث تحول آلاف العمال إلى ذلك الموقع WSWS كمصدر للحقيقة ووجهة النظر. يمكن، وسيتم تكرار هذا على نطاق أوسع من أي وقت مضى في أشكال لا حصر لها في الفترة المقبلة.

يتم طرح المشاكل السياسية بحدة هائلة. الاعتقاد بأن الرأسمالية تواجه أزمة وجودية هو أمر ليس بحاجة الى دليل. السؤال المطروح هو: كيف سيتم حل هذه الأزمة؟ أي اتجاه سيتطور بسرعة أكبر؟ الميل نحو حرب عالمية وسيطرة الديكتاتورية؟ أو الميل نحو الثورة الاشتراكية؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يطرح مع بدء العام الجديد.

جوزيف كيشور وديفيد نورث