السير في اتجاه حرب أوسع في الشرق الأوسط

بيل فان أوكن
١٤ حزيران يونيو ٢٠١٧

فيما يتجاوز الصراع السياسي الحاد في واشنطن ، و حملة الإعلام التي لا تنتهي التي تنشر ادعاءات هستيرية حول تدخل روسيا في الانتخابات واحتمال تورط دونالد ترامب، ثمة حروب حقيقية للغاية في الشرق الأوسط تهدد بالتحول إلى صدام إقليمي بل وحتى شامل ،تحمل تداعيات مشؤومة للشعوب ليس في المنطقة وحسب بل في الكوكب بأسره .

إن ميداني الصراع مترابطان ، كما أن المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة منقسمة بشكل حاد حول السياسة الخارجية، وبشكل أكثر حسماً ـ حول استراتيجية الحرب . وبما يتجاوز الهستيريا المناهضة لروسيا، فإن المعارضة ضد ترامب من قبل الحزب الديمقراطي ،ومن قبل قسم مهم من الحزب الجمهوري قد اشتدت حدة بحزم لمنعه من أي خطوة قد تضعف شدة تصعيد عدوان الولايات المتحدة ضد موسكو وبشكل خاص فيما يتعلق بجهود واشنطن لتغيير النظام في سوريا .

إن إدارة ترامب وجمعية المتآمرين المكونة من ضباط تقاعدوا حديثاً ،ومن عسكريين في الخدمة الذين يديرون في الواقع سياسته الخارجية والعسكرية أفصحوا بجلاء متزايد عن سياسة متجهة نحو التخطيط للحرب ضد إيران تحضيراً للمواجهة مع الصين . هذه هي الأجندة غير المعلنة لرحلة ترامب في الشهر الماضي إلى إسرائيل والعربية السعودية وهما خصما طهران الإقليميان الرئيسيان .

إن هدف الإدارة المعلن في تشكيل حلف مناهض لإيران شبيه بحلف الناتو بالتعاون مع مشيخات النفط في دول مجلس التعاون الخليجي تحول في الواقع إلى حالة حرب فرضتها العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة ، ومصر ضد قطر التي تعرضت إلى حصار اقتصادي كامل . إن المملكة السعودية ، وهي الممول الرئيسي للتطرف الإسلامي على المستويين الإيديولوجي والمالي، قامت ، بمباركة من ترامب، بتصوير، هجمتها ضد قطر ، بشكل عبثي ،بوصفها حملة مقدسة ضد الإرهاب . لكن السبب الحقيقي هو علاقة قطر بطهران و ترددها الانضمام إلى الاستعدادات للحرب ضد إيران .

وتركيا التي اصطفت ، خلال هذا الوقت، إلى جانب النظام القطري وقامت بإرسال الأغذية ونفذت خطوات لإنشاء قاعدة عسكرية في شبه الجزيرة القطرية الصغيرة والثرية بالغاز . كانت أنقرة ابتعدت سابقاً عن العربية السعودية وحلفاءها بسبب معارضتها للانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المصري محمد مرسي عام 2013. واشتد هذا التوتر نتيجة اتهام الإمارات العربية المتحدة بضخ مليارات الدولارات إلى تركيا لدعم محاولة الانقلاب التي تم إجهاضها والتي سعت لإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان في شهر تموز / يوليو 2016.

وفي مواجهة هذا الصراع الإقليمي المتصاعد، يبدو أن هناك عنصر من عدم الترابط في سياسة إدارة ترامب . قطر تستضيف قاعدة العديد ذات الأهمية الحيوية الاستراتيجية والتي تضم قرابة عشرة آلاف عسكري وتستخدم القاعدة لشن غارات جوية تشمل العراق وسوريا وصولاً إلى أفغانستان وكلها تحت اسم الحملة ضد الإرهاب و بالأخص ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام ( داعش ).

ويتم حالياً طرد داعش من آخر معقلين كبيرين حيث تقترب القوات العراقية المدعومة بحملة قصف ضارية من قبل الولايات المتحدة من قهر الموصل المدينة التي كانت مزدهرة وتحولت إلى ركام، كما تتقدم القوات الكردية المرتبطة بواشنطن للسيطرة على الرقة تحت غطاء جوي مماثل ومدمر .

لكن هذه الانتصارات الظاهرة لن تضع حداً لأحدث حروب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بل يرجح أن أن تؤدي إلى تحولها وإلى تصعيدها بشكل متزايد الخطورة .

ففي تقرير يمكن القول أنه صادر عن شخص مطلع نشرت صحيفة النيويورك تايمز مقال في نهاية الأسبوع الفائت تحت عنوان " ما بعد الرقة " ، تبدو بوادر معركة أكبر بهدف دحر داعش والسيطرة على سوريا . كاتبة المقال هي آن برنارد التي عملت منذ اندلاع الحرب التي خططت لها الولايات المتحدة قبل ستة سنوات بهدف تغيير النظام بمثابة القناة الموثوقة لوكالة الاستخبارات المركزية والبنتاغون، وهي قادت جوقة تشجيع " المتمردين " المرتبطين بالقاعدة الذين تم استخدامهم لقلب نظام الرئيس بشار الأسد .

أشار مقال برنارد إلى أن البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية يعتبران الحملة ضد داعش عرضاً جانبياً، وأنها بمثابة عذر مفيد لمتابعة المصالح الإمبريالية للولايات المتحدة في سوريا وفي المنطقة . إن المعركة ضد الميليشيا الإسلامية ، التي هي في حد ذاتها من نتاج حروب الولايات المتحدة المتتالية من العراق إلى ليبيا وسوريا، تتعرض للكساد بسبب الصراع في جنوب شرق سوريا الذي يتضمن قدراً أكبر من الأهمية الجيوسياسية ومن المخاطر .

وأشارت برنار إلى أن هذه المواجهة العسكرية التي تلوح في الأفق بوصفها نسخة القرن الحادي والعشرين من “ اللعبة الكبرى ” ، في إشارة إلى سابقة تاريخية تتعلق بالتنافس بين الإمبريالية البريطانية والإمبراطورية الروسية بهدف السيطرة على آسيا الوسطى . ومن المؤكد أن أهداف النهب هذه قائمة في سوريا حيث تسعى واشنطن لقلب نظام الأسد واستبداله بحكومة ألعوبة ، بهدف عزل إيران والتحضير للحرب ضدها لأن الولايات المتحدة ترى في إيران منافس في السعي للهيمنة على المناطق الثرية بالنفط وذات الأهمية الاستراتيجية الحيوية في الخليج الفارسي وفي آسيا الوسطى .

يتم التركيز في هذه المرحلة الجديدة من الحرب السورية التي قتلت مئات الآلاف وحولت الملايين إلى لاجئين على موقع متقدم في الصحراء تديره قوات خاصة من الولايات المتحدة وبريطانيا في منطقة التنف السورية ، في الحدود الجنوبية الشرقية السورية مع العراق التي تتحكم بمعظم الطريق السريع بين دمشق وبغداد .

يقوم البنتاغون باستخدام القاعدة لتدريب ما يسمى بالمتمردين ظاهرياً بهدف قتال داعش لكن في الواقع يتم التدريب للقتال ضد النظام السوري، وقام البنتاغون من طرف واحد بإعلان منطقة تخفيف توتر حول القاعدة يصل نصف قطرها إلى 34 ميل، واستخدم هذه الحجة لشن ثلاث غارات جوية منفصلة ، كانت آخرها في الثامن من حزيران / يونيو ضد ميليشيا متحالفة مع حكومة دمشق ، كما قام مؤخراً بإسقاط ما ادعى أنه طائرة مسلحة بدون طيار تسيرها قوات مناصرة للنظام .

وخلال ذلك الوقت وفي إطار حصار مدينة الرقة التي تسيطر عليها داعش في الشمال فإن القوات التي يهيمن عليها لأكراد والمدعومة من واشنطن تركت منفذاً لفرار مقاتلي داعش باتجاه الجنوب بحيث يتمكنون من الانضمام للهجوم على الشطر الذي تسيطر عليه الحكومة من مدينة دير الزور التي تضم 200 ألف نسمة وتقع في شرق سوريا .

وفي ضربة لاستراتيجية الحرب الأمريكية ، قامت القوات المناصرة للنظام بالتقدم شرقاً باتجاه الحدود العراقية في منطقة تقع بين قاعدة الولايات المتحدة في التنف و مدينة البوكمال على ضفاف نهر الفرات التي تسيطر عليها داعش . وادعى البنتاغون أن هدفه هو إعداد " المتمردين " الذين يدربهم لانتزاع المدينة من داعش . وسيؤدي هذا إلى تعزيز هيمنة الولايات المتحدة على منطقة الحدود وفتح طريق وراء الفرات بهدف تقسيم سوريا لاحقاً والاستعداد لحرب شاملة لتغيير النظام .

أدى التقدم السوري إلى إعاقة محاولات الولايات المتحدة لقطع طرق الإمداد التي تربط سوريا بالعراق ، وكذلك بإيران الأبعد باتجاه الشرق . كما وردت تقارير بأن الميليشيات العراقية الشيعية المدعومة من قبل إيران تحركت باتجاه الحدود السورية .

وكما أن مقال النيويورك تايمز أشار بوضوح إلى الأهمية الاستراتيجية لهذه المسألة بالنسبة لأهداف الولايات المتحدة الإمبريالية ".... فإن ما يجري فعلياً يتعلق بقضايا أوسع . هل ستعيد الحكومة السورية فرض سيطرتها على الطرق الموصلة إلى حدودها الشرقية ؟ هل ستظل الصحراء عند الحدود السورية العراقية أرضاُ حراماً؟ وأن لم يحدث هذا فمن الذي سيفرض هيمنته من القوات المتحالفة مع كل من إيران أو روسيا أو الولايات المتحدة؟

لا يمكن لأحد القول بأن الوصف السابق ينطبق على بلد يتمتع بالسيادة . إن العمليات التي تقوم بها الولايات المتحدة في سوريا والعراق تبدو بوضوح بأنها تمثل محور الخطة الجديدة للإمبريالية بهدف تقسيم الشرق الأوسط بعد ربع قرن من حروب شنتها الولايات المتحدة و دمرت قسم كبير من المنطقة وتحول نظام الدولة القومية المتهالكة التي فرضتها القوى الاستعمارية السابقة إلى حالة من الفوضى . وكما كان الحال عند التقسيم الاستعماري السابق فإن التناقضات الناتجة عن التقسيم تمهد الطريق لحرب عالمية .

كما أشارت صحيفة التايمز إلى أن وجود كل هذه القوى في مسار متصادم أدى إلى العديد من عمليات التصعيد التي حملت معها مخاوف من حدوث مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران بل وحتى مع روسيا .

إن منطق تدخل الولايات المتحدة في سوريا يندرج في إطار سعي قوات الولايات المتحدة العسكرية للتصعيد بشكل كبير بهدف عكس الفشل الذي تعرض له البنتاغون في منطقة الحدود السورية العراقية . إن واقع أن شن هجوم يمكن أن يتسبب بمواجهة عسكرية مباشرة مع إيران وحتى مع روسيا لن يكون موضع استهجان من قبل الجماعات المهيمنة على المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة التي ترى في الحرب أداة أساسية لقلب مسار انحسار هيمنة رأسمالية الولايات المتحدة على المستوى الشامل .

وفيما يخص جماهير الشعب العامل في الشرق الأوسط وفي الولايات المتحدة وفي سائر أرجاء الكوكب فإن هذه التطورات تحمل مخاطر قاتلة . ولا يمكن مواجهة هذا التهديد إلا عن طريق بناء حركة جماهيرية مناهضة للحرب توحد الطبقة العاملة العالمية على قاعدة النضال بهدف إنهاء الإمبريالية وإعادة تنظيم المجتمع على قواعد اشتراكية .