لا لحرب عالمية ثالثة ! وفي سبيل بناء حركة اشتراكية مناهضة للحرب.

١٦ نيسان أبريل ٢٠١٨

خلال الأيام التي مرت منذ قيام الولايات المتحدة والناتو بقصف مدينتي دمشق وحمص السوريتين بأكثر من مائة صاروخ ، صار من الواضح أن القوى الإمبريالية لم تكن راضية عن إراقة الدماء الأخير. وفي فترة لم تتجاوز بضعة ساعات على الغارات بدأت صحف الولايات المتحدة وأوروبا بضخ افتتاحيات تطالب بالمزيد من تصعيد الحرب والسعي لتغيير النظام في سوريا، حيث أعلنت صحيفة وول ستريت جورنال, تحدثا نيابة عن أقسام من النخبة الحاكمة وثيقة الصلة بمستشار الأمن القومي الذي تم تسميته مؤخراً جون بولتون " إن عملية قصف واحدة لن تغير أساسيات ساحة المعركة السورية ولا الحقيقة الاستراتيجية المتمثلة في أن محور روسيا- إيران- أسد ينتصر".

وتابعت : "وإن كان السيد ترامب راغب في ردع الإمبريالية الروسية والإيرانية أيضاً...فسيحتاج إلى استراتيجية أشد طموحاً." " ويجب أن تكون الضربة التالية أشد إيلاماً."

وخلصت الصحيفة إلى التالي: "فقط عندما تبدأ روسيا وإيران بدفع ثمن أعلى في سوريا سيكون بمقدور الولايات المتحدة تأمين أهدافها في المنطقة".

إن تداعيات مثل هذه التصريحات واضحة: ففي حين قادت اعتبارات تكتيكية الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربة محدودة بدلاً من هجوم شامل كان سيؤدي إلى اشتباك مع القوات الإيرانية والروسية لكن حدوث مثل هذا الهجوم الضاري لا يعدو أن يكون مسألة وقت . أما واقع أن مثل هذا الصراع يمكن أن يتسبب بنتائج مدمرة على البشرية فلن يغير من عزم القوى الإمبريالية على إشعاله.

يمكن أن يضيع المرء في خضم ما تحكيه الصحف عن " الهيمنة الإقليمية" وعن المطالبة " بتحويل سوريا إلى فيتنام بالنسبة لآية الله". وما جاء في افتتاحيات الصحف لكن العذر الذي استخدم لتبرير الهجمات التي قادتها الولايات المتحدة ،وهي الاستخدام المفترض للأسلحة الكيميائية من قبل الحكومة السورية في دوما في السابع من نيسان ، كان واهياً.

إن الحملة الدعائية التي استخدمت لتبرير الغارات تعبر عن ازدراء للحقيقة ولذكاء الجمهور، فبعد خمسة وعشرين سنة من حرب لا نهاية لها صار ملايين البشر متمرسين في التعامل مع الادعاءات الهستيرية والمنافقة التي يستخدمها الإمبرياليون في تقديم مخططاتهم ضد بلدان ضعيفة بوصفها مهمة مقدسة تهدف إلى تحرير الجنس البشري.

إن واشنطن ولندن وباريس وبرلين تتصرف كما لو أن ما من أحد قادر على تذكر أكاذيب إدارة بوش حول " أسلحة الدمار الشامل ولا ادعاءات أوباما الإنسانية الزائفة لتبرير تدمير ليبيا واغتيال معمر القذافي .

وهناك أسباب عميقة كامنة خلف هذه الأكاذيب المتعبة ، ففي استجابة للأزمة السورية, أعلن تصريح لمؤسسة فايتسزيكر وقعه موظفون رفيعون في الحكومة الألمانية أنه : " في واقع الأمر لم يتم التغلب على أي من الأسباب الهيكلية التي قادت إلى الحرب العالمية الأولى".

ما هي هذه الأسباب الهيكلية؟ إنها التناقضات الجوهرية للنظام الرأسمالي التي حددها ماركسيو القرن العشرين العظماء والمتمثلة في الصراع الضاري بين القوى الإمبريالية حول مناطق النفوذ وتقسيم الكوكب ، وهي تتدفق من الصراع بين الدولة- الأمة والاقتصاد العالمي .

وقبل مائة عام كتب الثوري الروسي فلاديمير لينين في معالجته المميزة لقضية الإمبريالية:" إن الأساس الوحيد الذي يستند إليه تقاسم مناطق النفوذ، والمصالح والمستعمرات إلخ في ظل الرأسمالية هو حسابات قوة اللاعبين ،قوة اقتصادهم العام وقوتهم المالية والعسكرية وهي التي تتحدد في النهاية عبر الصراعات العسكرية . وأشار لينين إلى " أن التحالفات السلمية تمهد الميدان للحرب" و "بدورها تنمو من الحروب".

وبهدف تأمين مكان في تقسيم العالم وإعادة تقسيمه من منظور إمبريالي – وهو ما سماه القيصر الألماني فيلهلم الثاني " إيجاد مكان تحت الشمس"- يتم دفع القوى الإمبريالية إلى الأعمال العسكرية الأكثر بؤسا و كارثية.

فيما يتعلق بالولايات المتحدة، قبل الجميع ، التي تفتت هيمنتها على العالم نتيجة لفقدانها التفوق الاقتصادي لا يوجد طريق فعلى مدى ربع قرن أشعلت واشنطن سلسلة لا تنتهي من الحروب الدموية بهدف التعويض عن ضعفها الاقتصادي. وعلى نحو متزايد ، يتم دمج إجراءات الحرب التجارية ضد روسيا والصين والاستعدادات للصراع العسكري في إطار واحد ، من خلال العقيدة التي أعلنها البنتاغون في وقت مبكر من هذا العام تحت اسم " التنافس الاستراتيجي".

إن القوى الإمبريالية الأوروبية مهما بلغت خلافاتها التكتيكية فيما بينها أو مع الولايات المتحدة متحفزة نتيجة لتصميمها على المشاركة في تقسيم العالم ولضمان حصول شركاتها على حصة من عملية النهب .

إن الحقبة الجديدة من الحرب الإمبريالية المستمرة منذ أكثر من ربع قرن لن تنتهي بغارات الصواريخ على سوريا، لأن القوى الإمبريالية تسعى لتقاسم سوريا بشكل كامل كمرحلة تمهيدية للعمليات العسكرية ضد إيران بهدف تنصيب نظام ألعوبة أو تفكيك البلاد ، ومن ثم يتم تطبيق خطط مماثلة معدة ضد روسيا وضد الصين.

وقبل عامين كانت اللجنة الدولية للأممية الرابعة حذرت في تصريحها الذي صدر في الثامن عشر من فبراير 2016 تحت عنوان " الاشتراكية والنضال ضد الحرب" الذي جاء فيه:

" يقف العالم على مشارف صراع شامل مدمر...وكما كان الحال في الأعوام التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وكذلك الأعوام التي سبقت الحرب العالمية الثانية عام 1939 فإن القادة السياسيين والمخططين العسكريين يقتربون من استنتاج أن الحرب بين القوى الكبرى ليس بالاحتمال البعيد بل هو المرجح للغاية وحتى حتمي."

وأعلنت اللجنة الدولية للأممية الرابعة : " يجب إيقاف دفع الأمور باتجاه حرب عالمية ثالثة كما يجب بناء حركة دولية جديدة مناهضة للحرب توحد الجماهير الطبقة العاملة الضخمة والشباب بهدف معارضة الرأسمالية والإمبريالية ".

وخلال العامين التاليين بدا أن ملامح تشكل مثل هذه الحركة قد تعزز من خلال بروز حركة دولية متنامية ضد الرأسمالية. فمن المدرسين في الولايات المتحدة إلى عمال القطاع العام و عمال الخطوط الجوية في ألمانيا ، مروراً بعمال السكك الحديدية والطلاب في فرنسا وصولاً إلى المحاضرين الجامعيين في بريطانيا العظمى نجد أن الطبقة العاملة تحشد قواها.

وتتمثل المهمة الأكثر إلحاحاً بدمج حركة الطبقة العاملة المعارضة لانعدام المساواة الاجتماعية مع النضال ضد الإمبريالية نفسها.

ويتطلب هذا النضال ضد تلك التيارات السياسية المخادعة التي تدعي أنها من اليسار وأنها اشتراكية والتي شجعت وساندت الحرب الإمبريالية. ويتمثل أبرز ممثلي اليسار الزائف الرجعي الموالي للإمبريالية بمختلف زمر أصار رأسمالية الدولة ومن تبقى من حركة أنصار بابلو المناهضة للتروتسكية التي كرست نفسها لتبرير ودعم تقسيم سوريا من قبل الإمبرياليين.

وفيما العالم يشهد اندفاعة جديدة للهمجية الإمبريالية تعيد اللجنة الدولية للأممية الرابعة التأكيد على المبادئ الهامة التي طرحتها في فبراير 2016 :

نحن ندعو كل العمال والشباب في سائر أرجاء العالم المصممين على خوض نضال ضد الإمبريالية على أساس هذه المبادئ للتواصل مع اللجنة الدولية للأممية الرابعة والانضمام إلى النضال الثوري الهادف إلى تفادي حرب عالمية ثالثة.

تصريح صادر عن هيئة تحرير موقع الاشتراكية العالمية