مقدمة مؤلف كتاب البلاشفة في مواجهة الستالينية 1928- 1933 : ليون تروتسكي والمعارضة اليسارية

By بقلم فاديم . ز. روغوفين
٢٩ آب أغسطس ٢٠١٩

قامت دار نشر مهرنغ مؤخراً بإصدار المجلد الثاني  من مجموعة تضم سبعة مجلدات كتبها فاديم روغوفين تحت عنوان هل كان هناك بديل للستالينية؟ وهي نتاج عقود من البحث ، وهذه المجموعة  هي تحفة فريدة في الأدب التاريخي.

يركز كتاب بلاشفة ضد الستالينية 1928-1933 على خمس سنوات حاسمة انحرفت  البيروقراطية الستالينية من أزمة اقتصادية وسياسية إلى أخرى.فشل طرد ليون تروتسكي من الاتحاد السوفيتي عام 1929 في إسكات الثوري العظيم وأتباعه. وأدى قيام تروتسكي بفضح خيانات ستالين إلى تشجيع بروز شبكة واسعة من مجموعات المعارضة الأمر الذي قابله النظام بتشديد القمع السياسي. وضمن  مقدمة الكتاب طرح روغوفين السؤال الأساسي الذي تمت الإجابة عليه في الصفحات اللاحقة ومفاده لماذا برزت ظاهرة مثل الستالينية في التربة التي حرثتها ثورة أوكتوبر؟

الكتاب متوفر لدى دار نشر مهرنغ .

***

على مدى نصف قرن من الزمان حاول المؤرخون ، والمختصون بالعلوم السياسية ، وعلماء الاجتماع حول العالم بشكل مستمر  العثور على إجابة على سؤال ما يزال يعتبر اللغز التاريخي الأكثر تعقيداً : لماذا نبتت ظاهرة مثل الستالينية في التربة التي حرثتها ثورة أوكتوبر؟ وكانت التداعيات الطبيعية لتلك الظاهرة الركود ثم، خلال العصر الحديث ،كل تلك الأزمات الاجتماعية- الاقتصادية و  الاجتماعية السياسية التي اجتاحت الاتحاد السوفيتي المتحلل و بلدان أخرى من الكومنولث الاشتراكي السابق.  

في الأدبيات  التاريخية و السياسية  للاتحاد السوفيتي وللبلاد  الأجنبية نجد إجابتين مختلفتين جوهرياً على هذا السؤال. تنبع إحدى الإجابتين من فكرة  أن الستالينية وما بعد الستالينية كانت نتيجة حتمية لتطبيق العقيدة الماركسية وللممارسات الثورية للبلشفية ، في حين تستند الإجابة الثانية إلى فكرة أن الستالينية كانت نتاج ردة فعل بيروقراطية ضخمة تجاه ثورة أوكتوبر  وانها لا تمثل استمرارية لمبادىء البلشفية بل هي بالأحرى تدمير وتنكر لها. إن من خصائص الثورة المضادة التي قام بها ستالين وشركائه أنها حدثت تحت غطاء أيديولوجي من عبارات ماركسية ومن إعلان ولاء لا حد له لثورة أوكتوبر .

وبطبيعة الحال فإن مثل هذه الثورة المضادة تتطلب تراكم تاريخي غير مسبوق من الكذب والتزوير. وهذا تطلب تلفيق عدد لا نهاية له من الأساطير. وعلى الرغم من ذلك هناك حاجة لأساطير لا تقل عن تلك التي تم ابتداعها  سابقاً لدعم الموقف الحالي لمن يعتقدون أن الاختيار الاشتراكي لشعبنا عام 1917 كان خاطئاً. إنهم يحددون طبيعة الستالينية بوصفها نظام للعلاقات الاجتماعية يدعون أنها اشتراكية ويساوون الستالينية مع البلشفية بوصفها قوة سياسية و إيديولوجية . 

إن نكوص المجتمع السوفيتي من  انتصارات ثورة أوكتوبر إلى الوراء، وإلى رأسمالية شبه استعمارية والتداعيات المدمرة والمؤلمة  الواسعة لهذا تؤدي إلى نشر وجهات نظر من هذا النمط تتصف بحيوية.أكثر . 

كلما تراجع المجتمع السوفييتي بشكل أكثر وضوحًا عن انتصارات ثورة أكتوبر وسارنحو الرأسمالية المتخلفة وشبه الاستعمارية ، وكلما أثبتت  التداعيات المدمرة والمؤلمة لهذه العملية على نطاق أوسع ، لذلك يتم الترويج لمزيد من هذه الآراء بنشاط.

وعلى غرار الستالينيين فإن مناهضي الشيوعية المعاصرين يستخدمون نوعين من الأساطير الأيديولوجية والتاريخية . ونقصد بالأساطير الأيديولوجية الأفكار الزائفة الموجهة إلى المستقبل  التي تتضمن تنبؤات ووعود خيالية . إن مثل هذه النتائج المترتبة عن وعي زائف تكشف سمتها الأسطورية فقط بقدر ما يتم تنفيذها في الممارسة العملية. أما الأساطير التي لا تتعلق بالمستقبل بل  بالماضي فهي قضية أخرى . فمن الناحية المبدأية يكون من الأسهل فضح هذه الأساطير مقارنة مع التوقعات غير العلمية والإسقاطات الرجعية. إن كل من الأساطير الأيديولوجية و التاريخية هي نتاج مصالح طبقية مباشرة ، لكن بالتعارض مع الأساطير السابقة فإن الأساطير اللاحقة هي  ليست نتاج خطأ سياسي أو حصيلة الخداع الواعي للجماهير، بل نتيجة الجهل التاريخي أو نتيجة تزوير لا مجال للشك فيه وهذا يتضمن إخفاء بعض الوقائع التاريخية أو المبالغة المغرضة والتفسير المشوه لوقائع أخرى . ويمكن دحض هذه الأساطير من خلال استعادة الحقيقة التاريخية وهذا يعني  العرض الأمين للوقائع الحالية ولاتجاهات الماضي.

للأسف خلال الأعوام الأخيرة لم يقم ممثلو التيارات الإيديولوجية المدافعة عن الخيار الاشتراكي باستخدام كل أكوام الوقائع التاريخية  التي تسمح للمرء بفضح أحدث الأساطير الإيديولوجية . وكقاعدة عامة فهم يختمون تحليلاتهم حول مصير الفكرة الاشتراكية وتطبيقها العملي في اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية بالرجوع إلى آخر أعمال لينين. لكن  النشاط السياسي للينين ’قطع بالتحديد في تلك اللحظة التاريخية عندما برز الاتحاد السوفتي من خضم أول مرحلة حادة من تطوره أي الحرب الأهلية والدمار الهائل الذي خلفته الحرب، وهو الوقت الذي بدأت فيه بالكاد إمكانيات البناء الاشتراكي السلمي وكذلك عندما بدأت تتضح فيه ملامح الخطر الجديد  الذي يهدد التطور الاشتراكي في بلد معزول ومتخلف وهذا يعني مرحلة الانحطاط ثيرميدوريان لثورة أكتوبر (ثيرميدور هو الشهر الحادي عشر من تقويم الثورة الفرنسية حيث شهد اليوم التاسع منه عام 1794 سقوط روبسبيير).

في أعقاب موت لينين  انقسمت البلشفية إلى تيارين سياسيين لا يمكن التوفيق بينهما هما الستالينية والمعارضة اليسارية ( هم أطلقوا على أنفسهم تسمية البلاشفة اللينينيين في حين سماهم الستالينيون بالتروتسكيين) . وخلال العقد الثاني من القرن العشرين كانت المعارضة اليسارية هي التيار الوحيد الذي طرح برنامج معارض للستالينية في كل المسائل الجوهرية في الحركة الشيوعية العالمية وحول بناء الاشتراكية في اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية وطور أفكار حول طرق الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية وأثراها على قاعدة التجربة التاريخية الجديدة وكذلك  طرح أفكار حول السياسة الاقتصادية الجديدة وحول حل القضية القومية في الاتحاد السوفيتي وهي أفكار كانت بالكاد قد بدأت بالتبلور في أعمال لينين.

ونظراً لأن الستالينية  لم تكن بالتحديد استمراراً للبلشفية بل نفياً لها لذا شنت معركة شرسة  ضد هذه الحركة الجماهيرية داخل الحزب وهي التي طرحت بديلاً اشتراكياً متماسكاً وأصيلاً لتطوير المجتمع السوفيتي ودافعت عن المبادىء السياسية والإيديولوجية والأخلاقية لثورة أوكتوبر.  وكانت عملية تدمير هذه المبادىء قد بدأت من قبل الجهاز البيروقراطي وهو الداعم الاجتماعي الرئيسي للنظام الستاليني. 

وبعد طرد المعارضة اليسارية من الحزب عام 1927 صار النضال السياسي المشروع داخل الحزب مستحيلاً. إن نشاط مجموعة بوخارين داخل المكتب السياسي واللجنة المركزية الذي انتهى عام 1929 بالاستسلام الكامل لستالين كان المحاولة الأخيرة للمقاومة العلنية ضد تعزيز الستالينية.  ومع ذلك فإن نضال المعارضات داخل الحزب ضد الستالينية استمر سنوات عديدة . وبطبيعة الحال تجلى النضال تحت أشكال عديدة مقارنة مع العقد السابق من السنين حيث تم وضع حد للنقاشات العلنية حول مسائل السياسية الداخلية والخارجية وكان نشاط المعارضات الجديدة التي برزت داخل الحزب غير مشروعاً . ولم يقتصر الأمر على فرض عقوبات حزبية على المشاركين فيها بل وتعرضوا لملاحقة بوليسية  وحشية.

وخلال النصف الأول من العقد الثالث من القرن العشرين استمر تروتسكي، الذي كان في المنفى،  في موضع القوة المعارضة الأكثر نشاط في الحركة الشيوعية إلى جانب من شاركه أفكاره في الوطن الذين إما كانوا ناشطين في العمل السري ، أو قابعين في السجون الستالينية أو تم ترحيلهم إلى منفى داخلي.

وخلال العقد الثالث من القرن العشرين قامت المعارضة اليسارية بأهم مساهمة في النظرية الماركسية بقدر ماتضمنت أعمالها تحليلاً علمياً للتجربة الأولى في التاريخ   لبناء الاشتراكية على الرغم من أنها نفذت من خلال تحكم بيروقراطي مشوه بجماهير الطبقة العاملة . ومن خلال فضح التكاليف الهائلة لتلك الطرق ( وهي لم تقتصر على سنوات العقد الثالث بل كانت سمة كل الحقبات التالية من التطور السوفيتي) أثبت تروتسكي وشركائه أنه من خلال نشر الديمقراطية في الحياة السياسية  والتمسك بسياسات اجتماعية لا تتوافق مع مصالح المجموعات المقربة صاحبة الامتيازات بل مع مصالح الجماهير الشعبية الواسعة كان من الممكن ليس فقط تحاشي الخسائر البشرية الضخمة وتراجع معايير مستوى حياة الناس بل وكذلك إنجاز نتائج اقتصادية أفضل بكثير.

إن الفترة التي يعالجها هذا الكتاب كانت في زمن وصلت فيه  المعارضات الجديدة ،المكونة من بوخارينيين سابقين ( أنصار بوخارين وهو عضو المكتب السياسي وصاحب التوجه الاقتصادي اليميني) وستالينيين سابقين ، إلى أفكار تروتسكي. وانتهت هذه العملية عام 1932 مع محاولة توحيد المجموعات المعارضة القديمة والجديدة ضمن الحزب. 

حاولنا في هذا الكتاب رسم المسار التاريخي للصراعات داخل الحزب بين 1928 و 1933 وقارنا بين المصادر الأساسية التالية : وثائق الحزب ( مقررات المؤتمرات واجتماعات اللجنة المركزية ، وخطابات ستالين وشركائه، والدعاية الستالينية)،  ومذكرات الأشخاص الذين شاركوا في الحياة السياسية تلك الأعوام ، ومواد من الأرشيف السوفيتي فضحت جوانب هامة من الأحداث السياسية كانت مخفية عن الذين عاصروا وقوعها، و وثائق المعارضة التي كان قسم كبير منها غير معروف للقارىء السوفيتي.

إن الاطلاع على هذه الوثائق  يقنع المرء بأن كل ما هو صحيح  في النقد المعاصر للستالينية سبق أن قالته المعارضة البلشفية  منذ نهاية العقد الثاني وحتى بداية العقد الثالث من القرن العشرين ، وعدا عن هذا فإن المرء يجد  العديد من الاستنتاجات في وثائق مجموعات المعارضة تلك المفقودة من الأعمال التاريخية المعاصرة والتي تقدم بديل منهجي للستالينية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية . 

إن تطور الصراع داخل الحزب خلال تلك الأعوام لا يمكن أن يتم التعامل معه بمعزل عن مصير الرأسمالية العالمية التي بدأت أزمتها العميقة والعامة في عام 1914 واتخذت أشكال حادة  خاصة بين 1929 و 1933. إن التحول من " الرخاء" غير المستقر الذي ساد عقب الحرب إلى " الكساد العظيم" الذي هز العالم الرأسمالي بأسره كان الحجة الأكثر إقناعاً في دحض رأي البلاشفة  الذين رأوا في ثورة أوكتوبر مقدمة لثورات بروليتارية وثورات التحرير الوطني في بلاد أخرى وأنهم بالغوا في تقدير عمق التناقضات الشاملة للرأسمالية .

ومع ذلك فإن الأزمة الهيكلية للنظام الرأسمالي بأسره وصلت إلى مستوى  غير مسبوق لم تنته بانتصار ثورات اشتراكية وهذا يعود بقدر ما إلى واقع أن الحركة الثورية  تعرضت للخيانة وللتدمير من الداخل.

أدت نظرية " انتصار الاشتراكية في بلد واحد " إلى تحويل الكومنترن  والأحزاب الشيوعية المرتبطة به من قوة ثورية إلى أداة لضمان شروط سياسية خارجية ملائمة لتطوير اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية. وكانت هزيمة حركة العمال الألمان الدليل الأسطع على الإمكانيات الثورية التي أهدرها الكومنترن  الذي ’أضفي عليه صبغة ستالينية في بداية العقد الثالث من القرن العشرين . إن الأخطاء التعصبية التي ارتكبها الحزب الشيوعي الألماني ومنعت خلق جبهة عمالية موحدة مناهضة للفاشية مهدت طريق هتلر إلى السلطة وهو الذي استفاد من الظروف التي لا تحتمل التي وجد الشعب الألماني نفسه فيها نتيجة لمعاهدة فرساي الجشعة التي كانت واحدة من أبشع منتجات الإمبريالية.

وبدلاً من أن يكون الاتحاد السوفيتي هو القوة المحفزة  لنضال الشعوب الأخرى في سبيل الاشتراكية كان للاتحاد السوفيتي أثراً  سلبياً متصاعداً صد فئات واسعة من العمال في البلدان الرأسمالية عن الانخراط في الحركة الشيوعية . ولعب هذا دوراً ليس بالصغير في هزيمة القوى الثورية في الغرب وقد ترافق هذا بضعف الرأسمالية  خلال العقد الثالث من القرن العشرين الأمر الذي سمح لستالين ليس بالمحافظة على موقعه في الحلبة الدولية وحسب بل وتعزيزه . وهكذا فإن أزمة الرأسمالية العالمية التي أكدت صحة النظرية الماركسية وصحة الاستراتيجية البلشفية ساهمت موضوعياً في تعزيز الستالينية.

كما تصادف الشحذ الحاد لتناقضات الرأسمالية العالمية زمنياً مع احتداد التوترات الاجتماعية داخل اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية نتيجة لتجميع الفلاحين القسري.

و شهدت سنوات 1923- 1927 إضاعة فرصة القيام بإصلاحات منهجية اشتراكية أصيلة السمة عندما عانى الحزب باستمرار من حمى  " النضال ضد التروتسكية" التي فرضتها الكتلة الحاكمة عديمة الضمير .إن كل تصريحات وأفعال ستالين في ميدان السياسة الاجتماعية- الاقتصادية  خلال ذلك الوقت كان لها طابع " مدروس" تحت تأثير خارجي. 

وقد تم فرض هذا قبل كل شيء  من خلال جهده الكبير لتقديم أفكار معارضيه الإيديولوجيين بوصفها  تمهيداً لحرب أهلية جديدة. و هو سعى لإخراج خصومه من القيادة على  قاعدة المزاج الاجتماعي الذي تولد عبر هذه المفاهيم الزائفة وطردهم خارج الحزب.  ومع نجاحه في تنفيذ هدفه شعر ستالين بأنه قادر على اتباع طريقه المغامر المتعرج في السياستين الداخلية والخارجية ومتابعة القمع المرتبط بهما  الذي توسع من عام إلى آخر واشتدت ضراوته.

وفي زمن الانحراف اليساري المتطرف  الذي وقع في مطلع العقد الثالث من القرن العشرين لم يفكر ستالين بوضع استراتيجية سياسية متجذرة في تقويم واقعي للوضع في البلاد ولا في تقدير مستوى المقاومة المحتمل من قبل الفلاحين في استجابهم للتجميع القسري. وقد لاحظ أ. أفتورخانوف محقاً أنه في الوقت الذي قدم فيه ستالين تقريره عن " جبهة الحبوب" الذي أعلن أن التجميع هو الطريقة الوحيدة لحصول الدولة على الحبوب فإن ستالين نفسه لم يكن بالكاد قادر على تصور كيف سينتهي الأمر في الحقيقة ولا عن تصور التكاليف التي يمكن أن تترتب عن  تلك العملية المعقدة". 

كانت سياسة ستالين بين 1929-1933 مجموعة متعرجة من المحاولات التجريبية تراوحت بين " هجمات " مغامرة و انسحابات تحت تأثير الهلع ، وبين ضغوط إدارية و تنازلات اقتصادية للجماهير الشعبية ومن ثم العودة إلى  فرض جو" حالة طوارئ" في البلاد.و انتهى الأمر بستالين أكثر من مرة بالوصول إلى حافة كارثة سياسية كاملة نتيجة لتلك السياسات المتعرجة. وفي إحدى اللحظات النادرة التي أفصح فيها عما في نفسه اعترف بأن الصراع مع الفلاحين كان محنة بالنسبة إليه أشد ترويعاً حتى من الحرب العالمية الثانية. وقد سجل تشرشل في مذكراته حواره مع ستالين في 15 أغسطس 1942 ،عندما  سأل تشرتشل ستالين قائلاً: أخبرني هل كانت الشدة التي تسببت بها هذه الحرب صعبة بالنسبة إليك شخصيا بقدر صعوبة سياسة التجميع؟ رد ستالين بالنفي وقال:" سياسة التجميع كانت صراعاً رهيباً"، ورد تشرشل قائلاً" أظن أنك وجدت الأمر سيئاً لأنك لم تتعامل مع بضعة آلاف من الأرستقراطيين أو كبار الملاك بل مع ملايين من الناس البسطاء " فرد ستالين قائلاً " مع عشرة ملايين  " ورفع ستالين يديه وقال :" كان أمراً رهيباً و استغرق أربع سنوات".

إن الفهم الصحيح لوطأة التجميع القسري يتطلب قبل كل شيء امتلاك تصور علمي لجوهر الستالينية الاجتماعي والسياسي. وهذا الجوهر يتمثل أفضل تعبير عنه  بمفهوم "الوسطية البيروقراطية" التي وسمت ستالين وكل من تلاه من قادة الحزب . وعلى الرغم من أن البروباغاندا السوفيتية الرسمية ركزت دون كلل على أن " الحزب مسلح بالنظرية العلمية الأكثر تقدماً"، واستخدمت اعتباراً من نهاية العقد الثاني من القرن العشرين الرطانة الماركسية كغطاء عقائدي للسياسة التجريبية الاستثنائية التي مارستها مجموعة الحاكمة . 

أطلق تروتسكي على ستالين صفة التجريبي ، ولطالما كرر أن ستالين لم يمتلك أبداً خطة استراتيجية متطورة نظرياً ولا القدرة على توقع تداعيات سياسته على المدى القصير بل  وحتى المدى الطويل. وهو ، عندما يصوغ تاكتيكاته ، لا يبدأ أبداً من النظرية والاستراتيجية بل يميل بالأحرى إلى إخضاع النظرية والاستراتيجية لأهداف تاكتيكية عندما يصطدم بصعوبات مباشرة وغير متوقعة تجلبها سياسته غير المنهجية  والمفتقدة إلى أساس علمي.  

كانت سياسة ستالين البراغماتية ، المغلفة بلغة اشتراكية مجردة، تخضع لتقلبات حادة.  وفي فترات الاستقرار النسبي في القضايا الداخلية والخارجية للبلاد كانت الوسطية البيروقراطية تنطلق من سعي انتهازي للمحافظة على الوضع القائم على الحلبة الدولية وللحفاظ على العلاقات الاجتماعية السائدة داخل البلاد. أما في فترات الأزمات فكان ينحرف نحو سياسة انتقائية تتأرجح بين موقفين سياسيين متطرفين ومتعارضين .

إن " بريسترويكا " غورباتشيف ، التي يمكن تسميتها بشكل مبرر بأنها عملية تجميع من الداخل إلى الخارج كانت نظير غريب للسياسة الستالينة  حول " نقطة الانعطاف العظيم" إن البريسترويكا التي تم تطبيقها كما لو أنها " تجميع كامل " بدون خطة استراتيجية ، وبدون تصور علمي ، وبدون مفهوم واضح لأهداف ولتداعيات التحولات التي تم التخطيط لها كان لها نتائج على مصير الاتحاد السوفيتي و على كل الجنس البشري  لا تقل في تدميرها عن هجوم ستالين الاشتراكي على كل الجبهات .

و بين 1928-1933 أدت سياسة تجريبية فجة إلى دفع الاقتصاد من أزمة إلى أخرى. وقد فسر ستالين بإصرار تلك الأزمات ، التي برزت نتيجة لخط سياسي خاطىء، على انها نتاج تنامي مقاومة الأعداء الطبقيين. وكان النهج الذي وقع عليه الاختيار للخروج من تلك الأزمات هو سياسة " الإجراءات الاسعافية"  وضغط إداري وقمع فظ طال فئات أوسع من الشعب . وفي محاولته للنجاة من الصعوبات الاقتصادية من خلال تلك السياسات شن ستالين هجوم ضد الكولاك( الفلاح الذي يمتلك أرض وقدر من الثروة) تحول إلى مواجهة مباشرة مع كل الفلاحين الأمر الذي حرض الاخيرين على الانخراط في حرب أهلية. 

وعندما يتم وصف القمع الستاليني في كل من السجلات الرسمية السوفيتية ومن قبل التأريخ المعادي للشيوعي، وإن كان ذلك لأسباب مختلفة،  يكون هناك تشديد على واقع أنه وجه كله ضد " أرانب" ( إذا استعرنا تعبير ألكسندر سولجنستين). لكن في الواقع فلا متآمري الحرس الأبيض الاذين تابعوا الصراع بكل الوسائل والأدوات  بهدف إعادة الرأسمالية خلال العقدين الثاني والتالث من القرن العشرين ولا الفلاحون الذين لم يردوا على التجميع القسري بانتفاضات جماهيرية ولا البلاشفة المعارضون الذين ناضلوا ضد ستالين  باسم استعادة المبادىء الاشتراكية كانوا " أرانب". لقد قام ستالين بطريقة استفزازية بتوحيد كل تلك القوى التي اتصفت أفكارها وأفعالها بعدم تجانس عميق ضمن ملغم واحد تحت يافطة " أعداء الشعب". 

ونجد في المصادر الأجنبية  والمعاصرة الخاصة بأدب تاريخ السوفييت الكثير من المواقف التي تعتبر إرهاب الدولة  الذي أطلقه ستالين في نهاية العقد الثاني من القرن العشرين استمراراً طبيعياً لصراع البلاشفة ضد معارضي ثورة أوكتوبر خلال الحرب الأهلية. إن مثل هذه المماثلة تهدف بشكل مقصود لإخفاء التباينات الجوهرية في مقياس ووظيفة وأهداف القمع السياسي في الحقبة اللينينية  مقابل الحقبة الستالينية . كان القمع في زمن الحرب الأهلية يطبق من قبل البلاشفة بدعم نشط من الجماهير ضمن ظروف شارك فيها الحزب وقادته الشعب في التضحيات وفي الحرمان وحيث تم شن الهجمات ضد قوى النظام القديم التي امتلكت تحت قيادتها جيوشاً مجهزة بشكل متفوق ومنظمة وحصلت على مساعدات مالية ومادية هائلة من الخارج . وترافقت العمليات العسكرية المباشرة ضد الجيوش البيضاء بصراع ضد المؤامرات في الساحة الخلفية ( في زمن الحروب الأهلية كان  الخط الفاصل بين الجبهة والساحة الخلفية نسبياً عادة ) وكان الهدف واحداً وهو ثورة مضادة لإعادة النظام السابق واستعادة امتيازات الطبقة الحاكمة السابقة في روسيا القيصرية . وبالمقابل "كان إرهاب العقد الثالث من القرن العشرين بمثابة حارس اللامساواة. لكن سمته الأساسية كانت معاداته للشعب وكان موجهاً في واقع الحال ضد الأغلبية وكان شاملاً لا يعرف التمييز . " 

" فمنذ بداية التجميع تم إطلاق آلية قمعية هائلة تابعة للدولة الأمر الذي أدى إلى حقن جرعات هائلة من الرعب في أجزاء واسعة من الكائن الاجتماعي إلى حد تسبب حتمياً بتسميم كل الجسم. وما أن تم إطلاق آلة الإرهاب  وتركيبها و تشغيلها ، وهي التي تجاوزت كل ما شاهدناه حتى اليوم، حتى طورت عطالتها الذاتية التي لا تخضع للتحكم".

ونذكر بأنه فور نهاية الحرب الأهلية عام 1922 تراجعت شدة القمع السياسي بشكل ملحوظ  ولم يتجاوز عدد المعتقلين في السجون والمخيمات السوفيتية ما بين 100 إلى 150 ألف شخص . ولم يتضمن هذا العدد  سوى بضعة مئات حوكموا لأسباب سياسية . وابتداء من سنة 1928 بدأ عدد نزلاء المعسكرات بالنمو بشكل مستمر ووصل إلى نصف مليون عام 1934 وكان أكثر من ربع هذا العدد من المعتقلين السياسيين.

اندلعت حملة قمع ستالين نتيجة  خوفه الذي لم يقتصر على الفلاحين بل و رعبه من الطبقة العاملة ومن خوفه قبل كل شيء من طليعتها الثورية المتمثلة بالمعارضة اليسارية. و لم تتوجه موجة العنف الهائل المتنامية باستمرار ضد أعداء ثورة أوكتوبر بل ضد الأعداء الذين خلقهم النظام الستاليني نفسه أي ضد الفلاحين الذين قاوموا التجميع القسري وضد المشاركين في المعارضات الشيوعية .

ومع سياسته المغامرة في  ميدان الاقتصاد ومع القمع الجماهيري تابع ستالين إضافة آلاف من معارضيه الفعليين والمحتملين الذين مسوا الاشتراكية والنظام الستاليني إلى أعداء السوفييت الأصليين.  

وبالتزامن مع الهجمات ضد الفلاحين ، الذين كانوا القوة الأكثر مقاومة للنظام الستاليني، تم شن هجمات وحشية ضد الشيوعيين " المدانين" بالذبذبة أو على العكس ضد أولئك الذين تمسكوا بالسياسات التي فرضها ستالين بصرامة وإخلاص حيث كانت هناك سمة ثابتة في حكم ستالين تمثلت في إلقاء مسؤولية عن فشل مساره السياسي على عاتق أولئك الذين طبقوها.

وبدلاً من أن يوفر الحماية من مزيد من الكوارث الاقتصادية  فإن القمع الواسع وفر أساساً لتلك الكوارث . إن القرارات المغامرة والتعسفية  قد تم تنفيذها جزئياً فقط ومقابل ثمن عال لا يمكن تبريره . وهكذا فإن التجميع القسري لم يكتف باستنزاف القوى المنتجة في القرية بل أعاق في واقع الأمر تطور الصناعة.

وإن كان النظام السوفيتي  تمكن من تجاوز بداية العقد الثاني من القرن العشرين  فإن هذا لم يحدث بفضل قيادة ستالين بل رغماً عنها. إن انتصار ستالين والبيروقراطية التي قادها في الحرب الأهلية  ضد الفلاحين يمكن تفسيره بواقع أن الطبقة العاملة عارضت استعادة العلاقات الرأسمالية التي كانت ستؤدي حتمياً إلى "انتصار فانديه الروسي" ( إشارة إلى  ثورة الفلاحين الموالين للملكية في منطقة فانديه الفرنسية إبان الثورة الفرنسية ) ولهذا السبب قامت الطبقة العاملة بدعم البيروقراطية خلال الصراع الضاري مع جماهير الفلاحين. وعدا عن هذا عانت المدن من قدر أقل  من القمع الذي انصب بشكل رئيسي على سكان الريف . وفي النهاية كان هناك دور ليس بالقليل لواقع أن ستالين كون في تلك الفترة قاعدة اجتماعية لدعم نظامه اتخذت شكل فئات من أصحاب امتيازات شملت بالإضافة إلى البيروقراطية الحاكمة استقراطية العمل والفئات العليا من الأنتلجنسيا.

ومع ذلك فإن وضع ستالين  عند مشارف نهاية تلك المرحلة التي يعالجها هِذا الكتاب كان غير مستقراً  للغاية فهو دخل بسبب سياسته في صراع مع كل المجموعات الطبقية والاجتماعية في المجتمع السوفيتي بما في ذلك قسم مهم من البيروقراطية الحاكمة. وعلى الرغم  من انتصار ستالين الواضح في الصراع ضد معارضيه السياسيين لكن قسم من البلاشفة لم يعتبر ذلك الانتصار نهائي. والدليل على هذا هو المحاولة التي جرت عام 1932 لتشكيل كتلة  من ممثلي كل المعارضات المعادية لستالين.

إن الاضطرابات المعقدة للصراع الحزبي الداخلي بين 1928 و 1933 ستكون الموضوع الأساسي الذي نعالجه في كتابنا.