اغتيال قاسم سليماني وتجريم سياسة الولايات المتحدة

بقلم أندريه دامون
١٣ كانون الثاني يناير ٢٠٢٠

في يوم الأحد، نشرت صحيفة النيويورك تايمز تقريراً مفصلاً، استنادًا إلى مصادر رفيعة المستوى داخل حكومة الولايات المتحدة ، عن القرار الذي اتخذته إدارة ترامب باغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في الثالث من يناير / كانون الثاني 2020.

ويوضح تقرير التايمز أنه ، بعيداً عن كونه قراراً مفاجئًا من جانب ترامب ، فإن قتل سليماني كان يحظى بدعم واسع النطاق داخل الفرع التنفيذي ووكالات الاستخبارات ، التي خططت لهذه الجريمة طيلة الأشهر الثمانية عشر الماضية. ويتورط في هذه الرواية مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو ومديرة المخابرات المركزية الأمريكية جينا هاسبيل في الدعوة والتخطيط لهذه الجريمة.

ويقدم تقرير التايمز صورة لدولة إجرامية تعامل فيها أكثر الانتهاكات الصارخة للقانون معاملة روتينية. وهو دليل على الدرجة التي تم بها تجريم السياسة الخارجية الأميركية بعد ما يقرب من عقدين من "الحرب على الإرهاب".

وهذا التطبيع للإجرام يمتد إلى الصحافة. إن نبرة تقرير التايمز هي نبرة قصة مغامرة. فلا يوجد أي تلميح لموقف انتقادي تجاه الطابع الإجرامي الصارخ للإجراءات التي تصفها. كلمة "القانونية" أو أي بديل لها ، ببساطة لا تظهر في جسم النص.

وتوضح المقالة أن دوافع إدارة ترامب لقتل سليماني لا علاقة لها بـ‎"تهديدًا وشيكًا" مفترض ، كما يدعي مسؤولون البيت الأبيض. بل إن الولايات المتحدة كانت تريد الرد على سليماني للانتقام منه بسبب سلسلة من الانتكاسات السياسية التي حملته المسؤولية عنها.

يكتب التايمز:

وبحلول نهاية عام 2019 ، كان بوسع الجنرال سليماني أن يتباهى بعدد من الإنجازات الإيرانية: [الرئيس السوري] بشار الأسد ، الحليف الإيراني القديم ، كان في السلطة بسلام في دمشق ، منتصرا في حرب أهلية دموية متعددة الجبهات ، دامت لسنوات طويلة ، وقوة القدس تتمتع بوجود دائم على حدود إسرائيل. ولقد ساعد عدد من الميليشيات في تلقي رواتبهم من الحكومة العراقية وممارسة السلطة في النظام السياسي في العراق.

وتستمر التايمز ، "على مدى الثمانية عشر شهرًا الماضية ، كما قال المسؤولون ، كانت هناك مناقشات حول ما إذا كان سيتم استهداف الجنرال سليماني".

وتنص:

ومع تصاعد التوترات مع إيران في مايو / أيار مع الهجمات على أربع ناقلات نفط ، طلب جون بولتون ، مستشار الرئيس للأمن القومي آنذاك ، من المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات تقديم خيارات جديدة لردع العدوان الإيراني. ومن بين الإجراءات التي قدمت له كانت قتل الجنرال سليماني وغيره من قادة الحرس الثوري. وفي ذلك اللحظة ، ازداد العمل على تتبع تنقلات الجنرال سليماني.

وبحلول أيلول / سبتمبر ، تم جلب القيادة المركزية للولايات المتحدة وقيادة العمليات الخاصة المشتركة إلى التخطيط لعملية محتملة.

وقبل ايام فقط من مقتله التقى سليماني مع زعيم حزب الله حسن نصر الله في لبنان. ولقد حذره نصر الله ، وفقًا لصحيفة التايمز ، من أن "وسائل الإعلام الأمريكية تركز عليه وتنشر صورته". ونقلت الصحيفة عن نصر الله قوله: "لقد كان هذا إعدادًا إعلاميًا وسياسيًا لاغتياله".

في الأيام التي سبقت الضربة ، دعت مديرة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (السي آي آيه) جينا هاسبيل إلى القتل ، وفقًا لصحيفة التايمز ، بحجة أن "عواقب عدم ضربة الجنرال سليماني كانت أكثر خطورة من الانتظار". ترأست هاسبيل تعذيب "الموقع الأسود" للسي آي آيه تحت حكم جورج دبليو بوش، وتورطت في تدمير أشرطة السي آي آيه الخاصة بالمحتجزين الذين تعرضوا للايهام بالغرق.

تصل مديرة السي آي آيه جينا هاسبيل لإجراء جلسات إحاطة لأعضاء الكونجرس حول اغتيال القائد العسكري الأعلى لإيران الجنرال قاسم سليماني الأسبوع الماضي يوم الأربعاء 8 يناير 2020 في الكونجرس في واشنطن. (ا ف ب الصور / خوسيه لويس ماغانا)

من بين أكثر العناصر تكشفًا في التقرير الجملة التالية: "لقد أخبر ترامب بعض الزملاء أنه يريد الحفاظ على دعم الصقور الجمهوريين في مجلس الشيوخ في محاكمة الإقالة المقبلة." وبعبارة أخرى ، إذا كان تقرير صحيفة التايمز  صحيح ، لعبت الحسابات السياسية المحلية دوراً هاماً في هذه الجريمة.

الاغتيال ينتهك دستور الولايات المتحدة والقانون الدولي.  وينص ميثاق الحقوق الأمريكي على وجه التحديد على أنه "لا يجوز حرمان أي شخص من الحياة أو الحرية أو الممتلكات دون مراعاة الأصول القانونية".

ففي عام 1975، كشفت لجنة تابعة لمجلس الشيوخ تحت فرانك تشرتش من ولاية إيداهو عن مخططات اغتيال تابعة للسي آي آيه ضد عدد من القادة الأجانب ، مما أرغم الرئيس جيرالد فورد على توقيع الأمر التنفيذي 11905 ، والذي يعلن: "لن يشارك أو يتآمر للمشاركة أي موظف في حكومة الولايات المتحدة في أي اغتيال سياسي."

وكان سليماني مسؤول حكومي رفيع في دولة ذات سيادة.  وكجنرال ، كان نظيرا لقادة الجيش الأمريكي في الحرب ضد داعش. اغتيل في دولة ثالثة ، العراق ، بينما كان يتصرف بصفة رسمية للقاء رئيس الوزراء العراقي. كانت هذه جريمة حرب وعملاً من أعمال الحرب.

استخدمت إدارة بوش هجمات 11 سبتمبر 2001 التي لم يتم تفسيرها بعد لتنفيذ هجوم واسع النطاق على الحقوق الديمقراطية والقانون الدولي. فقد أنشأت نظامًا للمراقبة الداخلية بلا إذن قضائي (في انتهاك للتعديل الرابع للدستور) وعذبت الآلاف من الأشخاص (في انتهاك للتعديل الثامن).

لقد غزت الولايات المتحدة العراق بشكل غير قانوني في تحدٍ للأمم المتحدة، حيث أعلن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان أن هذا الغزو "غير قانوني من وجهة نظرنا وميثاق الأمم المتحدة".

لقد توسعت وزادت إدارة أوباما فيما يتصل بجرائم إدارة بوش. وقد نفذت أكثر من 500 غارة بطائرات مسيرة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكان عدد الجثث آلاف أو عشرات الآلاف. في طقوس تُعرف باسم "أيام الثلاثاء الإرهابية"، كان أوباما يختار شخصيًا الأفراد الذين سيتم تفجيرهم لأجزاء صغيرة بصواريخ تطلق من طائرات مسيرة.

اتخذ أوباما الخطوة الاستثنائية المتمثلة في اغتيال المواطن الأمريكي ، أنور العولقي ، ثم تلاه ابنه ، المواطن الأمريكي البالغ من العمر 16 عامًا ، بعد أسبوعين. في ذلك الوقت ، أكدت وزارة العدل تحت أوباما الحق في قتل مواطنين أمريكيين ، بما في ذلك داخل حدود الولايات المتحدة.

ومع كل عملية قتل ، يتم رفع المخاطر ، حيث تلعب جريمة قتل الدولة دورًا أعظم في الحياة السياسية للولايات المتحدة.

طورت إسرائيل الشكل المعاصر لـ "القتل المستهدف". على حد تعبير الصحافي الإسرائيلي رونين بيرجمان ، "منذ الحرب العالمية الثانية ، استخدمت إسرائيل الاغتيالات والقتل المستهدف أكثر من أي دولة أخرى في الغرب".

خلال الانتفاضة الثانية في أوائل القرن الحادي والعشرين ، أرسلت الحكومة الإسرائيلية بشكل نمطي فرق اغتيال أو مروحيات حربية لقتل نشطاء وشخصيات سياسية فلسطينية.

استنتجت لجنة لتقصي الحقائق تابعة للأمم المتحدة إلى أن عمليات القتل كانت "انتهاكات خطيرة لاتفاقية جنيف الرابعة ، والمادة 147 ، والقانون الإنساني الدولي". في ذلك الوقت ، نأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون عن سياسة القتل الإسرائيلية.

وعلى الرغم من أن "بعض مسؤولي إدارة بوش انتقدوا فرق الاغتيال" ، فإن جو بايدن ، كبير المتحدثين باسم السياسة الخارجية للديمقراطيين ، "دافع بشكل لا لبس فيه عن الاستخدام الإسرائيلي لهذه الاغتيالات الخارجة عن نطاق القانون" كما أشار مجلس السياسة في الشرق الأوسط.

والآن ، فإن ممارسات إسرائيل — الدولة المنبوذة من منظور القانون الدولي — يتم تبنيها من قبل "الديمقراطيات الغربية الرائدة" في العالم. إلى جانب الولايات المتحدة ، تدير كل من فرنسا وبريطانيا "قوائم القتل" الخاصة بها.

وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من الانتقادات الموجهة إلى نفعية قتل سليماني من قِبَل بيرني ساندرز، وإليزابيث وارين وغيرهما ، فلم يصرح علناً أحداً من الجمهوريين أو الديمقراطيين بأن الاغتيال يشكل جريمة أو طالب بمقاضاة ترامب أو محاكمته بسبب هذا الانتهاك الخطير للدستور الأميركي.

ولا ينبغي لأحد أن يتصور أن الاستخدام المفتوح للقتل من قبل الدولة خارج نطاق القضاء سوف يظل مقتصراً على مناطق خارج حدود الولايات المتحدة. فعاجلاً أم آجلاً ، ستدعي الولايات المتحدة "تهديدًا وشيكًا" كذريعة لقتل أحد مواطنيها داخل حدودها.

تحت ضغط الحروب التي لا نهاية لها والكارثية التي فشلت في عكس اتجاه الانحدار في الموقف العالمي للإمبريالية الأميركية ، والتي تفاقمت بعدم الاستقرار الاقتصادي ، وتزايد اللامساواة الاجتماعية ، ونمو الصراع الطبقي ، ترى الطبقة الحاكمة اللجوء إلى الإجرام المفتوح كالوسيلة الوحيدة لتأمين مصالحها الاجتماعية والاقتصادية. وما تخشاه أكثر من أي شيء آخر هو نمو المعارضة الشعبية الجماهيرية ، التي سوف ترد عليها بالعنف.

لقد أظهر مقتل قاسم سليماني مرة أخرى أنه لا يوجد فصيل من الحزاب الديمقراطي أو الجمهوري يدافع عن الحقوق الديمقراطية. إن الدفاع عن أهم الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور ، وهزيمة حملة الطبقة الحاكمة للحرب والدكتاتورية ، تتطلب التعبئة الجماهيرية للطبقة العاملة في المعارضة للنظام الرأسمالي الذي تجسده إدارة ترامب.