جورجي فالانتينوفيتش بليخانوف ( 1856- 1918) : موقعه في تاريخ الماركسية

دافيد نورث و فلاديمير فولكوف
١٣ آذار مارس ٢٠٢٠

نُشر هذا المقال في الأصل باللغة الإنجليزية في 5 ديسمبر 2016

"الشر الذي يخلقه الرجال يظل بعد موتهم في حين تدفن الحسنات مع العظام". كان هذا، إلى حد بعيد، حال بليخانوف. ولم يكن مجرد  نتيجة لمزاجية الذاتية للمؤرخين بل نتيجة للسمات المتناقضة لمسيرته الثورية الطويلة ."

إن مكانة بليخانوف السياسية قد بهتت بشكل عميق نتيجة لواقع استسلامه، خلال سنوات حياته الأخيرة،  أمام الشوفينية القومية الأمر الذي خيم بظله على سمعته ضمن اليسار الثوري . فهو استجاب لاندلاع الحرب عام 1914  بالدعوة إلى الدفاع عن روسيا ضد ألمانيا.  وعارض في عام 1917 بشدة ثورة أوكتوبر. لم تكن هاتان الخيانتان من نتائج خطأ مرحلي في الحسابات. ولا نريد المضي بعيداُ إلى حد التأكيد بأن المصير الفردي  لبليخانوف كان محدداً بشكل مسبق – فالناس يقومون دائماً بتحديد خياراتهم- لكن سقوطه سياسياً، مع ذلك، يعكس مصير جيل كامل من الثوريين الذين كانوا، موضوعياً، واقعين تحت وطأة الأزمة العالمية التي اندلعت في أغسطس 1914.

إنه لمن المفهوم أن يسعى المؤرخون وكتاب السيرة الذاتية لاكتشاف "جذور " النهاية الكارثية  لأشخاص مثل بليخانوف  من خلال أخطائهم وزلاتهم المبكرة. ومع ذلك فإن مثل هذه التمارين الضرورية في التشريح الجثة سياسياً يمكن أن تقود إلى تقييمات أحادية الجانب حينما تخضع الحياة للتحقيق و يتم تفسيرها على أساس صراع بين "جانب جيد" وآخر سيء. إن هذه المقاربة تفشل بالإقرار بأن تطور زعيم سياسي لا يمكن أن يفهم بشكل صحيح بوصفه صراعاً بين خواص إيجابية وأخرى سلبية حيث يجهد كل طرف لفرض هيمنته. لكن بدلاً من ذلك،  يجب تفسيرها من خلال  التعامل وفق إطار الظروف الموضوعية، فإن الدلالات العميقة  للعناصر متعددة الواجهات والمتداخلة لشخصية سياسية،  تتكشف بشكل تدرجي . وهنا علينا إضافة أن هذا ينطبق على تيار ثقافي وسياسي. قال ميفيستوفيليس في مسرحية غوتة : "تصبح الحكمة هراءً و اللطف قمعاً". إن ما يبدو ، استناداً إلى مبررات جيدة،  بوصفه صحيحاً ويمثل قوة ً  في مرحلة  من التطور التاريخي  الواحدة  يٌعرض على انه  خاطىء وضعفأً قاتلاً  في مرحلة أخرى. 

إن التحدي الذي تطرحه دراسة حياة بليخانوف  يتمثل في المحافظة على الموضوعية التاريخية الضرورية. ما من شك أنه كان هناك إشارات  واضحة على انحداره السياسي منذ عام 1905 . و لا يجب تفسير هذا بضعف  مفاجىء في قدراته الفكرية  ولا باشتداد قوة الجوانب " السلبية " في شخصيته. إن العامل المهيمن في انحدار بليخانوف كان اندلاع الثورة الروسية الأولى  وتداعياتها .

كان بليخانوف أول منظر ماركسي توقع بروز الطبقة العاملة في روسيا بوصفها قوة اجتماعية ثورية.  وجاء اندلاع ثورة 1905 ليؤكد تقييمه لدور الطبقة العاملة في ثورة ديمقراطية.  لكن الثورة طرحت مسائل  سياسية حرجة  حول العلاقة بين النضال في سبيل الديمقراطية السياسية، والإطاحة  بالطبقة الرأسمالية،  و إقامة الاشتراكية وهي مسائل تتعارض مع عناصر مفتاحية  في المنظور الذي طوره بليخانوف خلال ربع قرن سابق. إن انضمامه إلى منظور سياسي تجاوزته الأحداث حرك صيرورة انحدار طويلة  انتهت بخيانة صريحة.

لكن نهاية بليخانوف لم تلغ إنجازاته كما أن الرفض اللاحق  لعناصر هامة في منظوره لا يعني أنه لا يوجد الكثير من النفع في دراسة كتاباته السياسية اليوم .  وكما هو الحال مع العباقرة ، بغض النظر إن كانوا يعملون في مجال الواقع السياسي ، أو العلم أو الفن فهم يتركون العديد من الجواهر المخبأة لتكتشفها الأجيال اللاحقة. وهذا ينطبق  بالتأكيد على حال بليخانوف. إن هناته وأخطائه معروفة بشكل جيد كما أن دراستها استخدمت بوصفها خطاب تحذيري لأجيال عديدة من  الثوريين . لكن من خلال البحث في أعماله اليوم فإن الماركسيين سيجدون  الكثير من الصلاحية النظرية والسياسية عالية القيمة بالنسبة لإحياء حركة ثورية ضمن الطبقة العاملة العالمية.

إنه لمن المستحيل، من خلال مقال واحد، القيام بتلخيص مناسب لمدى مساهمات بليخانوف في تطوير الماركسية بشكل مبكر والدفاع عنها، لاسيما خلال العقود الثلاثة التي سبقت ثورة 1905. لقد مارست كتابته تأثيراً استنائياً على  تكوين لينين وتروتسكي  نظرياً وسياسياً وعلى جيل من الاشتراكيين الروس الذي قادوا ثورة أكتوبر وأقاموا أول دولة عمالية في التاريخ .

إن موقع بليخانوف بوصفه شخصية تاريخية رئيسية  بحق تحتفظ بمكانتها بفضل القسم الأساسي من كتاباته النظرية  التي شرح فيها ماركس وإنجلز وطور مفاهيمهما. ومن أشهر كتاباته : حول تطور الرؤية المادية للتاريخ ، دور الفرد في التاريخ ، حول الفهم المادي للتاريخ، والمشاكل الجوهرية للماركسية . إن نقد بليخانوف لحدود مادية القرن الثامن عشر الفرنسية وعلاقته بتطوير ماركس وإنجلز لنظرية المادية الدياليكتيكية والتاريخية  ما زال يحتفظ بسطوته.  وكانت معرفته بتاريخ الفلسفة موسوعية. ولا يسع القارئ المعاصر إلا أن يتفاجأ بعدم وجود نص فلسفي رئيسي لم يتمكن بليخانوف من إتقانه.  ومن خلال الرد  على مزاعم التضليل الذاتية من قبل هذا أو ذاك من الأساتذة البرجوازيين الصغار أن تخميناتهم  الفلسفية المرتبكة والانتقائية كانت بالمتصف بالأصالة والعمق، كان بليخانوف يسعد بإظهار أن "اكتشافات" المدعي غير المثقف  المتعجرف  سبق أن تم عرضها  والتعبير عنها بأسلوب أدبي أكثر رقياً إلى حد بعيد في كتاب نشر قبل قرن أو قرنين.

إن كتابات بليخانوف ثرية بمحتواها ومن يكلف نفسه عناء بذل الوقت لقراءتها بتمعن  سيدهش من استمرارية أهمية أفكاره. ففي مقال كتبه عام 1896 وبخ بليخانوف المؤرخ الفرنسي تين  لاستخدامه مصطلح العرق الزائف لتفسير صيرورات تاريخية. كتب بليخانوف : " لا يوجد شيء أسهل عند تجاهل جميع الصعوبات من عزو جميع الظواهر الأكثر تعقيدًا إلى حد ما ، إلى الاستعدادات الموروثة والموروثة.  ومع ذلك ، فان  جماليات التاريخ يمكن أن تعاني فقط من ضرر كبير من هذا. "ومع ذلك ، فان  جماليات التاريخ يمكن أن تعاني فقط من ضرر كبير من هذا. "[1]

لا يوجد شيء أسهل عند تجاهل جميع الصعوبات من عزو جميع الظواهر الأكثر تعقيدًا إلى حد ما ، إلى الاستعدادات الموروثة والموروثة.

وفي تعليق آخر على الموضوع ذاته كتب بليخانوف ساخراً:  "إنه لمن المعروف أن أي عرق ، وبشكل خاص خلال المراحل المبكرة من تطوره الاجتماعي،  يعتبر نفسه الأكثر وسامة  ويولي قيمة كبيرة للجوانب  التي تميزه عن الأعراق الأخرى." [2]  رفض بليخانوف العرق بوصفه فئة صالحة للتحليل التاريخي. "عندما نتناول شعوباً تاريخية  يجب علينا أن نوضح في المقام الأول وقبل كل شيء أن كلمة عرق لا يمكن ولا يجوز استخدامها بشكل عام لوصف الشعوب. نحن لا نعرف أي شعب تاريخي يمكن أن يطلق عليه تسمية عرق صاف؛ فكل شعب من الشعوب هو نتاج عملية طويلة ومكثفة من التزاوج والتداخل بين عناصر إثنية مختلفة". [3]  وكتب بليخانوف مستخدماً كلمات يجب أن ترمى في وجوه أنصار من سياسات الهوية من بين اليسار الزائف وفي الجامعات ممن لا حصر لأعدادهم:

"إن علم الاجتماع سيكسب الكثير في حال تمكنا أخيراً من التخلي عن العادة السيئة التي تربط أي شي يبدو لنا غير مفهوم بالتاريخ الروحي لشعب محدد. قد يكون للسمات العرقية بعض التأثير على  ذلك التاريخ لكن  مثل هذا التأثير الافتراضي كان على الأرجح ضئيلاً بحيث أن مصلحة البحث تقتضي اعتباره مساوياً الصفر، واعتبار أن الجوانب التي تم ملاحظتها في تطور أي شعب هي نتيجة الشروط التاريخية النوعية التي حدث فيها هذا التطور وليس نتيجة تأثير العرق".[4[

وبوصفه أشد المدافعين عن المادية الفلسفية خاض بليخانوف صراعاً مع عدد لا يحصى من مناصري مختلف مدارس المثالية الذاتية. وكان معارضوه الذين كان في عدادهم بعض المثقفين الأوروبيين  المتنورين من بينهم بانيديتو كروس، و فيلهلم فوندت و توماس ماساريك، بشكل عام يخرجون من المواجهة بإصابات عميقة نازفة.  إن دفاع بليخانوف، الذي لا يعرف هوادة، عن المادية جعل منه هدفاً للهجمات حتى يومنا هذا  حيث يتم  بشكل روتيني  وصف وجهات نظره بأنها "تبسيط فظ" للماركسية وللدياليكتيك  وكان هذا رأي واسع الانتشار  في أوساط تيارات اليسار الزائف الخاضع  لهيمنة تأثير التيارات اللاعقلانية والمثالية من بنيوية الكانطية الجديدة والنزعة  الإيجابية  وصولاً إلى مدرسة فرانكفورت  ونزعة ما بعد الحداثة.

وكثيراً ما يتم الادعاء بأن بليخانوف لم يفهم هيجل وأنه لم يعبأ بالمنهج الدياليكتيكي. وهذه الاتهامات منتشرة بشكل خاص بين أتباع مدرسة فرانكفورت  وأتباع ما بعد الحداثة حيث أن كل ما أتبتته انتقاداتهم هو أنهم لم يزعجوا أنفسهم بقراءة بليخانوف وأن فهمهم لهيجل كان ضعيفاً للغاية  ناهيك عن فهمهم ماركس. إن  مقال بليخانوف  الذي كتبه في 1891 في الذكرى الستين لوفاة هيجل هو من أفضل ما تم عرضه حول دلالة المنهج الدياليكتيكي للفيلسوف المثالي العظيم  في تطور الماركسية. وأوضح بليخانوف:

"تكمن أهمية هيجل في العلوم الاجتماعية في المقام الأول والأهم بواقع أنه تعامل مع الظواهر الاجتماعية من نقطة صيرورة التشكل أي من نقطة ظهورها واختفائها". [5[

وعلى الرغم من ضخامة إنجازاته الفكرية في فهم كل الظواهر في الطبيعة والتاريخ والعقل بوصفها صيرورات  لكن عمل هيجل تطور على قاعدة المثالية  وهذا قد أثار غضب الفيلسوف. لاحظ بليخانوف أن "هيجل بدا غير راضياً عن النتائج التي أنجزها وكان عليه في كثير من الأحيان النزول من  قمم المثالية الضبابية  إلى الأرضية الملموسة  المتمثلة  بالعلاقات الاقتصادية ". [6]  إلى أن  قاده جهده الخاص إلى لعثور على طريق يتجاوز المثالية إلى اكتشاف دلالة التطور الاقتصادي الأمر الذي دشن مرحلة جديدة في دراسة وفهم التاريخ.

"لم يكن الانتقال إلى المادية الذي جرى بعد موت هيجل بمثابة عودة بسيطة إلى مادية القرن الثامن عشر الميتافيزيقية الساذجة.  ففي المجال الذي الذي يهمنا هنا، أي تفسير التاريخ،  كان على المادية أن تتحول أولاً وقبل كل شيء إلى الاقتصاد.  إن العمل وفق طريقة مختلفة كان لن يعني تقدماً بل تراجعاً مقارنة بفلسفة هيجل حول التاريخ ".[7[

كان كارل ماركس هو الذي أخضع التاريخ للدراسة على أسس مادية  و قد رأى:

"على غرار هيجل ، فهم ماركس ان تاريخ البشر بوصفه صيرورة  تخضع لقوانين ومستقلة عن عشوائية البشر؛ كما أنه تعاملَّ، مثل هيجل، مع كل ظاهرة في إطار ظهورها ثم اندثارها، وكان حاله حال هيجل  فهو لم يقتنع بالتفسير الميتافيزيقي القاحل للظاهرة التاريخية و في النهاية ، وكما كان حال هيجل، سعى بدوره  لتحديد مصدرعالمي ووحيد  لكل القوى المؤثرة والمتفاعلة المشاركة  في الحياة الاجتماعية .  لكنه لم يجد المصدر في الروح المطلقة   بل في التطور الاقتصادي الذي شهدنا في الفقرات السابقة كيف كان هيجل مجبراً بدوره للجوء إليه عندما بدت المثالية، حتى عندما تقع  بين أيد قوية وموهوبة، بمثابة أداة عاجزة وعديمة النفع. لكن ما توصل إليه هيجل  بالصدفة  أو نتيجة لتخمين لشخص قد يكون أكثر أو أقل منه عبقرية، توصل إليه ماركس نتيجة لبحث علمي صارم".[8[

ادعى  منتقدو بليخانوف أنه أظهر  في كتاباته الخاصة مذهباً وضعياً مبتذلاً التي عكس عدم اهتمامه  بأهمية  المنهج الفلسفي، والعودة  بانتباه إلى كلمات المعلم نفسه هي افضل رد:

"لم يكن أمراً غير هاماً ان يصل اهتمام هيجل إلى هذا الحد في فلسفته بمسألة المنهج أو ان اشتراكيي أوروبا الغربية الحريصون على التفاخر بانتمائهم إلى "هيجل وكانط"، وعلى إيلاء اهتمام أكبر لمنهج دراسة الظاهرة التاريخية من الاهتمام بالبيانات التي استخلصتها تلك الدراسة.  يتم ملاحظة لا محالة وجود خطأ في النتائج  وتصحيحه  من خلال التطبيق الإضافي لمنهج صحيح بينما لا يمكن للنهج الخاطئ ، إلا في حالات نادرة وفردية ، أن يولد نتائج متسقة مع هذه الحقيقة أو تلك الحقيقة الفردية لكن لا يمكن أن يكون هناك موقف جاد لقضايا المنهج إلا في مجتمع يمتلك تعليماً فلسفياً جاداً." [9[

وخلال هجومه دون هوادة على إدوارد برنشتاين  أبرز بليخانوف جهل التحريفي بالأسس المنهجية للماركسية:

"لاحظ السيد برنشتاين أن "أهم عنصر في أساس الماركسية، أي قانونها الجوهري، لذي يتخلل كامل نظامها هو نظريتها التاريخية النوعية التي تحمل اسم المادية التاريخية". وهذا خطأ  ففي الواقع فإن التفسير المادي للتاريخ هو أحد القضايا  التي تميز الماركسية، لكن هذا التفسير يغطي مجرد  قسم من النظرة المادية إلى العالم من وجهة نظر ماركس وإنجلز.  ولهذا يجب أن  يبدأ البحث النقدي في نظاميهما  بنقد للأسس الفلسفية  العامة لنظرتهما إلى العالم.  ونظراً لأن  المنهج هو دون شك روح أي نظام فلسفي فإن أي نقد  للمنهج الدياليكتيكي لدى ماركس وإنجلز  يجب بشكل طبيعي أن يمهد لتحريف  لنظريتهما التاريخية. " [10[

إن كتابات بليخانوف حول الفن والجماليات تظهر فهماً عميقاً  وحساسية تستند إلى معرفة هائلة و هو كان، في آن واحد، تلميذ هيجل وأستاذ تروتسكي في هذا المجال.  وقد ركز على أن الحكم الجمالي  يتطلب معرفة تاريخية وبصيرة اجتماعية. وهو اقتبس مع موافقة مؤكداً كلمات شرنيشفسكي:  "إن تاريخ الفن بمثابة قاعدة لنظرية الفن ...."  [11]  إن الفن العظيم  لايقتصر على أن يكون تعبيراُ عن مشاعر ذاتية  بل هو تعبير عن فكر عميق. " إن  تحليل عمل فني يعني  فهم فكرته  وتقويم شكله.  وعلى الناقد الحكم على كل من المحتوى والشكل؛ ويجب أن يكون في آن واحد خبيراً في الجماليات ومفكراً". [12]   في مقاله الفن والحياة الاجتماعية قدم بليخانوف واحداً من أفضل ما عرض حول العلاقة بين الشكل والمضمون الفني، وكتب منتقداً وجهة نظر الشاعر الرومانطيقي الفرنسي تيوفيل غوتيه الذي شدد على أن جودة عمل فني ما تتحدد عبر شكله:

"لم يكتف غوتيه بالتمسك بفكرة أن الشعر لا يحاول البرهنة على أي شيء، بل أنهلا يحاول حتى أن يقول أي شيء وأن جمال قصيدة ما يتحدد من موسيقاها وإيقاعها. لكن هذا خطأ فادح. بل يجب قول  العكس لأن الأعمال الشعرية والأدبية بشكل عام دائما تقول بدورها شيئاً ما، لأنها تعبر دوماً عن شيء. وبطبيعة الحال لديها طريقتها الخاصة "لقول" الأشياء  فالفنان يعبر عن أفكاره بالصور:  والوكيل الاعلامي يعرض فكره بمساعدة استنتاجات منطقية. وإذا قام كاتب ما بالعمل من خلال  استنتاجات منطقية بدلاُ من الصور، أو إذا اختلق  صور بهدف البرهنة عن موضوع محددعندها  يكف عن أن يكون فناناً ويصبح  مروج دعاية حتى وإن لم يكتب مقالات أو دراسات بل روايات أو قصص أو مسرحيات.  كل هذا صحيح.  لكن لا ينتج عن هذا أن الأفكار لا قيمة لها في الأعمال الأدبية. بل إنني سأذهب أبعد من ذلك وأقول أنه لا يوجد عمل أدبي بالكامل بدون أفكار. وحتى الأعمال التي لا يهتم مؤلفوها إلا بالشكل  ولا يهتمون بالمحتوى لا بد أن تعبر بطريقة أو أخرى عن  بعض الأفكار".[13[

إن مدى نفوذ بليخانوف على علم الجمال الماركسي ظاهر بوضوح في المقال العظيم الذي كتبه قرين تروتسكي في الفكر وشريكه في السلاح ألكسندر فورونسكي الذي كتب بعد العديد من السنوات لاحقاً:

"إن تقييم جمالية عمل ما يعني تحديد مدى توافق المحتوى مع الشكل: وبكلمات أخرى، المدى الذي يتوافق فيه المحتوى مع الحقيقة الفنية الموضوعية.  وفي ما يخص الفنانين الذين يفكرون عبر الصور يجب أن تكون الصورة صحيحة جمالياً وهذا يعني أنه يجب عليها التوافق مع طبيعة ما تصوره. وهنا يكمن الكمال والجمال في عمل الفنان. إن الفكرة الخاطئة و المحتوى الخاطىء لا يمكن  يعثرا على شكل كامل  أي أنهما يعجزان عن تحريك مشاعرنا جمالياً بطريقة  عميقة أو أن "يصلا إلينا".  وإذا قلنا  أن الفكرة غير صحيحة لكن لها شكل جميل فإن هذا يجب أن يفهم  بمعنى ضيق للغاية".[14[

قبل ثورة 1905 التي كشفت عن محدودية  خطيرة في تقييمه للديناميكية الاجتماعية ولنتيجة الصراع الطبقي في روسيا كان موقع بليخانوف بوصفه المنظر المهيمن  داخل حزب العمل الديمقراطي الاجتماعي الروسي أمراً مبتوتاً به. وفي مذكراته الهامة ، لقاءات مع لينين ، تذكر نيكولاي فالانتينوف :  "أثار بليخانوف إعجابه (لينين)  أكثر من أي شخص آخر وأكثر من كاوتكسي وبيبل.  كان شديد الاهتمام ً بأي شيء قاله بليخانوف أو فعله أو كتبه. وكان يعطي أذناً صاغية في كل مرة تتم الإشارة فيها إلى بليخانوف وهو أخبر ليبيشينسكي: "هنا رجل صاحب مكانة هائلة ومن الصحيح أن يكون المرء التواضع في حضوره. [15[

إن نفوذ بليخانوف لم يكن محصوراً في روسيا فهو كان في السنوات الأخيرة من العقد التاسع من القرن التاسع عشر من بين أول من أطلقوا النضال ضد تحريفية برنشتاين المعادية للماركسية. إن فضحه المدمر للأسس الكانطية لانتهازية برنشتاين أجبر الاشتراكية الديمقراطية الألمانية على مواجهة نمو الإنتهازية وسط قيادتها. إن نقده لبرنشتاين – التي تم التعبير عنه في نصوص مثل " برنشتاين والمادية ، ما الذي يبجب علينا شكره عليه؟ و "نافق في مواجهة كانط أو رغبة برنشتاين ووصيته" و "مادية أم كانطية"- هي من روائع الجدال الماركسي التي تتطلب دراستها بعناية.

إن الدور التاريخي لبليخانوف بوصفه "أبو الماركسية الروسية "لا يقتصر فقط على إنجازه النظري الأدبي فهو كان مؤسس الحركة السياسية الثورية للطبقة العاملة الروسية. إن وضع أسس بروز تحرير مجموعة العمل عام 1883 تحت قيادة بليخانوف قد أطلقت صيرورة سياسية توجت بعد 34 سنة باستيلاء الحزب البلشفي  على السلطة في أكتوبر 1917.  وبطبيعة الحال اتسمت الحركة بين 1883 و 1917 بخلافات سياسية عنيفة  نشأت عن التناقضات عميقة الجذور بين تطور روسيا وبين تطور الرأسمالية العالمية. وضمن هذه الصيرورة اتصف دور بليخانوف بالأهمية بعمق وبالتراجيدية بعمق في آن واحد. وهذه حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها تمثلت في واقع أن الرجل الذي وضع الأسس النظرية والسياسية لحركة العمال الثورية في روسيا أنهى حياته بوصفه معارضاً مراً لثورة 1917.

تكتسي دراسة مصير بليخانوف المأساوي أهمية هائلة لفهم تطور نظرية تروتسكي حول الثورة الدائمة، التي وفرت التوجه الاستراتيجي لاستيلاء البلاشفة على السلطة. كانت المسائل الحرجة هي: ما هي العلاقة بين النظرية السياسية التي صاغها بليخانوف خلال طريقه من الشعبوية ( الحركة الناروندية) إلى الماركسية في مطلع العقد الثامن من القرن التاسع عشر ومنظور ثورة أوكتوبر؟ هل هناك أي ارتباط بين نظرية الثورة الدائمة والمفاهيم التي صاغها بليخانوف في سنوات الثمانين من القرن التاسع عشر؟ ألم يكن انتصار البلاشفة عام 1917 المستند على نظرية الثورة الدائمة ، يعني بطريقة أو بأخرى رفضاً كاملاً للتراث السياسي لبليخانوف بأسره؟ وبعد كل شيء أليس من المعروف على نطاق واسع أنه لم يقبل استيلاء البلاشفة على السلطة، وأدانه بوصفه  مغامرة سابقة لأوانها؟

إن هذا التقويم، السلبي الخالص، لشرعية بليخانوف هو أمر خاطىء تماماً ويتعارض مع توصية أعلنها تروتسكي عام 1918 خلال تأبينه لبليخانوف إثر وفاته:

"كان هو الذي أثبت قبل 34 سنة من أكتوبر أن الثورة الروسية لن تنتصر إلا على شكل حركة عمالية ثورية. وقد سعى إلى وضع وجود الحركة الطبقية للبروليتاريا في جذور النضال الثوري للدوائر الأولى من المثقفين". [16]

 إن وصول البلاشفة إلى السلطة في اكتوبر 1917 لم يكن ليصير ممكناً إلا بسبب توجه اجتماعي- سياسي نوعي  يتمثل في نظرية الثورة الدائمة التي بادر ليون تروتسكي إلى صوغها خلال سنوات الثورة الروسية الأولى 1905-1907 والفترة التي تلتها مباشرة. ووفق هذه النظرية، فإن مهام الثورة البورجوازية- الديمقراطية ( إلغاء ما تبقى من الإقطاعية، وإعلان حقوق دستورية متساوية وحرية كل المواطنين، وما إلى ذلك) لا يمكن أن تنجز في عصر الإمبريالية إلا من خلال استيلاء الطبقة العاملة على السلطة، وإقامة ديكتاتورية بروليتارية، وإدخال إجراءات ذات سمات اشتراكية التوجه. 

وفي حين أن نظرية تروتسكي قد صيغت في البداية لتناسب دولة متخلفة نسبياً مثل روسيا، لكنها وفرت توجهاً استراتيجياً لمنظور الثورة الاشتراكية العالمية. وكان بالتحديد تعرف تروتسكي على الدينامية الأممية للصراع الطبقي هو الذي مكنه التنبؤ بأن الثورة الديمقراطية في روسيا ستتخذ طابعاً اشتراكياً تحت تأثير ضغط الاقتصاد العالمي والإمبريالية. إن الإجابة التي قدمها تروتسكي حول مشكلة التطور الاجتماعي الروسي في عصر الإمبريالية العالمية،  مثلت تقدماً هائلاً تجاوز مفاهيم بليخانوف.

ومع ذلك، فإن الإقرار بإسهام تروتسكي الهائل في انتصار الطبقة العاملة الروسية في أكتوبر 1917 لا يتعارض مع واقع أن عمله، من حيث الدلالة التاريخية  كان متجذراً في الجهود الريادية لبليخانوف.

إن قيمة بليخانوف المذهلة بوصفه مفكراً سياسياً تتمثل في واقع أنه تنبأ بالدور الحاسم للطبقة العاملة قبل وقت طويل من بروزها  بوصفها كتلة اجتماعية  تحتل موقعاً خاصاً في الحياة الاقتصادية والسياسية، وفي  ظروف لم تكن الرأسمالية قد خطت إلا خطواتها الأولى في روسيا.

لم يتنبأ أبو الماركسية الروسية  بالإمكانية الموضوعية، أنه في حالة سقوط القيصرية يمكن لروسيا أن تبدأ مباشرة الانتقال إلى الاشتراكية لكن هذا لا يقلل من دلالة عنصر مركزي في منظوره التاريخي وهو فكرته عن هيمنة البروليتاريا في الثورة البورجوازية.

إن "اكتشاف" بليخانوف للطبقة العاملة الروسية والتركيزعلى دورها القيادي في الثورة الديمقراطية تضمن بذور صراعات المستقبل التي لم يكن من الممكن التنبؤ بها في العقد الثامن من القرن التاسع عشر. إن التداعيات السياسية العملية لرؤيته كانت تظهر خلال ثورة 1905، الأمر الذي تطلب تقييماً أكثر دقةً ومختلفاً بصرامة للعلاقة بين المرحلتين الديمقراطية والاشتراكية للثورة عن تلك التي طرحها في البداية. ومع ذلك ودون تغطية مدى الاختلافات الجوهرية بين قيام بليخانوف بالفصل بين الثورتين الديمقراطية والاشتراكية بوصفهما مرحلتين متمايزتين ومنفصلتين في التطور السياسي من جهة، و المنظور الذي طور من قبل تروتسكي من جهة ثانية، يجب على المرء تجنب استنتاج أن نظرية تروتسكي حول الثورة الدائمة  لا تدين بشيء إلى  عمل بليخانوف الرائد على المستويين النظري والسياسي.

من الشعبوية إلى الماركسية

إن صيرورة تطور بليخانوف من الشعبوية إلى الماركسية، والسمة الأصيلة لمفاهيمه السياسية المبكرة، قد تم إعادة تركيبها بجهد مذهل في كماله من قبل الكاتب الماركسي السوفيتي البارز و عضو المعارضة اليسارية ف. تير-فاغانيان ( 1893-1936) خلال بداية العقد الثاني من القرن العشرين، حيث نشر عام 1924 سيرة ذاتية شاملة ، غطت 700 صفحة، ، مكرسة على وجه التحديد لفهم لتطور وجهات نظر بليخانوف الاجتماعية والسياسية. [17[

بدأ تر-فاغانيان عام 1920 بالعمل لدى معهد ماركس وإنجلز، الذي رأسه أحد أهم الباحثين في تاريخ الاشتراكية الديمقراطية الدولية والماركسية في زمانه وهو د.ب.ريازانوف. عمل ريازانوف محرراً في الصحيفة النظرية "تحت لواء الماركسية". 

وإقراراً منه بالاهتمام الذي أظهره تر-فاغانيان بأعمال بليخانوف، أنشأ ريازانوف قسم بليخانوف في المعهد وكلف تر-فاغانيان  بإعداد 24 مجلد تجمع أعمال مؤسس الماركسية الروسية. و كان من ضمن الدراسات التي باشرها تر-فاغيان عمله تحت عنوان "محاولة كتابة سيرة حياة ج. ف.بليخانوف" نشرت عام 1923.  كما تم إعداد نسخة جديدة موسعة من هذا الكتاب في بداية العقد الثالث من القرن العشرين، إنما لم يتم نشرها لأن ستالين تبنى خلال تلك الفترة موقفاً معادياً من بليخانوف. وفي عام 1936 كان تر-فاغيان بين صفوف متهمي محاكمة موسكو الأولى وحكم عليه بالإعدام مع زينوفييف وكامنييف.

وسنعتمد، في الفقرات التالية، على المواد المهمة الموجودة في سيرة تر-فاغيان، وسنحصر أنفسنا  بمسألة انتقال بليخانوف من الشعبوية إلى الماركسية، وكيف صاغ نظريته السياسية في أول كراساته الماركسية تحت عنوان "الاشتراكية والنضال السياسي" الذي صدر عام 1883.

تتمثل الخصوصية الرئيسية للشعبوية الروسية (الناروندية) برفعها الفلاحين إلى مستويات مثالية ومفهومها حول أن كومونات الفلاحين الروس (أوبشينا) ستشكل القاعدة الطبيعية لمجتمع لاطبقي. وتتعارض هده النظرية بشكل مباشر مع الماركسية، التي كانت تعزز في ذلك الوقت نفوذها في أوروبا. صحيح أن الشعبويين تعاملوا مع دروس ماركس باحترام وتعاطف لكنهم اعتبروها  غير قابلة للتطبيق في الظروف السائدة في روسيا.

كما تشكلت رؤية مماثلة تحت التأثير القوي لأفكار المفكر والكاتب الروسي المدهش ألكسندرهرزن ( 1812- 1870) الذي كان، في شبابه من أتباع السان سيمونية، وهي إحدى تيارات الاشتراكية الطوباوية في غرب أوروبا ، حيث برز هرزن في العقد الرابع من القرن التاسع عشر  بوصفه ناشراً رائداً لما سمي "بالنزعة الغربية" التي نظرت إلى تاريخ أوروبا الغربية بوصفه نموذج للمسار التاريخي الذي ستتبعه روسيا.  ومع ذلك،  وبعد هزيمة الثورات البورجوازية الديمقراطية الأوروبية 1848-1850 عانى من أزمة أوصلته إلى نتيجة متشائمة بأن الحضارة الغربية وصلت إلى طريق مسدود، وأن البروليتاريا خضعت لانحطاط  ثقافي. ولاحقاً، طور هرزن بوصفه دعاوياً للرابطة السلافية ومجادلاً عنيداً معارضاً لدروس ماركس، نظرية رجعية حول الدور الفريد للفلاحين الروس بوصفهم القوة القادرة على تجديد المدنية الأوروبية. 

وفي العقد السابع من القرن التاسع عشر، عاشت فئات هامة من جيل الشباب من مثقفي روسيا من الطبقة الوسطى (رازنوشينستي) مرحلة راديكالية النزعة،  وجٌذبت إلى فكرة التحريض على انتفاضة فلاحية ضد القيصر، معتبرينها مقدمة لتحرير مجتمعات قرية الفلاحين من نير القنانة ومن الحكم المطلق ولبناء مجتمع من الكادحين المتساوين والأحرار.

إن واقع أنه --بعد  إلغاء القنانة عام 1861  فإن أحوال  الفلاحين الروس بالكاد تحسنت--شجع هذه التوجهات  حيث ظلت الأرض بين أيدي كبار الملاكين، وعلى الرغم من تحرير الفلاحين لكن لم يتمكنوا من شراء مقتنياتهم إلا بأسعار هائلة وفي ظل ظروف مدمرة أوجدت أعباء لا تحتمل. وعدا عن هذا فإن الإصلاح الزراعي شدد التمايز وسط الكومونة الفلاحية، وأضعف  أسس هذا الشكل المهيمن من تنظيم الفلاحين.

ومما لا يثير الدهشة، شعور الفلاحين  بخيبة الأمل فهم أرادوا امتلاك أرضاً خاصة بهم  اعتبروها  مثل "هبة من الرب" استولى عليها الملاكين بالقوة والخداع. وفي الوقت ذاته مع ذلك، فإن مزاج التمرد لدى الفلاحين الروس، الذين أصبحوا بعد عدة عقود من السنين، القوة المحركة الرئيسية للثورة الروسية، ترافقت مع إيمان متجذر بعمق بالقيصر المحرر طيب النية.

ولهذا السبب فإن المنظور الشعبوي وحملات " الذهاب إلى الشعب" انتهت بفشل تام. كما أن محاولات الإنتلجينسيا الثورية في العقد السابع من القرن التاسع عشر نشر فكرة التمرد بين صفوف الفلاحين لم تعجز فقط عن كسب تأييد جماهيري بل انتهت، ولكن حتى في بعض الحالات، بتسليم الفلاحين من قبل إلى الشرطة القيصرية.

تطورت أزمة داخلية في المنظمة الشعبوية "الأرض والحرية" سرعان ما أدت إلى انشقاق وقع في مؤتمر عقد في فورونيز في صيف 1879.  خلص معظم المنظمة إلى أن الطريق الوحيدة للتغلب على القيصرية كانت بدء حملة إرهاب منهجية ضد أبرز رموز الدولة. ودعا نكولاي موروزوف وليف تيخوميروف، وهما اثنان من الأربعة الذين حرروا صحيفة الشعبوية ، الأرض والحرية، بنشاط تكتيكات " تفكيك النظام" و "حركة الأنصار الجديدة". 

وأعلنوا علانية خلال مؤتمر فورونيز تبنيهما لهذا التكتيك الجديد. ورأى موروزوف في "نهج وليم تل" طريقة لتحقيق حرية الكلمة والتجمع [18]  لكن خلال النقاش أعلن أ.د.ميخائيلوف بشكل غير متوقع: " سنحصل على دستور، وسنقوم بتفكيك الحكومة وإجبارها على القيام بذلك ( تبني دستور)".  ووفق ما جاء في مذكرات أبتكمان، أعلن زليابوف أنه كان من الضروري التخلي الكامل عن الصراع الطبقي الأمر الذي جلب العنصر السياسي إلى واجهة الجدل.[19[

من المهم الإشارة إلى أن إحدى سمات وجهة نظر الشعوبيين للعالم تشمل ربط الصراع الطبقي بالسياسة والثورة الاجتماعية. كان الشعبويون فوضويين، ورأوا، بطريقة لاتاريخية، في أي شكل من الدولة شيطاناً يجب تدميره على الفور. وبرز خلال ذلك الزمن ثلاثة قادة فكريين رئيسيين.

كان في عدادهم بيوتر لافروف (1823- 1900)، الذي طور مفهوم الدور الخاص في الثورة للإنتليجنسيا المتعلمة واشتهر بميله  للنظر إلى العامل" الذاتي" بوصفه حاسماً في التاريخ، وحافظ على علاقات ودية مع ماركس وإنجلز وسعى إلى توحيد المجموعات المختلفة اعتقادا أن هذا مهم، قبل كل شيء، للوحدة ضد العدو المشترك، أي النظام الأوتوقراطي الروسي، بغض النظر عن التباينات الأخرى.

وبالنقابل قاد بيتور تكاشيف (1844-1886) تياراً آخراً ركز على ضرورة الاستيلاء الفوري على السلطة من قبل جماعة ثورية، وروج  فكرة المؤامرة، ومثل نوعاً من البلانكية الروسية.  (مارس إيمان  تكاشيف بالدور الحاسم لمجموعة صغيرة من المتآمرين ورفض النظر إلى الطبقة العاملة  بوصفها قوة ثورية تأثيراً على تشي غيفارا الذي كثيراً ما أشار إلى الناروندية الروسية بوصفها صورة ملهمة للحداثة.(

و أخيرا كان ميخائيل باكونين (1814- 1876) الإيديولوجي الثالث والأوسع نفوذاً في الشعبوية الروسية ونافس ماركس وإنجلز على النفوذ ضمن الأممية الأولى. إن مفهوم باكونين حول الكومونة الفلاحية الروسية بوصفها القاعدة الطبيعية للاشتراكية، وحول الفيدرالية بوصفها شكل محدد لا يستند إلى  مفهوم الدولة التي تنظم "المجتمع الحر"،  وموقفه السلبي تجاه الاشتراكية الديمقراطية الألمانية بوصفها حاملاً لعنصر "حكومي" ،"متسلط" و " ديكتاتوري" شكلت السمات الهامة لرؤية الشعبوية للعالم.

كان جورجي بليخانوف باكونينياً في مرحلته الثورية المبكرة، لكنه وصف الباكونينية لاحقاً  بأنها " شكل خاص لنزعة سلافية فوضوية".

ومع بدء اشتداد التباينات/ اوجه الاختلاف داخل " الأرض والحرية"، برز بليخانوف بوصفه واحد من أبرز معارضي تبني الشعبويين للإرهاب ورفضهم للصراع الطبقي. وكانت النتيجة  بروز جماعة ( إعادة التوزيع السوداء) ، التي حاولت المحافظة على البرنامج الشعبوي القديم.

وفي جميع الأحوال فمن خلال جهود بليخانوف لإثبات رفضه تاكتيكات الإرهاب، و لطرح تفسير لفشل منظور" الذهاب إلى الشعب"، بدأ تدريجياً  بإعادة النظر بالمفاهيم الباكونينية- البلانكية، مدشناً استدارته باتجاه الماركسية.

أمضى بليخانوف شتاء 1878-1879 في سان بطرسبرغ وشهد مستويات الاستياء التي برزت بين الطبقة العاملة في المدن.

إن المقال الذي  كتبه في تلك الفترة حمل عنوان: "قانون التنمية الاقتصادية للمجتمع ومهام الاشتراكية في روسيا"،  يشهد على كيف بدأ بضم البروليتاريا، إلى جانب الفلاحين،  في مفهومه قيد التطور حول الثورة.  [20] في الوقت نفسه ، كما لاحظ تر-فاغانيان " تمسك بفكرة أن ثورة العمال في المدن الكبرى ستكون دعماً لثورة الفلاحين. وهو ظن أن أن الثورة الاجتماعية ستنجز من قبل الفلاحين وأن العمال سيكونون حلفائهم ليس إلا".[21[

وتابع بليخانوف في مقالاته  للعدد الثاني من مجلة (شرني بيريدل) الذي نشر في أغسطس 1880 تكرار الشعارات الشعبوية القديمة.[22]  لكن احترامه للماركسية كان يتطور عندما تابع باهتمام خاص النشاط الأدبي لنيقولاي سيبر (1844-1888) حيث قد شاع سيبر تعاليم ماركس لكنه قام بذلك  "بوصفه حارساً أميناً للعلم وليس بوصفه ثورياً. " [23[ 

وكانت خطوة التقدم المهمة التاية في تطور بليخانوف إقامته في باريس خلال شتاء 1880-1881. والتقى هناك  لافروف، وشاهد مظاهرات العمال، واشترك في لقاءات كبرى خصصت لتكريم قادة كومونة باريس المهاجرين الذين تم العفو عنهم. كما عمل في المكتبة الوطنية وارتاد بانتظام اجتماعات اشتراكيي باريس، وتعرف على أهم أنصار ماركس الفرنسيين جول غيسد وبول لافارج الذين كان لهما "دوراً استثنائياً" في مساعدته والتأثير على فكره النقدي. [24[

إنها تلك الفترة التي كانت الطفرة الحاسمة في تطور بليخانوف من الشعبوية إلى الماركسية. ففي يناير 1881 أجاب على سؤال حول سمة الاشتراكية في رسالة إلى هيئة تحرير مجلة المنظمة الشعبوية وفق التالي:

"الاشتراكية هي التعبير النظري، من وجهة نظر مصالح الجماهير الكادحة، للتعبير عن التعارض والصراع الطبقي في المجتمع القائم. "[25[

ففي هذه الرسالة كف الفلاحون عن أن يكونوا القاعدة الاجتماعية للاشتراكية.  ومن هنا فصاعداً صار بليخانوف ينظر إلى الاشتراكية بوصفها نتيجة " التعارض والصراع الطبقي في المجتمع القائم ( أي المجتمع البورجوازي). علاوة على ذلك كتب بليخانوف :

"إن المهمة العملية التي تترتب على هذا ( الصراع الطبقي)  بالنسبة للنشاط الثوري تتمثل في تنظيم فئات العمال من خلال إرشادها إلى طرق ووسائط تحريرها ... ولكن دون تنظيم القوى، وبدون إيقاظ الوعي والنشاط الذاتي للشعب، فحتى النضال الثوري الأشد بطولة لا يمكن أن يفيد إلا الطبقات العليا أي بالتحديد،  فئات المجتمع المعاصر التي يجب علينا أن نسلح ضدها الفئات الكادحة المحرومة.  إن تحرير الشعب يجب أن يكون من عمل الشعب  أنفسهم. " [26]

كما غير بليخانوف بشكل حاسم موقفه من الفيدرالية، بعد أن صار يرى مركزة الدولة شرطاً مسبقاً مهماً لإعادة هيكلة المجتمع على قاعدة المساواة الاجتماعية.

وتمثلت  نقطة العلام التالية في حركته تجاه الاشتراكية في مقال" النظرية الاقتصادية لكارل رودبرتوس-ياغتزو"، الذي نشر في عدة أعداد من المجلة القانونية الروسية "ملاحظات عن الوطن" ( أوتشيستفيني زابنسكي) في 1882-1883. 

ففي هذا المقال طرح بليخانوف أنه في نظر المؤلفين البورجوازيين فإن كل الناس منقسمين بين أولئك الذين يعترفون بحق العمال في النضال في سبيل تحريرهم وأولئك الذين ينكرون هذا الحق. وكتب:

"إن السعي العملي لواضعي هذه النظريات، وقبل كل شيءبطبيعة الحال، مسألة النشاط السياسي الذاتي للطبقات العاملة، تتصف في نظرهم بأهمية حاسمة. إن الكاتب الذي يعارض تنظيم العمال في حزب سياسي خاص يمكن على الأرجح أن يكسب تعاطف الاقتصاديين البورجوازيين بغض النظر عن المفاهيم النظرية التي يسترشد به". [27]

وهنا، في مطلع 1882، صاغ بليخانوف، بطريقة جلية بشكل مطلق، ضرورة تنظيم العمال في حزب سياسي خاص، مستند إلى أساس طبقي. 

وبالتوازي مع التقدم النظري لبليخانوف المنفي بلغت الجهود الإرهابية  لمنظمة " إرادة الشعب " (ناوردناي فوليا) ذروتها. ففي شهر مارس 1881 نفذت محاولة أخرى لاغتيال القيصر الكسندر الثاني انتهت بمقتله. وهكذا وصل صيت الشعبويين في أعين كل ديمقراطيي أوروبا إلى أعلى نقطته. لكن " النجاح" الباهر للتكتيك الإرهابي تحول إلى بداية نهاية منظمة "إرادة الشعب"حيث أدى القمع الهمجي الذي تلا ذلك إلى القضاء على أفضل الكوادر في صفوفها. إن تفكيك الحكومة، إذا كان فعلاً قد وقع، لم يعش طويلاً وفشل في زعزعة أسس الحكم المطلق الروسي.

فبعد الصدمة العابرة، باشر القيصر الجديد ألكسندر الثالث وحاشيته "حقبة باردة" جديدة في روسيا، وتمكنوا خلال الخمسة عشر سنة التالية من الحفاظ على نظام متعنت قومياً و رجعياً في البلاد. وترافق جو الانحدار الاجتماعي مع نمو التشاؤم والإحباط بين فئات واسعة من الإنتلجنسيا راديكالية التوجه، الأمر الذي شجع الميل بينهم لتبني نظرية إنجاز " أمور صغيرة" وإصلاحات زراعية قليلة الأهمية.

وتركزت جهود بليخانوف في أعقاب اغتيال ألكسندر الثاني على إيضاح مسائل ذات أهمية حاسمة لمستقبل الحركة الثورية الروسية. وقد أظهر بليخانوف شجاعة مادية وفكرية وهائلة من خلال إدانته النظرية للشعبويين.  

وتمثلت آخر جهود بليخانوف النظرية بتأسيس مجموعة " تحرير العمل"في سويسرا في سبتمبر 1883. واستمرت المجموعة حتى انعقاد المؤتمر الثاني لحزب العمل الاجتماعي الديمقراطي الروسي في 1903. وأراد بليخانوف أن تحمل المنظمة اسماً يدل على سمتها الاجتماعية- الديمقراطية. لكنه جوبه بمعارضة أعضاء آخرين وكانت النتيجة التوصل إلى حل توافقي.

كراس "الاشتراكية والنضال الطبقي"

قبل "تأسيس مجموعة " تحرير العمل" نشر بليخانوف كراس "الاشتراكية والصراع السياسي" الذي تضمن، للمرة الأولى، صوغ النقاط الأساسية في برنامجه السياسي، بمفردات ماركسية مميزة.

أتبت هذا العمل أننه كان  حاسماً في تطوير الاشتراكية الروسية وجذب انتباه الاشتراكيين عبر أوروبا. و في لندن التقى بليخانوف  بفريدريك إنجلز الذي أشاد به بوصفه خبيراً في الفلسفة. وتذكر بليخانوف أن إنجلز وافق على اقتراح أن المادية المعاصرة كانت، من حيث الجوهر، سبينوزية، تم تشذيبها من  قصورها وإيصالها إلى اكتمالها المنطقي، وهذه الأطروحة  ستكون ضمن أساس كل نضالات بليخانوف الإضافية في الدفاع عن المادية ضد كل أنواع التشويه والهجمات المثالية.

لم يتمكن  الشعبويون من الحط الكامل من الأهمية الاجتماعية للبروليتاريا المدينية الصاعدة، و أقروا بعد ممانعة بأن العمال مهمين "للثورة". استخدم بليخانوف هذه الجملة ضد الشعبويين ورد عليهم في مقال " خلافاتنا": "ليست هذه، بأي حال، طريقة كلام الديمقراطيين الاجتماعيين؛ وهو كان مقتنعاً أن الوضع لا يتعلق  بأن يكون العمال ضروريون للثورة،  بل بأن الثورة ضرورية للعمال". [28]  إن هذه الجملة تلخص بإيجاز نتائج نضال بليخانوف ضد مفهوم الشعبويين حول ثورة الشعب التي تتجاوز الطبقات. ففي الثورة القادمة ضد الأوتوقراطية، ستحتل الطبقة العاملة دوراً مميزاً ومستقلاً وحاسماً، وستعمل بشكل مستقل واعية لمصالحها وأهدافها الطبقية الخاصة. 

كما أعلن بليخانوف في هذا العمل: 

" يتم نسب الاستنتاج العبثي إلى تعاليم ماركس، بأن على روسيا اتباع نفس مراحل التطور الاقتصادي و التاريخي للغرب." [29[

هذه الجملة وحدها كافية لضحد ادعاءات  منتقدي بليخانوف، الذين افترضوا أنه يريد تطبيق نظرية ماركس بشكل ميكانيكي على روسيا، حيث شدد بليخانوف على :

" ... تم استخدام تاريخ العلاقات الأوروبية الغربية من قبل ماركس فقط بوصفها قاعدة لتاريخ الإنتاج الرأسمالي، الذي ظهر وتطور بالتحديد في ذلك الجزء من العالم.... لم يغب عن نظر مؤلف رأس المال ولا عن نظر صديقه و زميله المشهور الخصوصيات الاقتصادية لأي بلد؛ ولكن بالأحرى سعيا  من خلال هذه الخصوصيات وحدها إلى تفسير كل الحركات الاجتماعية، والسياسية، والفكرية للدولة". [30[

كما أن بليخانوف شرح بشكل خاص أن تعاليم ماركس لم تتجاهل أهمية الكومونة الفلاحية الروسية. واقتبس عن مقدمة الترجمة الروسية لبيان الحزب الشيوعي التي كتبها ماركس وإنجلز في يناير 1882 التي قالا فيها أن الكومونة الفلاحية الروسية  يمكن في ظل ظروف محددة "أن تنتقل مباشرة إلى الشكل الشيوعي الأرفع لملكية الأرض ".

وتابع بليخانوف:

"هذه الظروف هي في رأيهما، وثيقة الصلة بمسار الحركة الثورية في أوروبا الغربية وفي روسيا. وقالا "إذا تحولت الثورة الروسية إلى إشارة لثورة بروليتارية في الغرب، بحيث تكملان بعضهما البعض، فيمكن لشكل ملكية الأرض الشائع في روسيا أن يستخدم نقطة انطلاق لتطور شيوعي". (بيان الحزب الشيوعي، الفقرة الثامنة) ... من الصعب على أي شخص تقريباً ممن يفهم أهمية العلاقات الدولية في الحياة الاقتصادية للمجتمعات المتمدنة المعاصرة إنكار أن تطور الكومونة الفلاحية الروسية إلى "ملكية شيوعية أرفع مستوى" وثيق الارتباط بمصير حركة الطبقة العاملة في الغرب".[31[

وبكلمات أخرى، شدد بليخانوف على أن تحليل تطور روسيا الاجتماعي- السياسي الداخلي كان ممكناً فقط ضمن إطار منظور دولي عام حول الثورة البروليتارية.

وكان لدى منتقدي بليخانوف ادعاء آخر بأنه أقام قواعد مفهومه " بدون أي انتقاد " حول الثورة الروسية على تجربة الثورات البورجوازية – الديمقراطية في غرب أوروبا خلال القرن التاسع عشر. 

لكن بليخانوف لم يستخدم أبداً مثل هذه المقاربة العقيمة حيث كتب:

"إن تاريخ أوروبا الغربية يخبرنا بالشكل الأكثر إقناعاً أنه ما أن يكتسي "الشبح الأحمر" شكلاً مهدداً، حتى يكون الليبراليون جاهزين للسعي إلى البحث عن حماية في أحضان ديكتاتورية عسكرية غير مقيدة إلى أقصى حد." [32[

ومن البديهي أن هذه الكلمات تدل على أن بليخانوف كان مدركًا تمامًا أن تهديد البروليتاريا في روسيا باتخاذ إجراءات ضد الرأسمالية سيدفع البرجوازية الليبرالية إلى اعتناق الحكم المطلق.. وفكر بتجنب مثل هذا المسار، وهو يعززفي الوقت نفسه موقع الطبقة العاملة ضمن إطار النضال في سبيل الديمقراطية، وخلال سعيه للعثور على استجابة مناسبة لوضع متناقض بطبيعته طرح بليخانوف:

"... يجب على أنتليجنتسيانا الاشتراكية الاهتمام بتغيير العلاقات القائمة بين القوى الاجتماعية الروسية لمصلحة الطبقة العاملة حتى خلال المرحلة ما قبل الدستورية، وإلا فإن سقوط الحكم المطلق لن يكون على مستوى الآمال المعقودة عليه من قبل الاشتراكيين الروس بل وحتى الديمقراطيين. إن الحزب الاشتراكي، بعد أن يفوز بحرية التعبير والعمل من اجل الليبرالية البورجوازية يمكن أن يجد نفسه في وضع "استثنائي" مشابه لوضع الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان اليوم...يمكن للاشتراكيين الروس، ويجب عليهم عقد آمالهم في المقام الأول على الطبقة العاملة. إن تقوية الطبقة العاملة- كما هو الحال مع أي طبقة أخرى- يعتمد ، ضمن عوامل أخرى، على وضوح وعيها السياسي، وتماسكها وبمستوى تنظيمها. هذه هي عناصر قوتها التي يجب أن تؤثر عليها الإنتلجنسيا الاشتراكية خاصتنا. وعلى الأخيرة التحول لتكون قائدة الطبقة العاملة في حركة التحرر الوشيكة، وأن تشرح لها مصالحها السياسية والاقتصادية و كذلك عليها شرح تداخل هذه المصالح، وعليها إعدادها للعب دور مستقل في الحياة الاجتماعية في روسيا. وعليها بذل كل طاقتها  بحيث تتمكن الطبقة العاملة من بداية حقبة الحياة الدستورية في روسيا من المضي قدماً بوصفها حزب منفصل لديه برنامج اجتماعي وسياسي محدد. " [33[

وبكتابته أن " الاشتراكيون الروس ...يمكنهم وعليهم عقد آمالهم في المقام الأول على الطبقة العاملة" و أن" الحزب الاشتراكي سيفوز بحرية التعبير والعمل بنيابة البوجوازية الليبرالية"  صاغ بليخانوف نظريته حول هيمنة البروليتاريا ( وحزبها) على النضال ضد القيصرية.

دون الانتقاص من إنجازات بليخانوف النظرية، من الضروري أيضاً الإقرار بأن صياغته طرحت نظرية وجود مرحلتين للثورة.  حيث سيتم في المرحلة الأولى النضال  لإقامة ديمقراطية بورجوازية، أما المرحلة الثانية، التي ستحدث في وقت غير محدد من التطور، فستمضي بالنضال في سبيل حكم العمال والاشتراكية.

لم ير بليخانوف إمكانية قيام البروليتاريا مباشرة  ببناء مجتمع اشتراكي تحت ظروف التخلف الاجتماعي – الاقتصادي في روسيا القيصرية في بداية  العقد الثامن من القرن التاسع عشر. ومع ذلك، سعى الى إجابة على مسألة كيف يجب ان يتصرف حزب العمال في الوضع الذي وضع فيه تطور الثورة الروسية على جدول الأعمال ضرورة الإطاحة بالحكم المطلق في حين ما تزال هيمنة البورجوازي على الحكم قائمة في أوروبا.

طرح بليخانوف جواباً على هذا السؤال يتصف بعمق دياليكتيكي انطلاقاً من وجهة نظر تاريخية ومتوافقة مع الحقيقة الاجتماعية الموضوعية في روسيا ذلك الزمان. ولهذا السبب بالتحديد فإن الإجابة لم تكن نهائية وتضمنت سمات واضحة من التناقض.

شدد بليخانوف على أن على البروليتاريا الروسية  أن تكون القائد السياسي لكل الفئات الاجتماعية الأخرى، بما في ذلك البورجوازية، في النضال ضد الاستبداد. لكنها لن تتمكن من بدء تحقيق برنامجها الطبقي الخاص مباشرة بعد الانتصار على القيصرية.  والسؤال الي ظل مفتوحاً موضوعياً قد لذالك تم تحجيمه على الشكل التالي: هل يمكن تسليم السلطة إلى الديمقراطية في حال كان الحزب البروليتاري منتصراً ضمن الثورة البورجوازية، وماذا يجب أن تكون الآلية الملموسة لهذه العملية؟ 

وعدا عن هذا، إذا سلمت البروليتاريا السلطلة إلى البورجوازية، فما الذي يضمن ألا تخشى الأخيرة خطر "الشبح الأحمر" وأن تسعى للقضاء عليه  وفق مناهح " الديكتاتورية العسكرية غير المقيدة"، بل وحتى إعادة الملكية؟

ونظراً لظروف ذلك الزمن فإن بليخانوف لم يكن قادراً على تقديم إجابة نهائية على هذه الأسئلة. ففي حين ركز على الدور الحاسم للبروليتاريا في السيرورة الثورية،  لكنه لم يعتقد أن بإمكان الثورة التقدم ، بدون فاصل طويل إلى حد ما، الى ما  وراء المرحلة الديمقراطية البورجوازية. إن الانتقال من الثورة الديمقراطية البوجوازية إلى الثورة الاشتراكية سيستغرق عقوداً من السنين. و بدون شك ، من الممكن أن نجد من هذا مصدرمنشفية بالمستقبل. 

وفي مقالة كتبها تروتسكي عام 1939 تحت عنوان " ثلاث منظورات للثورة الروسية"لفت الانتباه إلى القيود التي تكبل منظور بليخانوف:

"لم يكتف بليخانوف بفصل الثورة البورجوازية، بوصفها مهمة، عن الثورة الاشتراكية التي أجلها إلى مستقبل غير محدد، بل هو وضع تصوراً لكل مرحلة تتضمن تركيبين مختلفين تماماً لقوى. وافترض أن الحرية السياسية ستنجز من قبل البروليتاريا بالتحالف مع البورجوازية الليبرالية،  وبعد عدة عقود من السنين وفي خضم مستوى أعلى من التطور الرأسمالي،  ستقوم البروليتاريا بالثورة الاشتراكية ضمن نضال مباشر ضد البورجوازية". [34 [

لم ير بليخانوف إمكانية إمكانية دمج  النضال في سبيل الحرية السياسية مباشرة بالنضال في سبيل الاشتراكية. ولكي في الإنصاف لبليخانوف فإن هذه الإمكانية لم تكن قائمة في العقدين الثامن والتاسع من القرن التاسع عشر. لكن حتى  إن كان قد رفض الربط المباشر بين الثورتين الديمقراطية والاشتراكية لكن بليخانوف أشار إلى أن تحرك البروليتاريا الواعي سيسعى لتسهيل الانتقال، صحيح أن ذلك سيستغرق فترة طويلة من الزمن، من المرحلة الديمقراطية إلى المرحلة الاشتراكية. وصرح بليخانوف في مقال "الاشتراكية و النضال السياسي":

"وعلى هذا فإن النضال في سبيل الحرية السياسية من جهة أولى، وإعداد الطبقة العاملة لدورها المستقل والهجومي القادم من جهة ثانية، هو في نظرنا، " التحديد الممكن الوحيد لمهام الحزب" في الوقت الحاضر. إن ربط مسألتين مختلفتين جوهرياً مثل الإطاحة بالحكم المطلق والثورة الاشتراكية، وخوض نضال ثوري معتقدين أن هذين العاملين في التطور الاجتماعي سيتصادف حدوثهما معاً في تاريخ بلدنا، يعني عرقلة تقدم كليهما. لكن ذلك يعتمد علينا في التقريب بين هذين العنصرين". [35]

من المهم الإشارة إلى أنه على الرغم من تقسيم بليخانوف لمسار الثورة الروسية إلى مرحلتين، لكنه كان يتوق لجعلهما أكثر قرباً من بعضهما البعض بأكبر قدر ممكن. وقد أشار كاتب سيرة بليخانوف، البروفسور الأمريكي صموئيل بارون داعياً للانتباه إلى التناقض الداخلي في موقفه ووفق رأي بارون: 

"كان بليخانوف جاهزاً لاختصار مرحلة التطور الرأسمالية بل وحتى اختصارها. ورأى أن هذا يمكن أن ينجز من خلال تعديل الصيرورة التاريخية من خلال النشاط السياسي للحزب الثوري. وبطبيعة الحال فإن بليخانوف حدد نظرته واستراتيجيته عن نظرة النارودنية على أساس أن النشاط الإرادوي لحزبه الثوري الذي يجب أن ينحصر بمحددات مستوى التطور الاقتصادي القائم. ووفق تقديره فإن التعرف على هذه الحدود فصل الماركسية بعيداً عن مختلف النزعات الطوباوية. فالماركسية تخضع  الإرادة الثورية للصيرورة التاريخية ولقوانينها، الأمر الذي يضمن عقلانية السياسة الثورية الماركسية. وبناء على هذا كله يكون واضحاً من أن نظام بليخانوف تضمن عناصر من كل من الإرادوية والحتمية لكنه لم ينجح في التوفيق بينهما[36] ".

ثابر بليخانوف على التشديد على أهمية الحركة الديمقراطية الاشتراكية في تطوير الوعي الطبقي لدى الطبقة العاملة وإعدادها لعملها الثوري. إن الادعاء بأن تشديد بليخانوف على التاريخ بوصفه صيرورة محكومة بقانون  قاده لبخس قدر الممارسة الثورية هو ادعاء خاطىء من حيث الجوهر حيث حاجج بليخانوف قائلاً "يجب ان نتمكن من تشكيل حزب عمالي في أقرب وقت ممكن لأنها الطريقة الوحيدة لحل كل التناقضات الاقتصادية والسياسية القائمة في روسيا اليوم" [37]. وعلى هذا فإنه اعترف بأن ممارسة الحزب يمكن، في ظل ظروف محددة، التأثير على عملية الانتقال من المرحلة الديمقراطية البورجوازية إلى مرحلة الثورة الاشتراكية واختصارها. 

لكنه لم يكن قادراًعلى قول كيف يمكن أن يتحقق هذا، وفي ظل أي ظروف يجب إنجازذلك. إن الظروف الموضوعية للتطور الاجتماعي-الاقتصادي الروسي، كما فهمها بليخانوف، بدا أنها تفرض حدود لا يمكن تجاوزها في طريق سعي الحزب نحو الاشتراكية. لكن مجرد طرح تلك التناقضات ترك مجالاً لحل  آخر للمسألة التاريخية التي حددها بليخانوف. وقد تم اكتشاف هذا الحل من قبل تروتسكي على أساس تحليل تغير الظروف الموضوعية الذي كشفت عنه ثورة 1905. إن نظرية الثورة الدائمة طرحت استراتيجية لا تكتفي بدمج المرحلتين الديمقراطية والاشتراكية من الثورة بل وشددت ايضاً على  استحالة المرحلة الأولى من دون تبني طرق المرحلة الثانية.

 لا يوجد شك في أن نظرية تروتسكي طرحت تقدماً هائلاً تجاوز منظور بليخانوف ( ويجب التشديد أيضاً على أنها تجاوزت برنامج لينين ذاته السابق لعام 1917 حول الديكتاتورية الديمقراطية للطبقة العاملة وللفلاحين).  وفي جميع الأحوال،  وهنا مكمن عظمة ومأساة حياة بليخانوف، فإن تحديده للدور المركزي للبروليتاريا الروسية في الثورة الديمقراطي وضع أسس لكل التقدم الذي باشره لاحقاً كل من لينين وتروتسكي في مجال الاستراتيجية والتكتيكات الثورية. و قد سبق لبليخانوف التنبؤ بهذا في كلمته أمام المؤتمر التأسيسي للأممية الثانية عام 1889 حينما صعق المندوبين معلناً:  إن الحركة الثورية الروسية ستنتصر بوصفها حركة عمالية وإلا فلن تنتصر ابداً" [38].  ولم يعترف أي اشتراكي أوروبي آخر من قبل  بالدور الثوري الحاسم للبروليتاريا في روسيا المتخلفة.

إن هذه البصيرة العظيمة كونت بالتحديد أساس كل تطور الصراعات اللاحق حول الثورة الاشتراكية في روسيا،  التي توجت بصياغة تروتسكي لنظرية الثورة الدائمة. وهذا سبب تشديد تروتكسي في خطاب تأبين بليخانوف عام 1918 على أن  عمل بليخانوف السياسي والنظري وضع أسس " كل نضالنا الثوري".

وبعد مضي عدة أعوام، في عام 1922،  كان على تروتسكي الرد على هجوم المؤرخ بوكروفيسكي على مفهوم بليخانوف حول بعض جوانب فريدة للتطور التاريخي لروسيا. وكان من المعروف أن فهم تروتسكي الخاص لتطور روسيا تاريخياً تأثر بقوة  بعمل بليخانوف النظري المبكر. ومن خلال مهاجمة بليخانوف، سعى بوكروفسكي، الذي برز كمناصر متحمس لجناح ستالين، لاضعاف قيمة الأسس التاريخية لنظرية تروتسكي حول الثورة الدائمة. ولدعم هذا الهجوم تذكر بوكروفسكي ضعف بليخانوف سياسياً وخيانته اللاحقة للثورة الاشتراكية. لكن تروتسكي رد مدافعاً عن نظريات بليخانوف التاريخية ضد هجوم بوكروفسكي:

"إن ضعف البورجوازية الروسية والطابع الواهم لديمقراطية روسيا البورجوازية مثلت مما لا شك فيه جوانباً هامة في التطور التاريخي لروسيا. لكن وبالتحديد من هذا المنطلق، ونظراً لكل الظروف القائمة الأخرى، برزت الإمكانية التاريخية لاستيلاء البروليتاريا على السلطة وضرورته. صحيح أن بليخانوف لم يصل أبداً إلى هذه الاستنتاج لكنه لم يطرح أبداً استنتاجاً آخر انطلاقاً من مواقفه الصحيحة بدون شك وبالتحديد: إن الحركة الثورية الروسية ستنتصر بوصفها حركة عمالية وإلا فلن تنتصر ابداً". وإذا مزجنا كل ما قاله بليخانوف ضد النارودنيين وضد الماركسيين المبتذلين مع حبه لحزب الكاديت[39]  ومع نزعته الوطنية فلن يبقى شيء من بليخانوف. لكن في الواقع ترك لنا بليخانوف الكثير من الأمور المفيدة ولن يكون هناك ضرر من التعلم منه الآن وتكراراً". [40]

إن دفاعنا عن نظرية الثورة الدائمة واصرارنا على الدور التاريخي لتروتسكي في التحضير لثورة أوكتوبر وفي انتصارها لن يتاثر بتقديرنا لبليخانوف. ونحن نتفق مع تروتسكي بأنه " من غير الضار" دراسة هذا المنظر الماركسي العظيم والتعلم منه لا سيما في هذا الوقت والعصر، حيث انحدرت الحياة الفكرية الى أسوأ أشكال معاداة المادية والعقلانية الفلسفية ، إن كتابات بليخانوف يمكن أن تخدم بوصفها أسلحة جوهرية في النضال  في سبيل فهم علمي  لتطور الصيرورة التاريخية، والقيام على أساس هذا ببعث الوعي الاشتراكي الثوري لدى الطبقة العاملة.  وعدا عن هذا، وفي وقت  يقوم فيه عدد لا يحصى من الرجعيين من ممثلي البورجوازية الصغيرة من اليسار الزائف بكل ما في وسعهم للافتراء على الطبقة العاملة وإنكار دورها الثوري الحاسم، فإن النضال الذي خاضه بليخانوف  لثبت هيمنة الهيمنة الثورية للطبقة العاملة يتصف بأهمية معاصرة هائلة.

و مايزال بليخانوف بعد مرور 160 عام على مولده، وما يقارب قرن كامل على وفاته شخصية رئيسية في تاريخ الفكر الاشتراكي والماركسي. إن تقريظ لينين الأخير لبليخانوف عامن 1922 قد أثبت صحته:

"دعوني أضيف بين هلالين لمصلحة أعضاء الحزب من الشباب بأنكم لا يمكنكم أن تأملوا بأن تصيروا شيوعيين أذكياء حقيقيين دون دراسة، وأعني دراسة، كل كتابات بليخانوف الفلسفية، لأنه لم يُكتب ما هو أفضل منها حول الماركسية في أي مكان في العالم".[41[

Notes:

1. “Essays on the History of Materialism,” in Selected Philosophical Works, Vol. 2 (Moscow: Progress Publishers, 1976), p. 158.

2. “On the Materialist Conception of History,” in Selected Philosophical Works, Vol. 2 (Moscow: Progress Publishers, 1976), p. 235.

3. Ibid., pp. 235–236.

4. Ibid., p. 237.

5. Selected Philosophical Works, Vol. 1 (Moscow: Progress Publishers, 1974), p. 402 [italics added].

6. Ibid., p. 416.

7. Ibid., pp. 416–17.

8. Ibid., p. 422.

9. “Our Differences,” in Selected Philosophical Works, Vol. 1, p. 164.

10. “Cant Against Kant, or Herr Bernstein’s Will and Testament,” in Selected Philosophical Works, Vol. 2, p. 352.

11. “N.G. Chernyshevsky’s Aesthetic Theory,” in Selected Philosophical Works, Vol. 5 (Moscow: Progress Publishers, 1981), p. 223.

12. Ibid., p. 225.

13. Ibid., p. 648.

14. Aleksandr K. Voronsky, Art as the Cognition of Life: Selected Writings 1911–1936, translated and edited by Frederick Choate (Oak Park, MI: Mehring Books, 1998), p. 120.

15. Nikolay Valentinov, Encounters with Lenin (London: Oxford University Press, 1968), pp. 180–81.

16. “In Memory of Plekhanov,” reproduced in The Frankfurt School, Postmodernism and the Politics of the Pseudo-Left, by David North (Oak Park, MI: Mehring Books, 2015), pp. 281–82.

17. Ter-Vaganian: G. V. Plekhanov: An Attempt at a Characterization of his Socio-Political Views, (Moscow 1924).

18. Wilhelm Tell—the legendary popular hero of Switzerland, who supposedly lived from the end of the 13th to the beginning of the 14th centuries, a skilled marksman and fighter for the independence of his country from Austria and the Holy Roman Empire.

19. Ter-Vaganian, pp. 42, 43.

20. G.V. Plekhanov, Sochinenia, edited by D. Ryazanov, Vol. 1 (Moscow, 1922), p. 70.

21. Ter-Vaganian, p. 30.

22. Ibid., p. 53.

23. Ibid., p. 35.

24. Ibid., p. 56.

25. Sochinenia, Vol. 1, p. 134.

26. Ibid.

27. Ibid., p. 220.

28. Selected Philosophical Works, Vol. 1, p. 339.

29. Плеханов Г.В. Избранные философские произведения в пяти томах. Том 1. (М., 1956), с. 72. [G.V. Plekhanov, Selected Philosophical Works, Vol. 1, pp. 68–69].

30. Ibid.

31. Ibid.

32. Ibid., p. 99 [Ibid., p. 94].

33. Ibid., p. 108 [Ibid., p. 102].

34. Writings of Leon Trotsky 1939-40 (New York: Pathfinder Press, 1973), p. 56.

35. Плеханов Г.В. Избранные философские произведения в пяти томах. Том 1., с. 110. [Selected Philosophical Works, Vol. 1, p. 104].

36. Samuel Baron, Plekhanov: The Father of Russian Marxism (Stanford: Stanford University Press, 1963), p. 114.

37. “Our Differences,” Selected Philosophical Works, Vol. 1, p. 346.

38. Ibid., p. 419 [Ibid., p. 400]. We are using here the text of Plekhanov’s speech as it was published in his collected works in the 1920s. (See Vol. 24, Moscow 1927, pp. 319–320). In the five-volume edition of Plekhanov’s Selected Philosophical Works, which came out in the 1950s, this text appears as the “second version” of his speech. Along with this the “first” variant is cited, which is identical in terms of its content.

39. Trotsky is referring here to Plekhanov’s increasingly opportunist advocacy of an alliance with the bourgeois Cadet Party after 1905.

40. Leon Trotsky, 1905, translated by Anya Bostock (New York: Random House, 1971), p. 332.

41. V.I. Lenin, Collected Works, Vol. 32 (Moscow: Progress Publishers, 1977), p. 94.