غضب عارم يندلع في أعقاب انفجار ميناء بيروت

جين شاول
١١ آب أغسطس ٢٠٢٠

نُشر هذا المقال في الأصل باللغة الإنجليزية في 8 أغسطس 2020

إستخدمت القوات الأمنية الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين المناهضين للحكومة بالقرب من مبنى البرلمان في وسط بيروت يوم الخميس ، حيث إندلع الغضب والإحباط من مسؤولية الحكومات المتعاقبة عن الإنفجار الهائل في الميناء.

وكان المتظاهرون يصرخون "ثورة"، وهو الشعار الذي رفعته إحتجاجات أكتوبر/تشرين الأول الماضي والذي طالب بإنهاء التفاوت الإجتماعي، وسوء الإدارة الحكومية، والفساد والنظام السياسي الطائفي الذي فُرِض في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت من عام 1975 إلى عام 89 والتي سلمت البلاد إلى زعماء حرب مختلفين.

أسفر الإنفجار والحرائق في بيروت عن مقتل 157 شخصًا على الأقل وإصابة 5000 آخرين ، من بينهم ما لا يقل عن 1000 يحتاجون إلى العلاج في المستشفيات في نظام الرعاية الصحية المكتظ بالفعل في لبنان ، و 120 هم في حالة حرجة.

ومع إدراج العديد من الضحايا في قائمة المفقودين على وسائل التواصل الإجتماعي ، فإن عدد الضحايا سيزداد مع قيام عمال الإنقاذ وأفراد الأسرة بالتنقيب بين أنقاض عشرات الآلاف من المباني التي دمرت أو تضررت.

وتشرد حوالي 300 ألف شخص ، أي 12 في المائة من سكان المدينة ، من جراء قوة الإنفجار التي دمرت المباني وحطمت النوافذ ، وأشعلت الحرائق ، تاركة الكثير من بيروت وكأنها ساحة حرب. وقدر مسؤولون الخسائر بنحو 10 إلى 15 مليار دولار.

والنتيجة المأساوية هي إدانة للنخبة الحاكمة بأكملها التي أثرت نفسها على حساب العمال اللبنانيين على مدى عقود ، وحولت بيروت إلى ساحة لعب لأصحاب الملايين والمليارات في المنطقة.

وازدادت الاحتجاجات مع خروج الآلاف إلى الشوارع أمس ، مع تخطيط مسيرات حاشدة اليوم ضد حكومة رئيس الوزراء حسان دياب ، التي وصلت إلى السلطة في وقت سابق من هذا العام بعد احتجاجات استمرت شهورًا أطاحت بحكومة سعد الحريري.

بعد أن كان أستاذ هندسة سابق في الجامعة الأمريكية في بيروت بدون انتماءات سياسية ، تم تعيين دياب لرئاسة حكومة "تكنوقراطية" في محاولة لوقف الاحتجاجات ، بعد سلسلة طويلة من وجود أصحاب المليارديرات وأسلاف السلالات الحاكمة في لبنان في السنوات الأخيرة. وهو أيضا لم يكن قادرًا على حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الطويلة الأمد في البلاد ، فقد تخلف عن سداد سندات دولية بقيمة 1.2 مليار دولار في مارس ويسعى الآن للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي.

اجتاحت انفجارات الثلاثاء المأساوية منطقة ميناء بيروت والمناطق السكنية الواقعة شرق المدينة. يبدو أن الانفجار الهائل ، الذي بلغت قوته خُمس قوة الانفجار الذي أنتجته القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما قبل 75 عامًا ، نتج عن أعمال اللحام في حظيرة مستودع مجاور للأحياء السكنية. كان مستودع التخزين يخزن 2750 طنًا من نترات الأمونيوم شديدة الانفجار لسنوات ، من دون ضوابط سلامة مناسبة.

وقد تم تخزين المادة الكيماوية القوية ، المستخدمة كمتفجرات للألغام وفي إنتاج الأسمدة ، هناك منذ أن احتجزت السلطات سفينة معيبة كانت تنقل الشحنة من جورجيا إلى موزامبيق بعد هروب مالكها ، على الرغم من الأوامر بإزالتها والتحذيرات المتكررة بشأن الخطر. أسفر انفجار مماثل في ميناء تيانجين الصيني في عام 2015 عن مقتل 173 شخصًا وإصابة مئات آخرين.

قالت الحكومة إن 16 مسؤولاً على علم بنترات الأمونيوم ، بما في ذلك مسؤولي الجمارك والموانئ والقضاة والوزراء السابقين ، كانوا رهن الإقامة الجبرية و / أو يخضعون لحظر السفر ، لكنها لم تكشف عن أسمائهم. أفادت الأنباء أن المصرف المركزي جمد حسابات عائدة لرئيس ميناء بيروت ومدير الجمارك اللبنانية وخمسة مسؤولين آخرين.

ولقد فتح الرئيس ميشال عون تحقيقا في الإنفجار ، حيث سيبحث ما إذا كان "التدخل الخارجي" بالإضافة إلى الإهمال، إلى أن يتم رفع التقرير في غضون أربعة أيام. كانت هذه إيماءة في إتجاه أولئك الذين سعوا إلى عزو الإنفجار إلى جماعة حزب الله الدينية البرجوازية المدعومة من إيران ،والتي كان لبنان معها في حالة حرب منذ عقود، قائلين إن المستودع كان مكبًا للمتفجرات للجماعة التي دفعت إسرائيل إلى شن غارة جوية.

لم تفعل أي من هذه الإجراءات أي شيء لطمأنة الجمهور. فقد إشتد الغضب ضد النخبة السياسية حيث لم تعلن الحكومة عن أي إجراءات لمساعدة الثكلى أو المشردين. وهكذا فالثقة معدومة في كل السياسيين والمؤسسات الرسمية بحيث دعت منظمات الإغاثية في لبنان الأفراد والحكومات على حد سواء إلى التبرع مباشرة من خلالها لتجاوز السياسيين الفاسدين.

لم يقم أي وزير بزيارة المناطق المنكوبة ، ناهيك عن مواساة العائلات الثكلى والمشردة ، خوفا على حياتهم بلا شك. وتعرض السياسيون الذين ظهروا علانية ، بمن فيهم رئيس الوزراء السابق سعد الحريري ووزيرة العدل ماري كلود نجم ، لصيحات استهجان. قال متظاهرون غاضبون للحريري: "لا تفكر حتى في العودة إلى السلطة" ، بينما ألقوا الماء على  نجم  .

سيكون للأضرار التي لحقت بالميناء ، وهو أحد أكثر الموانئ ازدحامًا في شرق البحر الأبيض المتوسط والتي تتعامل مع 60 في المائة من واردات البلاد ، عواقب وخيمة على لبنان ، مما يتسبب في نقص المواد الأساسية مثل الغذاء والوقود والإمدادات الطبية. كما أدى الحريق إلى إتلاف أو تدمير محطة الحبوب والصوامع التي تحتوي عادة على 85 في المائة من الحبوب في البلاد ، مع احتمال التسبب في نقص هائل في الغذاء.

لكن التداعيات إمتدت إلى أبعد من لبنان. بيروت هي أيضًا ميناء دخول المواد الغذائية والسلع الأساسية المتجهة إلى سوريا ، والتي تنقل البضائع براً إلى الأردن ، في ظل ظروف تكون فيها موانئ إسرائيل محظورة على كل من لبنان وسوريا ، وميناء طرابلس الشمالي أصغر من أن يحل محل بيروت.

فقد كانت البلاد التي يبلغ تعداد سكانها ستة ملايين نسمة، بما في ذلك مليونين من اللاجئين، تعاني بالفعل من آثار أسوأ أزمة اقتصادية ومالية تشهدها البلاد على الإطلاق ـ بالإضافة إلى عملة فقدت 80 في المئة من قيمتها في الأسابيع الأخيرة، التّضخّم الشديد، ومضاعفة أسعار الغذاء، وخسارة الوظائف والفقر الواسع الإنتشار والمتوسّع بإستمرار، وقد تفاقمت جميعها بسبب وباء الفيروس التاجي.

وزار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، الخميس ، البلاد وهو أول شخصية دولية تقوم بذلك. هذا الممثل للقوة الإستعمارية السابقة في لبنان وسوريا ولقمع إحتجاجات "السترات الصفراء" التي إستمرت لمدة عام في فرنسا سار في حي الجميزة التاريخي ، مسكن المواطنين اللبنانيين الأثرياء المسيحيين والسنة.

كانت مهمته ، ظاهريًا لتقديم المساعدة ، وفي الواقع لضمان تدخل النخبة اللبنانية لتنظيم ثورة مضادة ضد الطبقة العاملة وهندسة القضاء على حزب الله، جماعة رجال الدين البرجوازية المدعومة من إيران كقوة سياسية وعسكرية في لبنان وسوريا.

ونقل تقرير في صحيفة "هآرتس" عن أولئك الذين إستقبلوا ماكرون بحماس قوله: سيدي الرئيس ، أنت في شارع الجنرال غورو ، لقد حررنا من العثمانيين. حررونا من السلطات الحالية ". صاح آخرون ، "السيد. ماكرون ، حررونا من حزب الله "، حصلت عريضة تطالب بوضع لبنان تحت الإنتداب الفرنسي على 55000 توقيع في غضون 24 ساعة.

وكان وعد ماكرون بتقديم مساعدات دولية عاجلة مشروطاً بالمطالبة "بالإصلاح السياسي الجذري" بهدف توجيه الغضب المشروع من العمال اللبنانيين خلف العملاء المحليين للإمبريالية الفرنسية  . وزعم أنه "لن يتدخل أبدًا في السياسة اللبنانية" ، بل يسعى إلى "صفقة سياسية جديدة" من قادة البلاد ، ويضغط بشدة من أجل التغيير ، وقال: "سأحاسبهم".

هناك خطر حقيقي يتمثل في أنه في حالة غياب قيادة ثورية تقدم منظورًا لتوحيد الطبقة العاملة ، فإن الإحتجاجات المعارضة في البداية للسياسات الطائفية وعدم المساواة الإجتماعية سوف يتم تحويلها مرة أخرى على أسس رجعية كما حدث في مصر في 2011-2013.

إن مطالب جماهير العمال والشباب اللبنانيين ، مثل مطالب العمال الذين إنتفضوا في جميع أنحاء المنطقة ، في أوروبا والولايات المتحدة وأماكن أخرى ، تتعارض تمامًا مع مطالب قادتهم السياسيين. لا يمكن حلها خارج نضال الطبقة العاملة اللبنانية إلى جانب إخوتهم وأخواتهم الطبقيين دوليًا من أجل الإطاحة بالرأسمالية وبناء الإشتراكية في الشرق الأوسط وعلى الصعيد العالمي.