العربية
Perspective

من المسؤول عن العنف في إسرائيل وغزة؟

[AP Photo/Rahmez Mahmoud]

تم حشد الحكومات ووسائل الإعلام في جميع البلدان الإمبريالية للقيام بعملية دعائية واسعة النطاق لتسميم الرأي العام حول الانتفاضة الشعبية المستمرة ضد الاحتلال الإسرائيلي في غزة ولتبرير القتل الانتقامي للفلسطينيين الذي يعده النظام الإسرائيلي اليميني المتطرف.

تم تحديد اللهجة من قبل الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي أعلن يوم السبت بعد مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن 'دعمه لأمن إسرائيل ثابت ودائم' وأدان 'لهجوم المروع ضد إسرائيل من قبل إرهابيي حماس من غزة'.  وأعقب ذلك ما يشبه نداء الأسماء لكامل الشخصيات التي تشكل المؤسسة السياسية الأمريكية، الذين اصطفوا خلال عطلة نهاية الأسبوع للظهور وإصدار بيانات تدين 'الإرهابيين' و'الهجوم على إسرائيل'، معربين في الوقت نفسه عن موقفهم وعن  'الرعب' و'الغضب' إزاء التقارير عن مقتل مدنيين إسرائيليين.

وتكررت مشاهد مماثلة في جميع العواصم الإمبريالية، حيث تم عرض العلم الوطني الإسرائيلي على المعالم العامة. وسرعان ما وُصف أي غموض أو تردد في اتباع هذا الخط بأنه 'معاداة السامية' أو يرقى إلى مستوى 'دعم الإرهاب'.

ليس هناك من ينكر أنه، خاصة في الساعات الأولى من الهروب من غزة، كانت هناك خسائر كبيرة في صفوف المدنيين الإسرائيليين، ولا شك أن العديد منهم لا يتحملون أي مسؤولية فردية عن قمع الفلسطينيين. هناك عنصر من المأساة في مصير العديد من هؤلاء الأشخاص، الذين وجدوا أنفسهم ببساطة في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. أما المقاتلين من غزة، الذين قاسوا من الفظائع التي عاشوها طوال حياتهم في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وتقبلوا أنهم لن يعودوا إلى غزة أحياء، فقد انتقموا من الإسرائيليين الأوائل الذين عثروا عليهم، بما في ذلك أولئك الذين نظموا حفلة رقص على مشارف ما ينحدر إلى مستوى معسكر تجميع.

لكن السؤال الذي يجب طرحه: من يتحمل المسؤولية النهائية عن مصرعهم؟ يجب إلقاء اللوم في هذه المآسي في مكانه الصحيح إذ يجب  في المقام الأول، إلقاء اللوم على نظام الفصل العنصري الإسرائيلي الإجرامي وداعميه الأمريكيين، بالإضافة إلى المشروع الصهيوني الرجعي المتمثل في إنشاء دولة يهودية حصرية من خلال طرد الفلسطينيين وحصرهم في مجموعة تتقلص باستمرار من السجون المفتوحة والغيتوهات .

إن الإدانات  بالإجماع لـ 'إرهاب' و'عنف' الانتفاضة من قبل القوى الإمبريالية هي نفاق إلى أقصى الحدود. ولم يتم إطلاق أي تعبير رسمي عن 'الرعب' و'الغضب' على نطاق مماثل نيابة عن ضحايا العنف والإرهاب الأكثر عدداً بين الفلسطينيين.

وبينما قدم كاتبي خطابات بايدن 'صلواته' يوم السبت من أجل 'جميع العائلات التي تضررت من هذا العنف'، فإن بايدن هو نفسه مجرم حرب وليس غريباً على العنف. ففي عام 2003، صوت في مجلس الشيوخ لصالح الغزو والاحتلال غير القانوني للعراق، مما أدى إلى مقتل أكثر من مليون شخص.

وخلافاً للصورة الرسمية المقلوبة للأحداث، التي بموجبها الفلسطينيون هم المعتدون ودولة إسرائيل هي الضحية، فإن اضطهاد الجماهير الفلسطينية من قبل الإمبريالية هو صراع من جانب واحد تماماً، حيث قامت  الحكومة الإسرائيلية، المسلحة حتى الأسنان من قبل القوى الإمبريالية، بإخماد كل أشكال المقاومة بهمجية على مدى ثلاثة أرباع قرن . فعلى سبيل المثال، في القصف الجوي الذي استمر ثلاثة أسابيع على غزة في الفترة 2008-2009، و أدى إلى مقتل مئات الأشخاص، تجاوزت الخسائر الفلسطينية الخسائر الإسرائيلية بنسبة 100 إلى 1.

لقد تحول الفلسطينيون في الضفة الغربية إلى العيش في مئات من الغيتوهات المعزولة  المحاطة بمئات من نقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية، في حين تحولت غزة نفسها إلى سجن عملاق في الهواء الطلق إذ لا تتجاوز مساحة  قطاع غزة، بضعة أميال مربعة  وهو تحت رحمة الحكومة الإسرائيلية  لكل ضرورة، حيث هناك أكثر من مليوني فلسطيني محتجزين في هذا السجن المفتوح في بعض من أكثر الظروف اكتظاظاً بالسكان والأشد بؤساً على وجه الأرض. و في هذا السياق، فإن الانتفاضة التي اندلعت في غزة خلال عطلة نهاية الأسبوع هي أقرب إلى الهروب من السجن منها إلى 'هجوم'، وهي مجرد فصل أحدث في ملحمة طويلة.

وبينما تدوي العواصم الإمبريالية بإدانات منافقة لـ 'العنف' و'الإرهاب'، فإن هجمة انتقامية لترويع سكان غزة بدأت تتكشف بالفعل.

فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت عن فرض 'حصار كامل على غزة'، مستخدماً لغة كشفت بشكل كامل طبيعة نظامه والإيديولوجية الكامنة وراءه. وقال غالانت: “لن يكون هناك كهرباء ولا طعام ولا ماء ولا وقود، كل شيء سيكون مغلقاً”. 'نحن نقاتل حيوانات بشرية ونتصرف وفقاً لذلك.'

وأعلنت سفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، المرشحة للترشح للانتخابات التمهيدية للرئاسة عن الحزب الجمهوري، أن الانتفاضة 'لم تكن مجرد هجوم على إسرائيل' بل 'هجوم على أمريكا'، وطالبت نتنياهو مباشرة 'بإنهائها'. في حين أعلن نتنياهو من جانبه أمس بشكل مشؤوم أن 'ما سنفعله بأعدائنا في الأيام القليلة المقبلة سوف يتردد صداه لأجيال عديدة'.

يكمن وراء كل هذا النفاق الإمبريالي الشرس الموقف الطبقي الأساسي للمضطهدين تجاه أي مقاومة يقوم بها المضطهدون، سواء كانت في غزة أو في أي مكان آخر. ويقولون: 'نحن، الظالمون، أحرار في استخدام القوة عندما نقرر أن ذلك يخدم مصالحنا'. 'يمكننا أن نقصفكم بشكل عشوائي، يمكننا أن نحاصركم ونجوعكم، يمكننا أن نسرقكم ونسجنكم ونضغط  على رقابكم، لكن القوة هي  حقنا الحصري ونحن نحتكرها ، ولا يجوز لكم، أيها المظلومون، تحت أي ظرف من الظروف استخدام القوة رداً على ذلك”. وهذا الموقف الطبقي هو الذي يحرك الاستخدام المتكرر لكلمة 'إرهابي' لوصف كل من يحمل السلاح ضد الاحتلال.

وللتأكيد على درجة النفاق، تجدر الإشارة إلى أنه في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز في أغسطس من العام الماضي، احتفل المراسل أندرو كرامر بالعمل الإرهابي الأوكراني 'خلف خطوط العدو، قال  الأوكرانيون للروس: أنتم لستم آمنين أبداً'،ثمة  خلايا تنفذ عمليات اغتيالات بسيارات مفخخة خلف الخطوط الروسية: “إنهم يتسللون إلى الأزقة المظلمة لزرع المتفجرات. وهي التي تحدد الأهداف الروسية للمدفعية الأوكرانية والصواريخ بعيدة المدى التي تقدمها الولايات المتحدة. إنهم يفجرون خطوط السكك الحديدية ويغتالون المسؤولين الذين يعتبرونهم متعاونين مع الروس”. مثل هذه الأساليب مسموحة لوكلاء الإمبريالية الأمريكية، ولكن ليس لأولئك الذين يقاومونها.

ففي عام 1831، اندلعت انتفاضة العبيد بقيادة نات تورنر في مقاطعة ساوثهامبتون، فيرجينيا. استخدم العبيد الهاربون السكاكين والفؤوس والهراوات لذبح العشرات من الرجال والنساء والأطفال البيض. تم قمع التمرد بهمجية  أكثر تطرفاً، حيث قامت الميليشيات المتجولة والغوغاء بقتل أي سود وقعت عليه أنظارهم بغض النظر عما إذا كان متورط في التمرد أم لا. تم  سلخ جسد تورنر وتحول جلده إلى حقائب تذكارية.

إن أي مؤرخ موضوعي، مع الاستفادة من الإدراك المتأخر، من شأنه أن يلقي اللوم عن العنف المروع لمثل هذه الانتفاضات، ليس على العبيد، بل على نظام العبيد نفسه، بكل همجيته الهائلة. إن إدانة انتفاضة تيرنر على أساس أنها كانت 'عنيفة' سيكون بمثابة نفاق وغير تاريخي، وسيكون بمثابة تبرير  غير مباشر للاستعباد .

كتب ليون تروتسكي في عام 1938: ' لا يتساوى مالك العبيد الذي يقيد عبداً مربوط بالسلاسل من خلال المكر والعنف، مع العبد الذي يكسر القيود من خلال المكر والعنف أمام محكمة الأخلاق!'

من جانبه، أعرب لينكولن، في خطاب تنصيبه الثاني في خضم الحرب الأهلية، عن فكرة مفادها أن العنف الهائل الذي ابتليت به البلاد كان بمثابة الحساب التاريخي الحتمي لمؤسسة العبودية، الأمر الذي تطلب 'كل قطرة دم' من رسم بالسوط يُدفع لمن رسم بالسيف'.

وعلى المنوال نفسه، فإن القمع الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية الآن ضد سكان غزة لا يختلف جوهرياً عن ذلك الذي استخدمته بريطانيا ضد تمرد الماو ماو في كينيا، أو الذي استخدمته فرنسا في حرب الاستقلال الجزائرية، أو ضد مواطني جنوب إفريقيا الذين كافحوا لام ضد نظام الفصل العنصري، أو من قبل الجيش الأمريكي ضد المقاومة الشعبية لاحتلاله للعراق. وكما هي الحال دائماً، فإن النخب السياسية بين المضطهدين تستنكر المقاومة المسلحة باعتبارها إرهاباً، ثم تشرع في تنفيذ أعمال انتقامية بلا رحمة أشد تدميراً بألف مرة.

وفي انحراف نادر عن الطوفان الدعائي، أجرى فريد زكريا مقابلة مع زعيم المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي على قناة سي إن إن أمس، سُمح له فيها بتوضيح أن المقاومة المسلحة هي النتيجة الحتمية لرفض حكومة إسرائيل الاعتراف بأي شكل آخر من أشكال المعارضة من قبل الفلسطينيين بوصفه مشروعاً وقال: 'إذا كنا نناضل بشكل عسكري، فنحن إرهابيون. إذا كنا نناضل بطريقة غير عنيفة، فإننا نوصف بالعنف. وإذا قاومنا حتى بالكلمات، فسيتم وصفنا بالمستفزين'.

وفي الواقع، كان هناك في فترة 2018-2019، احتجاجات حاشدة في غزة تحت شعار مسيرة العودة الكبرى، للمطالبة بالحق في العودة إلى المنازل التي طُرد منها الفلسطينيون خلال حربي 1948-1949 و1967. رد الجيش الإسرائيلي على هذه الاحتجاجات بإطلاق النار على المتظاهرين الفلسطينيين عندما اقتربوا من الجدران والأسيجة التي تحيط بهم داخل قطاع غزة. قُتل ما لا يقل عن 223 فلسطينياً، وجُرح أكثر من 9200 شخص، ولا يكاد أي من تلك الشخصيات التي تبشر الفلسطينيين الآن بالأخلاق لم تغمض لها جفن.

في الواقع، هناك معارضة عميقة داخل الطبقة العاملة داخل إسرائيل نفسها لنظام نتنياهو الإجرامي، الذي سيُنظر إليه على أنه المحرض الرئيسي على هذا الانفجار الدموي الجديد للعنف. وقد تم التعبير عن هذه المعارضة بالفعل في احتجاجات حاشدة وإضراب عام في وقت سابق من هذا العام اعتراضاً على جهود النظام لمنح نفسه صلاحيات لا يمكن تحديها أو إعادة النظر فيها قانونياً.

لكن الشكل العنيف الذي اتخذته الانتفاضة في غزة  يرتبط بغياب قيادة يسارية واشتراكية حقيقية ومبدئية داخل إسرائيل نفسها. وفي الاحتجاجات الحاشدة التي اندلعت في وقت سابق من هذا العام، ظل القادة الذين نصبوا أنفسهم مدافعين عن الدولة الصهيونية وتجنبوا بدقة أي تحول نحو نضالات الجماهير الفلسطينية، التي كان من الممكن أن تكون حلفاء طبيعيين.

إن الحملة الدعائية الضخمة الجارية الآن لإرغام السكان على قبول الخط الرسمي تعكس الخوف من أن مئات الملايين من الناس في مختلف أنحاء العالم لن يميلوا إلى قبول هذا الخط، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة وإسرائيل ذاتها. وقد جرت بالفعل مظاهرات عفوية لدعم الانتفاضة الفلسطينية في جميع أنحاء العالم.

ومهما كانت التحديات والعقبات الكبيرة التي تعترض تنفيذ هذه الاستراتيجية، فإن الطريق الوحيد لمستقبل سلمي والطريقة الوحيدة لتصفية الحسابات مع النظام الصهيوني هي من خلال وحدة العمال الإسرائيليين والفلسطينيين، الذين يجب عليهم معاً معارضة الهجوم الدموي على غزة، وأسقطوا نظام نتنياهو واتحدوا معًا في النضال من أجل مجتمع اشتراكي موحد!ِ

Loading