عقد الحزب الشيوعي التركي الستاليني (TKP) تجمعاً جماهيرياً بعنوان 'الحزب الشيوعي التركي الستاليني يتحدى!' في مركز المؤتمرات في أنقرة يوم الأحد 1 فبراير. امتلأت القاعة التي تتسع لـ 3000 شخص، بينما تابع المئات الحدث عبر الشاشات خارج القاعة.
عكست المشاركة الواسعة للشباب والعمال مطالبتهم ببديل يساري للسياسات الرأسمالية اليمينية التي يمثلها حزب الشعب الجمهوري الكمالي وحزب المساواة والديمقراطية الكردي القومي، اللذان يحظيان بتأييد واسع من مختلف التيارات السياسية في الطبقة الوسطى. ولعب الخطاب السياسي 'المناهض للإمبريالية' و'المستقل' للحزب الشيوعي التركي دوراً في ذلك. لذا، ينبغي إخضاع القضايا الجوهرية التي أثارها هذا الحدث للنقد الماركسي، ومعالجة الأوهام السياسية المتعلقة بالحزب الشيوعي التركي بجدية.
بدأ الحدث بترديد نشيد الأممية، تلاه عرض موجز لتاريخ الحزب الشيوعي التركي. قال أيدمير غولر، العضو البارز في الحزب، عن تأسيس الحزب الشيوعي التركي في باكو كفرع تركي للأممية الشيوعية عام 1920، عندما كانت تركيا تحت الاحتلال الإمبريالي ووكلائه بعد الحرب العالمية الأولى: 'أثبتت ثورة أكتوبر العظمى عام 1917 أن الاشتراكية قادرة على تولي السلطة، لتحل محل عجز الاشتراكية الديمقراطية التي أُغرقت في الفوضى جراء اندلاع حرب التقسيم (الحرب العالمية الأولى)، وعجزت عن مواجهة الأزمة'.
وتابع: 'أزاح البلاشفة روسيا من قائمة القوى المحتلة التي قسمت الأناضول. وكشفوا الاتفاقيات والخطط السرية للإمبرياليين، ثم تخلصوا منها نهائياً. كانت البلشفية عوناً في كل ركن من أركان الأناضول'.
على الرغم من أن غولر لم يذكر أسماءً، إلا أن اتفاقية سايكس-بيكو السرية لعام 1916، التي سعت فيها القوى الإمبريالية إلى تقسيم الأراضي العثمانية وفضحها ليون تروتسكي، القائد المشارك لثورة أكتوبر إلى جانب فلاديمير لينين والمفوض الشعبي السوفيتي للشؤون الخارجية آنذاك.
ثم أضاف غولر:
تأسس الحزب الشيوعي التركي بطموح كبير عند مفترق طرق انهارت فيه البرامج والأطروحات والأحزاب القديمة. عند هذا المفترق، تزامنت الكفاحات الوطنية في أنقرة مع تأكيد مصطفى صبحي (زعيم الحزب الشيوعي التركي) ورفاقه على أن التحرر الوطني سيتحقق من خلال التحرر الاجتماعي.
طابقت مصالح روسيا السوفيتية، بوصفها أول قوة عمالية، مع مصالح المقاومة الوطنية ضد الإمبريالية (في تركيا). أنقذ هذا التطابق السلطة البلشفية في (روسيا)، حيث كانت الحرب الأهلية، التي كانت في جوهرها هجومًا إمبريالياً، مستعرة. كما منح هذا التطابق تركيا، التي كانت الإمبريالية تسعى لخنقها، مستقبلاً جديداً.
وفي حين عُدت تلك التقييمات صحيحة عموماً، لكنها أثارت تساؤلات حول سبب تحوّل الحزب الشيوعي التركي تدريجياً إلى داعم 'يساري' للنظام الكمالي الوطني البرجوازي الجديد بعد انتصار حرب التحرير الوطني عام 1922 وتأسيس الجمهورية عام 1923، متخلياً عن استقلاله السياسي ومستبدلاً هدف 'جمهورية مجالس العمال والفلاحين' ببرنامج ثورة 'على مرحلتين'
شفيق حسني وخط ستالين المتعاون مع الطبقات
لعب الأمين العام السابق للحزب الشيوعي التركي، شفيق حسني (1887-1959)، الذي تم الإشادة به خلال فعالية الأول من شباط/ فبراير، حيث أعيد خلقه كشخصية رمزية، دورًا حاسمًا. كما ورد في كتاب 'الأسس التاريخية والدولية للحزب الاشتراكي' (دوردونجو إنترناسيونال:
في أبريل/نيسان 1923، صرّح شفيق حسني، أحد قادة الحزب الشيوعي التركي، الذي مثّل نزعة التعاون الطبقي مع البرجوازية، بأن ثلاثة اتجاهات رئيسية باتت ممكنة في البلاد: 1) النزعة الكمالية، 'التي يمثلها أولئك الذين أشعلوا الثورة الحالية وهم مصممون على إبقائها حية'، 2) النزعة الرجعية، المرتبطة بالإقطاع والنظام الملكي، و3) النزعة الاشتراكية، التي تهدف إلى تعميق الثورة لصالح جماهير العمال والفلاحين الفقراء والطبقة الوسطى، واستكمالها بثورة اجتماعية قائمة على الملكية العامة. وأكد حسني على ضرورة أن تعمل الحكومة الكمالية والاشتراكيون 'يدًا بيد لفترة طويلة' ضد 'الرجعية'، وأن 'يواجهوا قوى الشر كجسد واحد'.[1]
مع ذلك، كان العامل الحاسم في هيمنة الخط السياسي القائم على التعاون الطبقي طوال ما تبقى من تاريخ الحزب الشيوعي التركي هو الصراع العالمي التاريخي الذي بدأ في الاتحاد السوفيتي عام 1923.
برز في ذلك الصراع، جوزيف ستالين كممثل سياسي رئيسي للطبقة البيروقراطية التي كانت تتوسع وتستولي على السلطة من الطبقة العاملة، في حين أصبح تروتسكي، الذي قاد تأسيس المعارضة اليسارية عام 1932، الممثل الرئيسي للمصالح التاريخية للبروليتاريا السوفيتية والعالمية.
أدى تبني النظرية القومية 'للاشتراكية في بلد واحد'، التي طرحها ستالين ونيكولاي بوخارين عام ١٩٢٤، إلى توقف الكومنترن عن قيادة الثورة الاشتراكية العالمية وتحوله إلى أداة براغماتية في السياسة الخارجية السوفيتية.
عارضت المعارضة اليسارية ذلك التوجه، مدافعةً عن استراتيجية الثورة الاشتراكية العالمية التي قادت ثورة أكتوبر عام 1917، بقيادة لينين وتروتسكي، والتي ادعى الحزب الشيوعي التركي تبنيها. وكان الأساس النظري لهذه الاستراتيجية نظرية تروتسكي للثورة الدائمة
تجاهل 'التاريخ الموجز' للحزب الشيوعي التركي، الذي عُرض في ذلك الحدث، يتجاهل تمامًا هذا الصراع الحاسم بين الستالينية والتروتسكية وتداعياته، والذي كان له أثر بالغ على تاريخ الحركة الشيوعية والطبقة العاملة في تركيا وعلى الصعيد الدولي.
برر شفيق حسني التحالف مع حكومة أنقرة بنسب دور تقدمي للكمالية والبرجوازية الوطنية في مواجهة الإمبريالية. في مقال كتبه في نيسان /أبريل 1926، قال:
يجب على الجماهير العاملة أن تُدرك أن الجهود الاقتصادية للبرجوازية الكمالية منعت فعلاً دخول الرأسمالية الإمبريالية إلى البلاد، وبالتالي اتسمت بطابع تقدمي، ولكن يجب عليها أيضًا أن تفهم أن الآليات الداخلية لهذا التطور الاقتصادي أثقلت كاهلها، وأنها هي نفسها دفعت ثمن عمل تلك الآليات. وطالما أن النظام الذي طبقته البرجوازية القومية يلعب دوراً مناهضاً للإمبريالية، فإنه مقبول جوهرياً لدى الجماهير العاملة. [2]
لم يقتصر ذلك المنظور، الذي تبنّته الأممية الشيوعية في عهد ستالين، على إخضاع الحزب الشيوعي التركي سياسياً للبرجوازية والدولة في تركيا فحسب، بل شكّل أيضًا الأساس السياسي لهزيمة الثورة الصينية (1925-1927) ونضالات ثورية لا حصر لها في العالم المستعمر وشبه المستعمر في العقود اللاحقة. وكما كتب تروتسكي في مايو 1927 منتقداً سياسة ستالين في إخضاع الحزب الشيوعي الصيني لحزب الكومينتانغ القومي البرجوازي:
من الخطأ الفادح الاعتقاد بأن الإمبريالية توحّد جميع طبقات الصين آلياً من الخارج. ... إن الصراع الطبقي بين البرجوازية وجماهير العمال والفلاحين لا يضعف، بل على العكس، يشتدّ بفعل القمع الإمبريالي، إلى حدّ اندلاع حرب أهلية دموية في كل صراع خطير. [3]
أ ثبت تروتسكي أن الخط السياسي الذي صاغه ستالين في أطروحاته، وأدى بالثورة الصينية إلى كارثة، كان في جوهره استمراراً لسياسة المناشفة القديمة. ثم شرح الفرق بين نهج المناشفة والبلاشفة على النحو التالي:
….تمثلت سياسة المناشفة في الثورة في الحفاظ على الجبهة الموحدة بأي ثمن، لأطول فترة ممكنة، على حساب تكييف سياستها مع سياسة البرجوازية، وعلى حساب قمع شعارات الجماهير ونشاطها، بل وحتى، كما في الصين، على حساب التبعية التنظيمية لحزب العمال للجهاز السياسي للبرجوازية. لكنّ النهج البلشفي يقوم على الفصل السياسي والتنظيمي التام بين الحزب الشيوعي والبرجوازية، وعلى فضح البرجوازية بلا هوادة منذ الخطوات الأولى للثورة، وعلى تحطيم كل أوهام البرجوازية الصغيرة بشأن الجبهة الموحدة مع البرجوازية، وعلى النضال الدؤوب مع البرجوازية من أجل قيادة الجماهير، وعلى الطرد القاسي من الحزب الشيوعي لكل من زرع آمالاً زائفة في البرجوازية أو أضفي عليها هالة من المثالية. [4]
في كتابه 'نظرية الثورة الدائمة'، أوضح تروتسكي أن البرجوازية في الدول التي شهدت تطوراً رأسمالياً متأخراً، كتركيا والصين، عاجزة عن إنجاز مهام الثورة الديمقراطية. ولا يمكن تحقيق تلك المهام إلا بقيادة البروليتاريا وكجزء من الثورة الاشتراكية الأممية. وكما كتب تروتسكي عام 1929:
فيما يتعلق بالدول التي شهدت تطوراً برجوازياً متأخراً، ولا سيما الدول المستعمرة وشبه المستعمرة، فإن نظرية الثورة الدائمة تشير إلى أنه لا يمكن تصور الحل الكامل والحقيقي لمهامها المتمثلة في تحقيق الديمقراطية والتحرر الوطني إلا من خلال ديكتاتورية البروليتاريا بصفتها قائدة الأمة المقهورة، وعلى رأسها جماهيرها الفلاحية. [5]
وأضاف:
إن إتمام الثورة الاشتراكية ضمن الحدود الوطنية أمرٌ غير وارد. أحد الأسباب الرئيسية للأزمة في المجتمع البرجوازي هو عجز القوى الإنتاجية التي أوجدتها عن التوافق مع إطار الدولة القومية... تبدأ الثورة الاشتراكية على الساحة الوطنية، وتتطور على الساحة الدولية، وتكتمل على الساحة العالمية. (6)
في منتصف العقد الرابع من القرن العشرين، ورغم الاضطهاد المتواصل من قِبل النظام الكمالي، برز الحزب الشيوعي التركي كتيار سياسي قوي داخل الطبقة العاملة. في الوقت نفسه، قرر النظام الستاليني في الاتحاد السوفيتي 'اللامركزية' لتعزيز علاقاته مع أنقرة، الأمر الذي أدى فعلياً إلى تصفية الحزب ودعم الحكومة الكمالية علناً. كان هذا جزءاً من تبني برنامج 'الجبهة الشعبية' في المؤتمر السابع للأممية الشيوعية عام 1935، الذي كان من شأنه إخضاع الطبقة العاملة للبرجوازية على الصعيد الدولي،
اسماعيل بيلين وإرهاب ستالين المضاد للثورة
شخصية أخرى أعاد الذكاء الاصطناعي تمثيلها ومجّدها في فعالية الحزب الشيوعي التركي في الأول من شباط / فبراير، هي إسماعيل بيلين (1902-1983)، الذي شغل منصب الأمين العام للحزب بين عامي 1973 و1983. قاد بيلين الحزب الشيوعي التركي، الذي استأنف نشاطه السياسي غير القانوني في تركيا خلال العقد الثامن من القرن العشرين، في دعم حزب الشعب الجمهوري في انتخابات عامي 1973 و1977 تحت مسمى 'الجبهة الديمقراطية الوطنية'.
تجلت الطبيعة المشؤومة لتبني الحزب الشيوعي التركي لبيلين في كونه كان خادماً موثوقاً للنظام الستاليني خلال محاكمات موسكو وبعدها، وهي الفترة التي قُتل فيها مئات الآلاف من الاشتراكيين، بمن فيهم عدد لا يحصى من قادة ثورة أكتوبر والحرب الأهلية، في الاتحاد السوفيتي. كما ورد في دراسة عن بيلين:
تولى إسماعيل بيلين، الذي تبنى التوجه الجديد للحزب [عام 1935]، مسؤولية رفيعة المستوى عن الأنشطة خلال تلك الفترة. بعد مغادرة شفيق حسني ورشاد فؤاد موسكو في نيسان /أبريل 1937، وصل بيلين إلى موسكو في أوائل أيار / مايو، وأصبح ممثل الحزب الشيوعي التركي لدى الكومنترن ابتداءً من آب /أغسطس 1937 [7].
تماشى ذلك مع واقع أن الحزب الشيوعي التركي (TKP) كان حزباً مناهضاً للتروتسكية، دافع عن جرائم ستالين وخياناته، بما في ذلك الإبادة السياسية في الاتحاد السوفيتي واغتيال تروتسكي عام 1940، تماماً كما فعل الحزب الشيوعي الستاليني (KKE) في اليونان. وقامت دار نشر الحزب الشيوعي التركي بنشر كتب المؤرخ الزائف غروفر فور، التي أعادت إنتاج أكاذيب الستالينيين في العقد الرابع من القرن العشرين.
في عام 1937، كتب تروتسكي أن أكاذيب الستالينيين كانت بمنزلة 'الركيزة الأيديولوجية الأساسية للبيروقراطية'، مضيفاً:
كلما ازداد التناقض بين البيروقراطية والشعب حدةً، ازدادت الكذبة وقاحةً، وتحولت بوقاحة إلى تزوير جنائي وتلفيق قضائي. ومن لم يفهم تلك الجدلية الداخلية للنظام الستاليني، سيعجز أيضاً عن فهم محاكمات موسكو. [8]
أوضح تروتسكي أن البيروقراطية لم تستطع التغلب على ذلك التناقض، ولا على التناقض بين وجود اقتصاد عالمي رأسمالي والاقتصاد القومي الاكتفائي للاتحاد السوفيتي. كان هناك مساران: إما أن تخون البيروقراطية الستالينية ثورة أكتوبر خيانةً نهائيةً بحلّ الاتحاد السوفيتي وإعادة الرأسمالية، أو أن تستعيد الطبقة العاملة السوفيتية السلطة عبر ثورة سياسية، وتعيد الاتحاد السوفيتي إلى مسار الثورة الاشتراكية الأممية غير المكتملة.
لا يمكن فهم انتصار المسار الأول دون إدراك الإبادة الجسدية التي مارستها البيروقراطية الستالينية ضد الاشتراكيين من خلال التطهير الكبير في العقد الرابع من القرن العشرين، وحربها الشرسة ضد الأممية الرابعة، الحركة التروتسكية العالمية التي دافعت عن برنامج ثورة أكتوبر.
بعد الحرب العالمية الثانية، لعب التيار البابلوي المؤيد للستالينية والتصفية، الذي برز داخل الأممية الرابعة، دوراً مساعداً لموسكو وللإمبريالية العالمية. ضمن تأسيس اللجنة الدولية للأممية الرابعة (ICFI) عام 1953 استمرارية الحركة التروتسكية من خلال نضال متواصل قائم على مبادئ الأممية الثورية ضد الستالينية والاشتراكية الديمقراطية والبابلوية والقومية البرجوازية.
وكان تأسيس حزب المساواة لاشتراكية في تركيا العام الماضي، كفرع من اللجنة الدولية للأممية الرابعة، نتاجاً لذلك النضال الدولي والتاريخي.
ميخائيل غورباتشوف وإعادة الرأسمالية
كان هناك شخص آخر حُرك خطابه وصورته بواسطة الذكاء الاصطناعي في فعالية الحزب الشيوعي التركي في أنقرة: ميخائيل غورباتشوف، آخر زعيم ومصفّي للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي والاتحاد السوفيتي. قام قادة الحزب الشيوعي التركي بتحريض الجمهور على إطلاق صيحات الاستهجان ضد غورباتشوف، الذي أُجبر على قول ما يلي:
منذ عام 1985، ألقيتُ خطاباتٍ ثورية باسم إحياء الاتحاد السوفيتي، الذي عانى من مشاكل جمة. تحدثتُ عن العودة إلى لينين. بل كذبتُ لكسب تأييد الحزب والشعب... ما أسميته البيريسترويكا لم يكن إصلاحاً، بل تصفية... عندما تفكك الاتحاد السوفيتي، قلتُ إنه ضرورة تاريخية. كذبتُ مجدداً. لم يُجبرني التاريخ على ذلك. لقد تخلّيتُ عنه. لم أدافع عنه. استسلمتُ له. واليوم، وسط الأنقاض المتبقية، أُقرّ بأن هذا الدمار لم يكن حادثًا، بل تغييراً في المسار وصل إلى حد الخيانة.
إن الحزب الشيوعي التركي، الذي يتهم غورباتشوف اليوم بالخيانة، يُخفي حقيقة أن مجلة 'جيلينيك'، التيار السياسي الذي يستند إليه، قدّمت دعماً سياسياً لتلك الخيانة، تماماً كما فعلت تيارات ستالينية أخرى حول العالم. كتب كمال أوكويان، الأمين العام الحالي للحزب الشيوعي التركي، تحت اسم مستعار هو جمال حكيم أوغلو في يوليو/تموز 1987، في مقال بعنوان 'غورباتشوف واليسار'، مصرحاً بأن 'عهد غورباتشوف... ضرورة حتمية'. وتابع:
ماذا الذي مثله عهد غورباتشوف؟
انخرط الاتحاد السوفيتي حالياً في جهد داخلي لتعزيز سلطته ومكانته داخل الحركة الاشتراكية العالمية. وقد برزت مشاكل ضمن دينامياته الداخلية، تستدعي حلاً في وقتٍ انحسرت فيه موجة الثورة العالمية. تلك المشاكل الداخلية هي مشاكل الاشتراكية الناضجة. إلا أن مشاكل الاشتراكية الناضجة وصلت إلى مرحلة تحتاج فيها الاشتراكية الآن إلى شكل شعبي للتعبير. مرّ سبعون عاماً (على ثورة أكتوبر). والآن، هناك ماركسية تُركّز على 'الجماهير' و'الشعب'. ...
في ايار / مايو الماضي، أكّد غورباتشوف بشدة أنه 'لا يوجد مركز يتخذ القرارات في الحركة الثورية العالمية'. وقال: 'لقد بدأ هذا المنطق يضرّنا ويضرّ أصدقاءنا'. كانت للاتحاد السوفيتي علاقات معقدة للغاية مع دول مختلفة. وفي هذه العلاقات، لم يكن ينوي تقديم التزامات نيابةً عن أي جهة، ولا إشراك الاشتراكيين في تلك الدول في سياسات معينة.
لقد أشرنا إلى هذه الفجوة، هذا الفراغ، هذه المساحة الضرورية. وبهذا المعنى، يُعد خطاب ميخائيل سيرغييفيتش (غورباتشوف) بصيص أمل. يجب ألا تترك العمليات التي شهدها الاتحاد السوفيتي في سياساته الداخلية والخارجية بصمتها في كل مكان. اليوم، إذا لم ترغب الحركة الاشتراكية العالمية في مواجهة مشكلة 'وجودية'، فعليها الحفاظ على هذه الفجوة - هذه المساحة - واحتضانها. يجب على الاشتراكيين في الدول الرأسمالية، مع إدراكهم أن عهد غورباتشوف ضرورة حتمية للاشتراكية الحقيقية، ألا يُلقوا بظلاله على مشاكلهم وتطلعاتهم. [9]
في المقابل، كانت اللجنة الدولية للأممية الرابعة، التي استندت إلى تحليل ومنظور تروتسكي، التيار السياسي الدولي الوحيد الذي عارض السياسات المضادة للثورة للنظام الستاليني بقيادة غورباتشوف، والبابلويين الذين هللوا له لما زعموه من 'إصلاح ذاتي' للبيروقراطية السوفيتية، وهي سياسات أدت إلى تفكك الاتحاد السوفيتي. ففي بيانها الصادر عام 1987 بعنوان 'ماذا يحدث في الاتحاد السوفيتي؟' حذرت اللجنة الدولية للأممية الرابعة ICFI من أزمة الستالينية وغورباتشوف قائلة:
بالنسبة للطبقة العاملة في الاتحاد السوفيتي، وللعمال والجماهير المضطهدة على الصعيد الدولي، تمثل ما سُميت بسياسة الإصلاح التي انتهجها غورباتشوف تهديداً خطيراً. فهي تُعرّض للخطر المكاسب التاريخية لثورة أكتوبر، وترتبط بتعميق تعاون البيروقراطية مع الإمبريالية على نطاق عالمي في إطار الثورة المضادة. [10]
واصلت اللجنة الدولية للأممية الرابعة (ICFI) تطوير تحليلها لنظام غورباتشوف. ففي عام 1989، كتب ديفيد نورث، الأمين العام آنذاك لرابطة العمال، سلف حزب المساواة الاشتراكية في الولايات المتحدة، في كتابه 'البيريسترويكا في مواجهة الاشتراكية: الستالينية وإعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفيتي'
إن السياسة الخارجية للحكومة السوفيتية، شأنها شأن جميع الأنظمة الأخرى في العالم، تنبثق بشكل عضوي من المصالح المادية للنخبة الاجتماعية الحاكمة، وبالتالي فهي امتداد لسياستها الداخلية. في الواقع، في مجال السياسة الخارجية تجد المصالح الأساسية والأهداف التاريخية للبيروقراطية تعبيرها الأكثر تركيزًا ووضوحًا. من هذا المنظور الموضوعي، ترتبط السياسة الخارجية لميخائيل غورباتشوف ارتباطاً وثيقاً ببرنامج إعادة إحياء الرأسمالية الذي تتبناه البيروقراطية الستالينية تحت راية البيريسترويكا. ففي حين تسعى البيروقراطية إلى تقويض علاقات الملكية العامة داخل الاتحاد السوفيتي بشكل منهجي، تهدف سياستها الخارجية إلى دمج الاتحاد السوفيتي اقتصادياً في بنية الرأسمالية العالمية وفي تقسيم العمل الدولي فيها. [11]
وتابع:
تخلت قيادة الاتحاد السوفيتي منذ زمن بعيد عن منظور الثورة الاشتراكية العالمية الذي أعلنه البلاشفة عام 1917... وقد تجلى ظهور البيروقراطية كتيار اجتماعي واعٍ سياسياً، معادٍ للبروليتاريا السوفيتية، لأول مرة عام 1924 في رفض الرابط الجوهري، الذي لطالما أصر عليه لينين، بين تطور الاشتراكية داخل الاتحاد السوفيتي وانتصار البروليتاريا العالمية على الإمبريالية العالمية. [12]
أيها العمال والشباب: توجهوا إلى التروتسكية وإلى اللجنة الدولية للأممية الرابعة!
كان لإعادة البيروقراطية الستالينية للرأسمالية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي عواقب سياسية وخيمة لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم على نطاق عالمي. أدى ذلك إلى انزلاق العمال السوفييت والطبقة العاملة على مستوى العالم إلى تراجع اجتماعي كبير، ممهداً الطريق لتوسع الإمبريالية الأمريكية-الناتوية شرقاً ولتصعيد العدوان المناهض لروسيا الذي أشعل فتيل الحرب في أوكرانيا عام 2022. وفي غياب الاتحاد السوفيتي، أصبح الشرق الأوسط مسرحاً لتوسع إمبريالي شبه متواصل العدوان والحرب بقيادة الولايات المتحدة منذ عامي 1990-1991.
ناهيك عن أن ربط الاشتراكية بالستالينية من قبل كل من البيروقراطية السوفيتية والقوى الإمبريالية طوال القرن العشرين أدى إلى ارتباك سياسي كبير وتدهور معنوي داخل الطبقة العاملة العالمية خلال فترة ما بعد الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي لعب دوراً حاسماً في قمع الصراع الطبقي. تكمن هنا أهمية نضال اللجنة الدولية للأممية الرابعة(ICFI) الدؤوب للدفاع عن الحقيقة التاريخية ضد مدرسة التزييف التاريخي في فترة ما بعد الاتحاد السوفيتي.
أكدت القضايا التاريخية التي أثارها حدث الحزب الشيوعي التركي (TKP) في أنقرة في الأول من شباط /فبراير على الأهمية البالغة للصراع بين التروتسكية والستالينية. تواجه الطبقة العاملة اليوم عودة عنيفة لقضايا القرن العشرين العالقة مثل الحرب الإمبريالية، والفاشية والديكتاتورية، والثورة المضادة الاجتماعية. تمثل هذه القضايا ردود فعل البرجوازية على التناقضات المستعصية للنظام الرأسمالي. لكن هذه التناقضات نفسها تدفع الطبقة العاملة والشباب عالمياً نحو التطرف، وتمهد الطريق لثورة اجتماعية. السؤال ليس ما إذا كانت الانفجارات الثورية ستحدث، بل ما إذا كانت القيادة الثورية قادرة على توجيهها.
لا يمكن بناء قيادة كهذه إلا باستيعاب دروس النضال التاريخي الطويل للتروتسكية ضد الستالينية وضد كل النزعات البرجوازية الصغيرة المعادية للماركسية، استناداً إلى استراتيجية الثورة الدائمة والثورة الاشتراكية العالمية. هذه القيادة هي اللجنة الدولية للأممية الرابعة وأحزاب المساواة الاشتراكية التابعة لها.
ماركسية القرن الحادي والعشرين هي التروتسكية. وعلى الراغبين بصدق في بديل مستقل، ثوري، ومناهض للإمبريالية للنظام الرأسمالي دراسة الأسس التاريخية والدولية لحزب المساواة الاشتراكية - دوردونجو إنترناسيونال، والتواصل معنا للمشاركة في عملنا التثقيفي، والانضمام إلى النضال لبناء هذه القيادة.
The Historical and International Foundations of the Sosyalist Eşitlik Partisi – Dördüncü Enternasyonal. URL: https://www.wsws.org/en/special/library/foundations-turkey/03.html [2] B. Ferdi [Şefik Hüsnü], “Türkiye’nin Ekonomik ve Mali Durumu”, April 16, 1926, in Komintern Belgelerinde Türkiye, ed. Doğu Perinçek (İstanbul: Kaynak Yayınları, 2020), pp. 380-381.
B. Ferdi [Şefik Hüsnü], “Türkiye’nin Ekonomik ve Mali Durumu”, April 16, 1926, in Komintern Belgelerinde Türkiye, ed. Doğu Perinçek (İstanbul: Kaynak Yayınları, 2020), pp. 380-381.
Leon Trotsky, “The Chinese Revolution and the Theses of Comrade Stalin,” May 17, 1927. URL: https://www.marxists.org/archive/trotsky/1932/pcr/01.htm
Ibid.
Leon Trotsky, “What is the Permanent Revolution?”, in The Permanent Revolution. URL: https://www.wsws.org/en/articles/2025/08/21/perm-a21.html
Ibid.
Burak Gürel, “İsmail Bilen: Gecikmiş Yükselişten Hızlandırılmış Çöküşe TKP”, in Türkiye Solundan Portreler (Ankara: Dipnot Yayınları, 2015), hazırlayanlar: Emir Ali Türkmen & Ümit Özger, p. 239.
Leon Trotsky, “Foreword to the American Edition,” in The Stalin School of Falsification. URL: https://www.marxists.org/archive/trotsky/1937/ssf/sf02.htm
Cemal Hekimoğlu [Kemal Okuyan], “Gorbaçov ve Sol”, Gelenek Kitap Dizisi, Temmuz 1987. URL: https://gelenek.org/gorbacov-ve-sol/
International Committee of the Fourth International, What is Happening in the USSR? Gorbachev and the Crisis of Stalinism, March 1987. URL: https://www.wsws.org/en/special/library/fi-14-2/03.html
David North, Perestroika versus Socialism: Stalinism and the Restoration of Capitalism in the USSR, 1989. URL: https://www.wsws.org/en/special/library/perestroika-versus-socialism/00.html
Ibid.
