[هذه مقدمة كتاب جديد بعنوان 'إلى أين تمضي أمريكا؟' (Wohin Geht Amerika?)، الذي سيصدر قريباً باللغتين الإنجليزية والألمانية عن دار نشر ميرينغ بوكس (Mehring Verlag)، وسيُعرض في معرض لايبزيغ للكتاب الشهر المقبل. ]
بعد مرور عام على تولي ترامب الرئاسة للمرة الثانية، حُسم الجدل حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تتجه نحو دكتاتورية فاشية، وذلك من خلال أفعال الدولة نفسها. فقد صدمت أحداث كانون الثاني / يناير 2026 في مينيابوليس العالم أجمع، وأوضحت أن تحول الديمقراطية الأمريكية إلى دولة عسكرية بوليسية لم يعد احتمالاً نظرياً، بل واقعاً ملموساً.
ففي السادس من كانون الثاني/ يناير 2026، نشرت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية ألفي عنصر من عملاء الحكومة الفيدرالية في منطقة مينيابوليس-سانت بول الحضرية، فيما وصفته بأنه أكبر عملية لإنفاذ قوانين الهجرة في التاريخ الأمريكي. وعقب ذلك احتلال عسكري لمدينة أمريكية. وانتشر عناصر ملثمون حملوا معدات تكتيكية في الأحياء ومحطات النقل والمراكز التجارية ومواقف السيارات، وتمركزوا بالقرب من الكنائس والمساجد والمدارس. وفي السابع من يناير/كانون الثاني، أطلق جوناثان روس، أحد عملاء إدارة الهجرة والجمارك، النار على رينيه نيكول غود، وهي أم أمريكية لثلاثة أطفال بلغت من العمر 37 عاماً، وأرداها قتيلة بينما كانت جالسة في سيارتها. وأظهرت لقطات فيديو، راجعتها العديد من المؤسسات الإخبارية، تناقضاً صارخاً مع ادعاء الإدارة بأنها هي من هاجمت العميل. وفي الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني، قتل عناصر من دوريات الحدود أليكس بريتي، وهو ممرض عناية مركزة بلغ من العمر 37 عاماً وهو موظف فيدرالي، أثناء محاولته حماية امرأة دفعها عناصر من الدوريات إلى الأرض. أظهر مقطع فيديو التقطه أحد المارة، تم التحقق منه من قبل رويترز وبي بي سي وول ستريت جورنال ووكالة أسوشيتد برس، بريتي وهو يُطرح أرضاً من قبل العديد من العملاء ويُطلق عليه النار 10 مرات على الأقل في خمس ثوانٍ.
شهد ملايين لا حصر لها من الناس حول العالم ليس فقط عمليات القتل هذه، بل ودفاع الرئيس عنها. فقد افترى ترامب على غود ووصفها بـ'الإرهابية المحلية'. واتهم المسؤولين المحليين بـ'التحريض على التمرد' لانتقادهم العملية. وهدد بتفعيل قانون التمرد. وصرح نائب الرئيس فانس بأن مصرع غود 'مأساة من صنع يديها'. ورفضت الحكومة الفيدرالية السماح لأجهزة إنفاذ القانون في الولاية بالمشاركة في التحقيق. وخلص قاضٍ فيدرالي إلى أن إدارة الهجرة والجمارك انتهكت ما لا يقل عن 96 أمراً قضائياً في مينيسوتا في شهر يناير وحده. وأغلقت المدارس أبوابها أو تحولت إلى التعليم عن بُعد. وأغلقت الشركات أبوابها. ونُقل أطفال إلى المستشفى بعد تعرضهم للغاز المسيل للدموع من قبل عملاء فيدراليين.
لكن مينيابوليس ليست سوى التعبير الأكثر وضوحاً عن حملة إرهاب دولة أوسع نطاقاً استهدفت مجتمعات المهاجرين في جميع أنحاء الولايات المتحدة. فمنذ عودة ترامب إلى منصبه، شنّ عملاء فيدراليون مداهمات في الفجر على منازل، واعتقلوا أشخاصاً في مدارس وأماكن عمل، وفصلوا أطفالاً عن آبائهم، ونفذوا ما لا يمكن وصفه إلا بالحملة اختطاف ممنهجة ضد عائلات المهاجرين. لقي ما لا يقل عن 31 شخصاً مصرعهم في مواقع حجز إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية خلال عام 2025، وهو أعلى عدد وفيات سنوي خلال عقدين، مع تسجيل وفيات إضافية في الأسابيع الأولى من عام 2026. ففي مينيابوليس، أُلقي القبض على ليام راموس، البالغ من العمر خمس سنوات، من قبل عملاء فيدراليين أثناء عودته إلى المنزل من الروضة، وكان لا يزال يرتدي حقيبة ظهره عليها صورة سبايدرمان وقبعة زرقاء بأذني أرنب، ونُقل مع والده، وهو طالب لجوء قانوني ليس لديه سجل جنائي، إلى مركز احتجاز في ديلي، تكساس، على بُعد أكثر من ألف ميل من منزله.
في ديلي، يصادف المرء مشهدًا يُذكّر بسجلات الأنظمة الشمولية. ففي مركز جنوب تكساس السكني للعائلات، وهو منشأة تضم 1200 معتقل، ثلثهم من الأطفال، وتديرها شركة سجون خاصة بموجب عقد فيدرالي، تدفق عشرات الأطفال المسجونين إلى المساحات المفتوحة في المجمع، وبدأوا يهتفون مطالبين بالحرية بأصواتهم الحادة التي ترددت أصداؤها عبر محيط الأسلاك الشائكة. وانضم 80% من معتقلي المنشأة إلى الاحتجاج. ورفع الآباء والأمهات لافتات كُتب عليها بخط اليد 'الحرية للأطفال'. وأفاد إريك لي، محامي الهجرة الذي كان حاضراً في الموقع عند بدء الاحتجاج، أن مياه الشرب كانت فاسدة، وأن الوجبات احتوت على حشرات وحطام، وأن الحراس عاملوا العائلات بنفس الفظاظة المطبقة في سجون البالغين. وقالت فتاة بلغت من العمر 13 عاماً: 'لا ينبغي أن تكون هناك أقفاص للأطفال'. هذا هو الواقع في قلب 'العالم الحر'، أطفال مسجونون خلف الأسلاك الشائكة، يصرخون طلباً لحريتهم بلغة لا يتحدث بها سجّانوهم ولن يصغوا إليهم، حتى لو تحدثون بها.
اضطرت الصحافة الدولية إلى تغطية انهيار الديمقراطية في الولايات المتحدة. إذ ذكرت افتتاحية مجلة الإيكونوميست، الصادرة في الفترة من 31 كانون الثاني /يناير إلى 6 شباط /فبراير 2026، أن التدخل الفيدرالي في شوارع مينيابوليس 'تجاوز بكثير قضية الهجرة' وشكل 'اختباراً لقدرة الحكومة على استخدام العنف ضد مواطنيها، وهو خط فاصل بين الحرية والاستبداد'. وحذرت الافتتاحية قائلة: 'ولن يكون هذا هو الأخير'. وفي الأسبوع نفسه، بثّت شبكة التلفزيون الألمانية ARD تقريراً مفصلاً أجرى مقارنات صريحة بين أساليب إدارة ترامب وأساليب النظام النازي في العقد الرابع من القرن الماضي، وهو ما يُعدّ استحضار لمفهوم 'الدمج القسري' (Gleichschaltung)، أي إجبار المؤسسات على التوافق مع إرادة الفوهرر، وهو أمر كان من المستحيل تصوره من قبل أي قناة أوروبية كبرى حتى قبل عام واحد.
لكن حتى مع تزايد الاعتراف بالطابع الفاشي للإدارة، لا تزال معظم التحليلات تركز على شخص ترامب، على نفسيته، ومزاجه، وتفرده المزعوم. ويتم تجاهل الأسباب الأعمق لانهيار الديمقراطية الأمريكية. لكن نظرية 'ترامب السيئ' في التاريخ لا تفسر إلا القليل. فهي تتجاهل السؤال الذي يجب الإجابة عليه: ما الذي يفسر وصول هذا الشخص المختل عقلياً إلى أقوى منصب سياسي على وجه الأرض؟ ما هي العمليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أدت إلى هذه النتيجة؟ وما هي قوى الطبقات المؤثرة؟
كتب تروتسكي في كتاباته عن صعود الفاشية الألمانية، ملاحظة ثاقبة: 'ليس كل برجوازي صغير مستاء قادر على أن يصبح هتلر، لكن ثمة ذرة من هتلر كامنة في كل برجوازي صغير مستاء'. ويمكن تطبيق تلك الرؤية على الأوضاع الأمريكية المعاصرة: فليس كل رجل أعمال ترامب، لكن ثمة أكثر من مجرد ذرة من ترامب في شريحة كبيرة من الطبقة التجارية الأمريكية.
يوجد بين المديرين التنفيذيين في عدد لا يحصى من شركات العقارات التجارية، وشركات الأسهم الخاصة، ومشاريع العملات المشفرة، عدد لا يحصى من الأفراد الذين تعكس شخصياتهم وسلوكياتهم وأهدافهم وأساليبهم، بدرجات متفاوتة، شخصية الرئيس الأمريكي، وسلوكياته وأهدافه وأساليبه. لم يخلق ترامب هذه الثقافة، بل هو تجسيد للأوليغارشية المالية الحاكمة، وغايتها الإجرامية. تلاشى في شخصيته وأسلوب عمله، التمييز بين الرئيس التنفيذي وزعيم العصابة.
ففي مسيرة امتدت لنصف قرن في مستنقعات صناعة العقارات في نيويورك، وعالم كازينوهات أتلانتيك سيتي، وبرامج تلفزيون الواقع، اتسمت مسيرة ترامب بعمليات احتيال مالي، وتخلف عن سداد مستحقات المقاولين، وإفلاسات متكررة، ودعاوى قضائية لا حصر لها، وجامعات وهمية. في عالمه، التفاوض، والابتزاز، وجهان لعملة، واحدة. وهو صرّح مؤخراً، دون أدنى سخرية، أن القيد الوحيد على ممارسته للسلطة الرئاسية هو أخلاقه الشخصية. حقاً. لكنها في الواقع 'أخلاق' الأوليغارشية، التي لا تقبل أي قيود على سعيها وراء الثروة والسلطة الشخصية.
يُعرف عن ترامب تباهيه بذكائه الخارق. لكن أبرز ما يُميز ثرثرته المُعتادة هو غياب أي تفكير منهجي. فإجابته المُتكررة على أسئلة حول سياساته ونواياه هي عبارة فاضحة: 'لنرى ما سيحدث'، مما يُشير إلى أن الرجل لا يُدرك عواقب أفعاله، التي تحركها نزعة ارتجالية واندفاعية. تتألف تصريحاته العلنية من تكرار لا ينتهي لكلمات التفاخر 'هائل'، 'لا يُصدق'، 'لم يرَ مثله أحد من قبل' تتالى دون ترابط منطقي، ودون أي مضمون واقعي، ودون أي دليل على أن المتحدث قرأ كتاباً واحداً، باستثناء كتاب 'كفاحي' لهتلر.
ثم هناك تلك المجموعة من المنبوذين والمُجرمين الذين أحاط نفسه بهم. حتى أن كاليجولا مازح بشأن تعيين حصانه قنصلاً. كان ترامب، بدون حس الفكاهة الذي تمتع به الإمبراطور الروماني المجنون، أكثر وقاحة في اختيار كبار موظفي إدارته.
ستيفن ميلر، مُقلّد غوبلز؛ بيت هيغسيث، مُذيع فوكس نيوز السابق في عطلة نهاية الأسبوع، المهووس بشكلٍ غريب بمقاسات خصور جنرالاته وعُقيداته؛ كريستي نويم، وزيرة الأمن الداخلي، التي تفاخرت ذات مرة بقتل كلبها؛ روبرت ف. كينيدي الابن، مُنظّر المؤامرة المُناهض للقاحات، الذي عُيّن مسؤولاً عن صحة الأمة؛ تولسي غابارد، مديرة المخابرات الوطنية، التي لا تزال مؤهلاتها للإشراف على 17 وكالة استخباراتية لغزاً حتى بالنسبة لوكالة المخابرات المركزية نفسها. كاش باتيل في مكتب التحقيقات الفيدرالي، مُوالٍ لترامب، ومؤهله الأساسي هو الولاء المُذلّ لقائده.
لأن نظرية 'ترامب السيئ' في التاريخ قاصرةٌ للغاية، فإن تحليلاً أعمق ضروري. وفي هذا السياق، تكتسب الكشوفات عن تقاطع حياة جيفري إبستين، ملياردير الاتجار بالجنس، مع حياة ترامب وعدد لا يُحصى من الشخصيات القوية والمشهورة الأخرى أهميتها الكاملة.
يُعدّ نشر وزارة العدل الأمريكية لأكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق، وآلاف مقاطع الفيديو، ومئات الآلاف من الصور المتعلقة بجرائم جيفري إبستين حدثاً سياسياً بالغ الأهمية. لكن دلالته تتجاوز بكثير التفاصيل البشعة للاعتداءات الجنسية التي ارتكبها رجل واحد، مهما بلغت فظاعة تلك الجرائم. تكشف ملفات إبستين عن الملامح الاجتماعية لطبقة حاكمة منحطة ومجتمع أوليغاركي في حالة متقدمة من التدهور. جرائمهم فاضحة، تفوح منها رائحة الفساد.
أكدت الوثائق ما كان يُشتبه به منذ زمن طويل، وما أدركه ملايين العمال بالفطرة: أن أقوى الشخصيات في المجتمع الأمريكي، مثل الرؤساء والرؤساء السابقون، وأصحاب المليارات من الممولين، وعمالقة وادي السيليكون، والمثقفون المشهورون، والأمراء والدبلوماسيون، تحركوا بحرية وعن علم في فلك مدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال. لم يفعلوا ذلك عن جهل بجرائمه، بل عن لامبالاة تجاهها، وفي كثير من الحالات، عن مشاركة فيها. إن العالم الاجتماعي الذي يعيشون فيه يعمل وفقاً لقواعد مختلفة تماماً عن تلك التي تحكم حياة الناس العاديين.
أقام جيفري إبستين علاقات واسعة مع مختلف قطاعات النخبة الأمريكية والدولية. ووصفه ترامب، صديقه المقرب لما يقرب من عقدين، بأنه 'رجل رائع'. وشملت دائرة إبستين الرئيس الأسبق بيل كلينتون؛ والأمير أندرو من العائلة المالكة البريطانية، الذي جُرِّد لاحقاً من ألقابه؛ وبيل غيتس، وإيلون ماسك، وجيف بيزوس، ومارك زوكربيرغ، وسيرجي برين، ولاري بيج، وريد هوفمان ، أي الرجال الذين يسيطرون على البنية التحتية الرقمية للحياة المعاصرة؛ ولاري سامرز، وزير الخزانة السابق ورئيس جامعة هارفارد، الذي أُجبر الآن على أخذ إجازة من التدريس؛ وستيف بانون، المنظِّر الأبرز للفاشية الأمريكية والداعم الخفي لترامب؛ ونعوم تشومسكي، الذي يُحتفى به على نطاق واسع باعتباره أبرز مفكر ليبرالي في الولايات المتحدة، والذي وصف إبستين في رسالة بأنه 'أفضل صديق' له؛ وليون بوتستين، رئيس كلية بارد؛ وريتشارد برانسون، وبيتر ثيل، وآلان ديرشوفيتز، وليون بلاك. احتوت دفاتر هواتف إبستين على أكثر من 1700 اسم، شملت مسؤولين تنفيذيين في وسائل الإعلام، وسياسيين، ورجال أعمال، وممثلين، وأكاديميين.
امتدت الشبكة إلى ما هو أبعد من الولايات المتحدة: لتشمل ولية عهد النرويج، وشخصيات سياسية إسرائيلية مثل إيهود باراك، ورجال أعمال إماراتيين، وسياسيين وأرستقراطيين بريطانيين. لقد كانت، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، شبكة دولية مشبوهة للنخبة الرأسمالية.
ركز تناول وسائل الإعلام البرجوازية لفضيحة إبستين عادةً على مسألة المسؤولية الفردية. من هم الأفراد الذين ارتكبوا الجرائم تحديداً؟ هل يمكن مقاضاتهم؟ هل توجد 'قائمة عملاء'؟ هذه أسئلة مهمة، لكنها في جوهرها ثانوية. لا ينبغي لها أن تحجب السؤال السياسي الأهم: ما الذي كشفته شبكة إبستين عن طبيعة المجتمع الذي أنشأها؟
لم يكن الأمر كما لو أن إبستين أخفى أنشطته ببراعة فائقة. فقد أُدين بارتكاب جرائم جنسية عام 2008، وسُجّل كمجرم جنسي. ومع ذلك، وتلك هي النقطة الأساسية، ظلت أبواب النخبة الاجتماعية مفتوحة أمامه. استمرت الجامعات في قبول أمواله، واستمر الأكاديميون في حضور ندواته، وواصل وكيله الأدبي جون بروكمان تنظيم لقاءات فكرية اختلط فيها إبستين بالعلماء وكبار مسؤولي التكنولوجيا، واستمرت مسؤولة العلاقات العامة في مجال الترفيه بيغي سيغال في دعوته إلى مناسبات خاصة، والتقى به أساتذة جامعة هارفارد في مكاتبهم، وعُرضت عليه شقق، ودُعي إلى جزر خاصة، واستُشير في مسائل شتى، من أسعار النفط إلى العلاقات العاطفية.
في العالم الذي يعيش فيه هؤلاء، تُهيمن الثروة على كل الاعتبارات الأخرى، بما في ذلك الاعتداء الجنسي على الأطفال. لقد تآكلت القيم الأخلاقية للطبقة الحاكمة الأمريكية والدولية إلى حدٍّ كبير بفعل عبادة المال، لدرجة أن مرتكب الجرائم الجنسية المدان، يستطيع بشرط أن يظل ثرياً وذا نفوذ، يستطيع الاستمرار في ممارسة دوره كعضو محترم في المجتمع الراقي. إن قضية إبستين ليست حالة شاذة في هذا السياق الاجتماعي، بل هي التعبير الأكثر تركيزاً وقذارة عنه.
من أبرز السمات السياسية لشبكة إبستين طابعها الذي جمع بين الحزبين. فقد ضمت ديمقراطيين وجمهوريين على حد سواء، كلينتون وترامب، سامرز وبانون، ريد هوفمان وبيتر ثيل، أكاديميين ليبراليين ونشطاء يمينيين. هؤلاء أنفسهم الذين يتقابلون على خلفية 'انقسام حزبي' واهٍ في مسرح السياسة الرسمية، تناولوا العشاء مع إبستين، وفي عدد غير معروف حتى الآن، شاركوا في الاعتداء على الأطفال الذي دبره.
عكس الانحراف الحزبي السياسة الحزبية نفسها. إن سهولة انتقال هؤلاء الأشخاص بين الانتماءات الحزبية في حياتهم الخاصة عكست حقيقة سياسية أعمق: وهي أن الانقسام بين الحزبين الرئيسيين، الديمقراطيين والجمهوريين، الذي يستحوذ على الغالبية العظمى من الطاقة السياسية في الولايات المتحدة، هو في جوهره انقسام سطحي. إنه انقسام داخل طبقة حاكمة واحدة حول مسائل تتعلق بالأسلوب والتركيز وإدارة الرأي العام، وليس خلافاً جوهرياً حول التنظيم الاقتصادي للمجتمع.
على الرغم من كل التشهير المتبادل بينهما، فإنّ حجم الخلافات بين الديمقراطيين والجمهوريين ضئيلٌ للغاية. فهو في معظمه 'مجرد ضجيجٍ وصخبٍ لا طائل منه'. أعلن أوباما، بصراحةٍ نادرة، بعد ساعاتٍ من فوز ترامب في الانتخابات الأولى، أنه لا داعي للقلق، ووصف التنافس بين الحزبين بأنه مجرد صراعٍ داخلي. في نهاية المطاف، الجميع في صفٍ واحد. بعد ثلاثة أيامٍ فقط من محاولة ترامب الانقلابية في 6 كانون الثاني / يناير 2021، صرّح الرئيس المنتخب جو بايدن في مؤتمرٍ صحفي: 'نحن بحاجةٍ إلى حزبٍ جمهوري. نحن بحاجةٍ إلى معارضةٍ مبدئيةٍ وقوية'.
إن وُجدت خلافات جوهرية، فهي في معظمها تدور حول جوانب السياسة الخارجية والتكتيكات الإمبريالية. وقد بلغ الصراع حول عدم حماس ترامب الكافي للحرب بالوكالة الإمبريالية في أوكرانيا حداً استثنائياً. لكن استنكار الديمقراطيين لسياسات ترامب الداخلية الرجعية ليست أكثر من مسرح سياسي. لا يختلف الديمقراطيون والجمهوريون اختلافاً جوهرياً حول توزيع الثروة، وسلطة رأس المال المالي، واستمرار النزعة العسكرية.
بدأ ريغان تحرير القطاع المالي وأتمه كلينتون. ثم بدأ بوش حروب الشرق الأوسط ووسعها أوباما. كانت خطة إنقاذ البنوك في الفترة 2008-2009 عملية مشتركة بين الحزبين من البداية إلى النهاية، حيث تم إنقاذ وول ستريت بينما فقد ملايين العمال منازلهم. بُنيت دولة المراقبة التي شُيّدت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بجهود الحزبين. وقد تعاونا في قمع الإضرابات وتجريم حق الطبقة العاملة في الدفاع عن نفسها ضد هجوم الشركات على مستوى معيشتها.
لقد طوى النسيان بشكل عام أن إقالة ريغان لمراقبي الحركة الجوية في شركة باتكو كانت تنفيذاً لخطة وضعتها إدارة الحزب الديمقراطي السابقة برئاسة الرئيس جيمي كارتر. وكان حاكم ولاية أريزونا الديمقراطي، بروس بابيت، هو من نشر شرطة الولاية عام 1983 ضد عمال مناجم النحاس الذين أضربوا عن العمل في شركة فيلبس دودج للنحاس. ويمكن ذكر أمثلة لا حصر لها أخرى على كسر الإضرابات بتعاون الحزبين، حتى يومنا هذا.
وهكذا، من منظور غرفة طعام إبستين وغرفة نومه وطاولة التدليك الخاصة به، كانت الحرب الحزبية التي تُعرض على الجمهور الأمريكي على أنها 'سياسة' مجرد عرض جانبي. وقد أدرك الأشخاص الذين نسج معهم إبستين هذه الحقيقة، حتى وإن لم يدركها الجمهور. فقد كانوا يتشاركون نفس الطبقة الاجتماعية، ومجموعة من المصالح المادية، وكما توضح الوثائق الآن، مجموعة من المعايير الأخلاقية، أو بالأحرى غيابها التام.
إن الصراعات الثقافية وصراعات الهوية الحادة التي تميز الحزبين تخدم غرضاً موضوعياً: فهي تخفي الانقسامات الجوهرية بين الطبقات الاجتماعية، وتستنزف الطاقة السياسية التي كان من الممكن توجيهها ضد النظام الرأسمالي نفسه. وطالما أن الطبقة العاملة منقسمة بين الديمقراطيين والجمهوريين، تتجادل حول استفزازات الحرب الثقافية، فإنها لا تتحد ضد الطبقة التي يخدمها كلا الحزبين. إنها سمة هيكلية لنظام سياسي يُموّل فيه كلا الحزبين من قِبل الطبقة نفسها من المانحين الأثرياء، ويعتمدان عليها، وهي الطبقة نفسها التي كانت سائدة في عالم إبستين.
تُشكّل فضيحة إبستين سياقاً أساسياً لفهم الأهمية السياسية لرئاسة ترامب. فهو يُمثّل التعبير السياسي الأمثل، في قمة السلطة، عن تعفن 'المبادرة الحرة' الأمريكية.
إنّ سمات ترامب الموثقة جيداً من الكذب المرضي، والتحرش الجنسي العلني، وازدراء الأعراف القانونية، واستخدام سلطة الدولة بدافع الانتقام ضد الخصوم السياسيين، والنرجسية التي تُخضع جميع مسائل السياسة للولاء الشخصي ليست خفية. لكن هذا هو الرجل الذي هيمن على الحياة السياسية الأمريكية لأكثر من عقد. رُشّح لمنصب الرئيس عن الحزب الجمهوري ثلاث مرات، وانتُخب رئيساً مرتين. لم تُفلح محاكمتا عزله وإدانته بجناية في إنهاء مسيرته السياسية، ناهيك عن منعه من الوصول إلى البيت الأبيض.
يُعد تورط ترامب نفسه مع إبستين بحد ذاته درساً قيماً. فقد حافظ على علاقة اجتماعية طويلة مع هذا المجرم. وكان تعامل إدارته مع ملفات إبستين انتقائياً بشكلٍ واضح، حيث استُخدمت كسلاح ضد الخصوم السياسيين مع السعي في الوقت نفسه إلى التقليل من افتضاح أمره. وحقيقة أن كل هذا لا يُعدّ عائقاً سياسياً أمام ترشحه للرئاسة تكشف عن الحالة المزرية للنظام السياسي الأمريكي.
وتتجسد العلاقة بين ترامب وعملية التدهور الأمريكي في شعار 'لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً'. فهذا الشعار يستحضر نوعاً من الحنين الرجعي، شوقاً إلى عصر ذهبي مفقود ومتخيّل إلى حد كبير، عصر لا يمكن استعادته أبداً.
ثمة بُعدٌ مرتبط بسيرة حياة الرجل جديرٌ بالذكر في هذا الأمر، إذ إنّ حياة ترامب شملت مسار الرأسمالية الأمريكية في فترة ما بعد الحرب بأكملها، من ذروتها إلى وضعها الراهن من الإفلاس غير المُعترف به ولكنه حقيقيّ للغاية. وُلِدَ دونالد ترامب في 14 يونيو/حزيران 1946، أي بعد عامين فقط من مؤتمر برايتون وودز في يوليو/تموز 1944 الذي أرسى نظاماً نقدياً دولياً جديداً قائماً على قابلية تحويل الدولار الأمريكي إلى ذهب بسعر ثابت قدره 35 دولاراً للأونصة. لم يكن هذا الترتيب مجرد فكرة نظرية، بل كان متجذراً في الهيمنة الصناعية الساحقة للولايات المتحدة، التي خرجت من الحرب وهي تُسيطر على ما يقرب من نصف الإنتاج الصناعي العالمي، وتمتلك الغالبية العظمى من احتياطيات الذهب في العالم، وتمتلك جهازاً عسكرياً واقتصادياً لا مثيل له في التاريخ.
لكن التآكل المطرد لتلك الهيمنة الصناعية خلال العقدين السادس والسابع من القرن الماضي أجبر إدارة نيكسون على رفض نظام برايتون وودز. ففي 15 أغسطس/آب 1971، وبعد شهرين فقط من احتفال ترامب بعيد ميلاده الخامس والعشرين، علّق نيكسون قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، وهو إجراء مثّل النهاية الفعلية للنظام الاقتصادي لما بعد الحرب، واعترافاً بأن الرأسمالية الأمريكية لم تعد قادرة على دعم الترتيبات العالمية التي أنشأتها.
ويتلخص حجم ما حدث منذ ذلك الحين في رقم واحد. ففي عام 1971، كان سعر الذهب 35 دولاراً للأونصة. أما اليوم، فيُتداول بحوالي 5000 دولار للأونصة، أي بانخفاض قيمة الدولار بأكثر من 140 ضعفاً مقارنةً بالمعيار التاريخي للقيمة. هذا هو التعبير النقدي عن التراجع المطول للقوة الاقتصادية الأمريكية، وهو تراجع لا يمكن لأي قدر من الإنفاق العسكري أو الهندسة المالية أو الخطابات القومية أن يعكسه.
يعدّ 'لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً' ترامب باستعادة مكانة أمريكا عبر فرض تعريفات جمركية وقيود على الهجرة وترهيب الحلفاء والخصوم على حد سواء، بينما تستمر العمليات الاقتصادية الكامنة التي أدت إلى هذا التراجع في العمل بقوة لا هوادة فيها. ويجسد ترامب نفسه هذا التناقض: رجل وُلد في أوج القوة الأمريكية، وقضى حياته البالغة في مجتمع تآكلت أسسه الاقتصادية تدريجياً، وهو الآن يقترح عكس هذا المسار التاريخي بالعنف الصريح.
تُعدّ سياسات ترامب رداً متهوراً وعنيفاً على تدهور مكانة الرأسمالية الأمريكية عالمياً. ففي العقد السادس من القرن الماضي، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمعدل سنوي متوسط قدره 4.2%. وفي العقد السابع من القرن نفسه، بلغ 4.5%. وشكّلت الصناعات التحويلية ما بين 21 و25% من الناتج المحلي الإجمالي. وتُظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل أن الصناعات التحويلية، في ذروة ما بعد الحرب في أيلول / سبتمبر 1953، وظّفت 16.4 مليون عامل، أي ما عادل ثلث إجمالي الوظائف.
تُظهر بيانات مكتب التحليل الاقتصادي، المستقاة من جداول أرباح الشركات، أن قطاع التصنيع ساهم بنسبة 46.1% من إجمالي أرباح الشركات عام 1962، بينما لم تتجاوز مساهمة القطاع المالي 15.1%.
كان تباطؤ النمو الاقتصادي مستمراً ومتواصلاً. انخفض متوسط النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي من أكثر من 4% في العقدين السادس والسابع من القرن الماضي إلى حوالي 3% في العقدين الثامن والتاسع، ثم إلى أقل من 2.5% في العقود اللاحقة. وكانت فترة العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كارثية بشكل خاص، حيث بلغ متوسط النمو 1.9% فقط، متأثراً بانهيار فقاعة الإنترنت والأزمة المالية الكارثية عام 2008. في الوقت نفسه، تراجعت حصة قطاع التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي من 25% إلى حوالي 10%.
إن مسار التوظيف في قطاع التصنيع كارثي بنفس القدر. تُظهر بيانات الرواتب الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل هذا التراجع بدقة متناهية: فمن 32.5% من إجمالي العمالة غير الزراعية عام 1953، انخفض قطاع التصنيع إلى 25.7% عام 1970، ثم إلى 16.2% عام 1990، ثم إلى 8.7% عام 2010، وصولاً إلى 8.0% فقط في كانون الثاني يناير 2025، أي ما يُعادل عُشر القوى العاملة تقريباً.
وتُظهر حصة أرباح الشركات نفس الصورة من منظور آخر: ففي عام 1962، حقق قطاع التصنيع 46.1% من إجمالي أرباح الشركات، بينما حقق القطاع المالي 15.1%. وبحلول عام 1990، تقاربت النسبتان تقريباً، حيث بلغت حصة التصنيع 27.8%، والقطاع المالي 29.7%. وبحلول عام 2010، بلغت حصة القطاع المالي 23.9%، بينما انخفضت حصة التصنيع إلى 15.4%. تراجعت مساهمة قطاع التصنيع من نحو نصف إجمالي الأرباح في منتصف القرن إلى جزء ضئيل، بينما تضاعفت حصة القطاع المالي تقريباً. ويُعزى تراجع الصناعة في أمريكا إلى تفاعل قوى اقتصادية موضوعية مؤثرة وقرارات سياسية متعمدة من الطبقة الحاكمة، والتي انتهجتها الأحزاب السياسية، سعياً وراء تحقيق عوائد مالية قصيرة الأجل.
لم يكن رد فعل الطبقة الحاكمة على هذه الأزمة غير منطقي من وجهة نظر رأس المال. فإذا لم يعد الفائض الاقتصادي ينمو بالسرعة الكافية لدعم أرباح الشركات والتنازلات الاجتماعية، كان لا بد من سحب تلك التنازلات. إن الهجوم على النقابات العمالية، وتحرير القطاع المالي، وخفض الضرائب على الأثرياء، وتقليص البرامج الاجتماعية، ونقل الصناعات التحويلية إلى الخارج، كل هذا، الذي سعى إليه الحزبان بكثافة متزايدة منذ عهد ريغان فصاعداً، مثّل استراتيجية طبقية متماسكة لاستعادة معدل الربح على حساب الطبقة العاملة.
وتتجلى نتائج هذه الاستراتيجية الطبقية في إحصاءات تركز الثروة وعدم المساواة الاجتماعية، وهي أرقام بالغة التطرف لدرجة أنها كانت ستُعتبر من اختراعات دعاة الاشتراكية، لولا أنها مستقاة من قواعد بيانات التحوط الفيدرالي نفسه.
تُظهر بيانات التحوط الفيدرالي للربع الثالث من عام 2025 أن أغنى 1% من الأسر الأمريكية سيطرت على 31.7% من إجمالي ثروة البلاد، وهي أعلى نسبة مُسجلة منذ أن بدأ التحوط الفيدرالي بتتبع ثروات الأسر في عام 1989. امتلكت هذه النسبة ما يقارب 55 تريليون دولار من الأصول، وهو مبلغ يُعادل تقريباً ثروة 90% من السكان الأمريكيين مجتمعين. سيطرت نسبة الـ 10% الأغنى على أكثر من ثلثي إجمالي ثروة الأسر. في المقابل، لم تمتلك نسبة الـ 50% من الأسر الأمريكية، أي حوالي 66 مليون أسرة، سوى 2.5% من إجمالي الثروة. يمتلك أغنى 1% من السكان ثروة تفوق ما يمتلكه 90% من السكان. فلنتأمل هذا الرقم.
إن مسار هذا التركيز عبر الزمن لا يقل خطورة. ففي عام 1989، امتلكت شريحة الـ 50% الأدنى من السكان 3.4% فقط من إجمالي الثروة، وهي نسبة ضئيلة للغاية. وبحلول عام 2025، تآكلت هذه النسبة الضئيلة أكثر. في المقابل، نمت حصة شريحة الـ 0.1% الأعلى بنحو 60% خلال الفترة نفسها. يمتلك 905 من المليارديرات في الولايات المتحدة اليوم ثروة إجمالية قدرها 7.8 تريليون دولار، أي ما يقارب ضعف ثروة النصف الأدنى من السكان. ثلاثة أفراد فقط يملكون ثروة تفوق ثروة 160 مليون أمريكي من ذوي الدخل المحدود مجتمعين.
وتتجلى الفجوة الشاسعة بين أصحاب الأعمال والعمال بوضوح في نسبة تعويضات الرؤساء التنفيذيين إلى أجور العمال العاديين. فوفق مصادر معهد السياسة الاقتصادية، بلغ متوسط تعويضات الرؤساء التنفيذيين لأكبر 350 شركة أمريكية مدرجة في البورصة 23 مليون دولار في عام 2024، أي ما يعادل 281 ضعف أجر العامل العادي. في عام 1965، كانت هذه النسبة 21 إلى 1. وفي عام 1978، بلغت 31 إلى 1. ومنذ ذلك الحين، تضاعفت عشر مرات تقريباً. وفي الشركات الأكثر استغلالاً، تتجاوز هذه النسبة كل تصور: فقد حصل الرئيس التنفيذي لشركة ستاربكس على 97.8 مليون دولار في عام 2024، أي ما يعادل 6666 ضعف متوسط رواتب موظفي الشركة.
منذ عام 1978، ارتفعت أجور الرؤساء التنفيذيين بنسبة 1094%. وفي الفترة نفسها، لم تتجاوز الزيادة في أجور العامل العادي 26%، بينما نما صافي الإنتاجية بأكثر من 80%. وقد استولت الطبقة الرأسمالية على جميع مكاسب إنتاجية العمل تقريباً منذ العقد الثامن من القرن الماضي.
وتتغلغل تبعات هذا التفاوت في جميع جوانب الحياة الأمريكية. إذ يستحوذ أعلى 10% من أصحاب الدخل حالياً على ما يقارب نصف إجمالي الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة، وهي نسبة ارتفعت من 43% عام 2020 إلى 49% عام 2025. ويتزايد اعتماد الاقتصاد الأمريكي على أنماط استهلاك الأثرياء، في حين يعاني غالبية السكان من ركود الأجور، وتراكم الديون، وارتفاع تكاليف السكن والرعاية الصحية والتعليم.
انخفض متوسط العمر المتوقع بين الأمريكيين من الطبقة العاملة، وهي ظاهرة غير مسبوقة تقريباً في دولة صناعية متقدمة. يُعدّ وباء المواد الأفيونية وما يصاحبه من 'وفيات اليأس' الناجمة عن الانتحار وإدمان الكحول والجرعات الزائدة من المخدرات، من التداعيات الفزيولوجية لنظام اجتماعي حكم على عشرات الملايين من الناس بحياة تتسم بانعدام الأمن الاقتصادي والتدهور الاجتماعي واليأس.
كشف رد الفعل الحزبي على تفشي جائحة كوفيد-19 في كانون الثاني/يناير 2020 عن تغليب الأرباح على حياة الناس. وتحت ضغط الطبقة العاملة المباشر، رضخت الطبقة الحاكمة لفترة وجيزة لمطالب إغلاق المصانع لوقف انتشار فيروس سارس-كوف-2. ولكن ما إن صوّت الكونغرس على خطة إنقاذ ضخمة لوول ستريت، حتى تحوّل الاهتمام إلى إجبار الناس على العودة إلى العمل بغض النظر عن الخسائر في الأرواح.
قدّم توماس فريدمان، وهو كاتب عمود ليبرالي في صحيفة نيويورك تايمز و'رسول إمبريالي'، شعاراً لرفض تدابير الصحة العامة الفعّالة والراسخة: 'لا تجعلوا العلاج (أي وقف انتقال الفيروس على حساب الأرباح) أسوأ من المرض'. وكانت النتائج كارثية: أكثر من 1.5 مليون حالة وفاة كان من الممكن تجنبها في الولايات المتحدة، وما لا يقل عن 30 مليون حالة وفاة كان من الممكن تجنبها على الصعيد الدولي. مرت ست سنوات، ولا تزال الجائحة تُقوّض الصحة العامة بشكل خطير. لكن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 ومؤشر داو جونز الصناعي قد تجاوزا ضعف مستواهما في عام 2020.
هذه هي الحقيقة الاجتماعية الكامنة وراء ارتفاع مؤشرات سوق الأسهم. لقد تقيأت الطبقة الحاكمة كلاً من ترامب وإبستين، ورفعتهما إلى مناصب ذات سلطة ونفوذ هائلين. إن تراكم الثروة الفاحشة في القمة لا ينفصل عن استغلال وإفقار غالبية السكان. العلاقة بينهما هيكلية. إن نفس العمليات التي أثرت الطبقة الرأسمالية، اي تدمير النقابات العمالية، وإلغاء القيود المالية، وتقليص البرامج الاجتماعية، ونقل الإنتاج إلى الخارج، أدت في الوقت نفسه إلى إفقار الطبقة العاملة وخلق ظروف اليأس الاجتماعي التي يتغذى عليها الديماغوجيون السلطويون مثل ترامب.
مع تراجع عوائد الاستثمار الإنتاجي، اتجهت رؤوس الأموال بشكل متزايد نحو المضاربة المالية، أي المشتقات المالية، وعمليات الاستحواذ بالرافعة المالية، وفقاعات الأصول، ومنظومة المضاربة في وول ستريت بأكملها التي تستنزف الثروة دون إنتاج أي شيء. وجسد فساد ترامب الشخصي هذا العالم.
لكن على الرغم من كل تهديداته، لا يوجد أي أثر للمعجزة الاقتصادية التي وعد بها ترامب. بل على العكس، يستمر التدهور بوتيرة متسارعة وواضحة، تماماً كما هو الحال مع تدهور صحة ترامب الجسدية والنفسية. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في 2 شباط /فبراير 2026:
إن الطفرة الصناعية التي وعد بها الرئيس ترامب بأنها ستُبشّر بعصر ذهبي لأمريكا تسير في الاتجاه المعاكس. فبعد سنوات من التدخلات الاقتصادية من قبل إدارتي ترامب وبايدن، انخفض عدد الأمريكيين العاملين في قطاع التصنيع إلى أدنى مستوى له منذ انتهاء الجائحة.
فوفق إحصاءات فيدرالية، صرفت المصانع عمالها في كل شهر من الأشهر الثمانية التي تلت إعلان ترامب عن تعريفات 'يوم التحرير'، مما أدى إلى انكماش اقتصادي شهد اختفاء أكثر من 200 ألف وظيفة منذ عام 2023.
ولا يقتصر انكشاف إفلاس الترامبية على قطاع الإنتاج الصناعي فحسب، بل يتجلى الطابع الوهمي لشعار 'لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً' (MAGA) بشكل أوضح في حالة الدولار الأمريكي، الذي يُعدّ مقياساً لتراجع قيمة الدولار الأمريكي بالعملات الصعبة. فبدلاً من أن يُعيد الدولار قوته، يستمر في فقدان قيمته. وفي المقال الرئيسي بعنوان 'الدولار الخطير'، المنشور في عدد 6-13 شباط /فبراير، ذكرت مجلة الإيكونوميست:
منذ بلوغه ذروته في كانون الثاني /يناير 2025 (عندما عاد ترامب إلى منصبه)، فقد الدولار عُشر قيمته مقابل سلة من العملات. ونتيجة لذلك، كان أداء الأصول الأمريكية ضعيفاً من حيث العملات الأجنبية. فعلى سبيل المثال، بالكاد ارتفعت أسعار الأسهم الأمريكية المقومة باليورو خلال العام الماضي.
اعتقد ترامب أنه يستطيع الإفلات من تبعات انهيار الدولار، بل وإثراء نفسه وعائلته، من خلال الترويج للبيتكوين كبديل، بل وتأمين مخزن قيمة أفضل. حقق تسويقه لهذا الحل السحري نجاحاً مبدئياً، إذ ارتفع سعر البيتكوين إلى أكثر من 120 ألف دولار. لكن الواقع كان له ثمنه، إذ تراجعت حمى العملات الرقمية، وانخفض سعر البيتكوين إلى ما بين 65 و70 ألف دولار، وهو السعر الذي كان عليه قبل إعادة انتخاب ترامب في تشرين الثاني /نوفمبر 2024. ويتزايد الشك في أنه لم يصل بعد إلى أدنى مستوياته المحتملة. وقد يضطر حاملو البيتكوين في المستقبل إلى قياس قيمتهم بعدد زهور التوليب التي يمكن استبدالها بها.
لا يمكن إنكار العلاقة بين التدهور الاقتصادي، والتبعية، والاعتماد المتزايد على العنف العسكري. إن اللجوء إلى العنف وتزايد رفض الدولة الأمريكية للشرعية متجذران في هشاشة اقتصادية ومالية حادة. فعبء الدين العام الهائل والعجز الهيكلي المستمر يحدّان من خيارات السياسة العامة، ويجعلان النظام يعتمد بشكل متزايد على إعادة التمويل المستمر، وانخفاض تكاليف الاقتراض الحقيقية، والطلب العالمي المتواصل على الأصول المقومة بالدولار. في الوقت نفسه، تستند أسواق الأسهم، ولا سيما شركات التكنولوجيا الكبرى، إلى تقييمات تفترض نموًا غير محدود في الأرباح وظروف سيولة مواتية بشكل دائم؛ وأي إعادة تسعير مستمرة تهدد بتأثير سلبي على الثروة، وتقليص الشركات، وضغوط على أسواق البنوك والائتمان.
تعمل الدولة الفيدرالية تحت عبء ديون وفوائد يحد بشكل حاد من مجال المناورة: بلغ إجمالي الدين العام الأمريكي 38.43 تريليون دولار في 7 يناير 2026 (بما في ذلك 30.81 تريليون دولار مملوكة للجمهور)، في حين بلغت تكاليف الفائدة الصافية حوالي 970 مليار دولار في السنة المالية 2025، أي ما يقرب من 3.2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي و13.8 بالمائة من الإنفاق الفيدرالي.
The US federal debt [Photo: FRED]
في ظل هذه الظروف، يصبح الإكراه والأساليب غير القانونية أدواتٍ للدفاع عن تضخم الأصول، وفرض قنوات التمويل الخارجية، وقمع المعارضة الداخلية للتقشف والحرب.
إن الوضع الذي واجهته إدارة ترامب المتمثل في دين وطني هائل، وتدهور العملة، وتراجع الإنتاج الصناعي، وفقدان الأسواق العالمية، إلخ - يُشبه الظروف التي واجهها النظام النازي في عامي 1937-1938. وكما كتب المؤرخ البارز للرايخ الثالث، تيم ماسون:
كان 'الحل' الوحيد المتاح لهذا النظام للتوترات والأزمات الهيكلية الناتجة عن الديكتاتورية وإعادة التسلح هو المزيد من الديكتاتورية والمزيد من إعادة التسلح، ثم التوسع، ثم الحرب والإرهاب، ثم النهب والاستعباد. كان البديل القاسي والحاضر دائماً هو الانهيار والفوضى، ولذا كانت جميع الحلول مؤقتة، ومضطربة، ومحاولات يائسة، وارتجال همجي متزايد تدور حول موضوع همجي. ... كانت الحرب من أجل نهب القوى العاملة والموارد جزءًا لا يتجزأ من المنطق المروع للتنمية الاقتصادية الألمانية في ظل الحكم الاشتراكي الوطني. ]النازية والفاشية والطبقة العاملة (كامبريدج، 1995)، ص 51[
مع تراجع القدرة التنافسية للرأسمالية الأمريكية على الصعيد الإنتاجي، ازداد اعتمادها على القوة العسكرية والإكراه للحفاظ على مكانتها العالمية. لم تكن حروب العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا حالات شاذة، بل تعبيراً عن نظام ما عاد قادراً على تأمين مصالحه بالاعتماد على الديناميكية الاقتصادية وحدها. إن تطبيع الحرب الدائمة، والاغتيالات بطائرات بدون طيار، والتعذيب، والاعتقال التعسفي، يُمثل انحداراً في الحياة السياسية، ينعكس حتماً على السياسة الداخلية.
يُطبق ترامب في سياسته الخارجية أساليب المافيا في زمن الحظر. فبعد أن أوصلته الطبقة الحاكمة الأمريكية إلى السلطة، لم يعد تحت تصرفه مجرد رشاشات طومسون التي استخدمها آل كابوني، بل ترسانة الإمبريالية الأمريكية بأكملها، وهي القوة العسكرية الأكثر قدرة على التدمير في تاريخ البشرية، بما في ذلك آلاف الرؤوس النووية القادرة على إنهاء الحضارة. هذا هو الخطر الجوهري للوضع الراهن: أساليب رجل عصابات، مدعومة بأسلحة قوة عظمى، تُستخدم في خدمة طبقة حاكمة فقدت القدرة على اتخاذ القرارات الرشيدة.
يمثل تصاعد العدوان الإمبريالي الأمريكي في عهد ترامب، من غزو فنزويلا، والتهديدات الصريحة بضم كندا وغرينلاند، والاستعدادات لهجوم عسكري على إيران، تصعيدا نوعيا صدم الحلفاء الأوروبيين في حلف الناتو، الذين لم يتوقعوا هذا التحول المفاجئ في السياسة الأمريكية. بل فوجئوا به.
لكن هذا الانفجار الهائل للإمبريالية الأمريكية كان متوقعاً منذ زمن بعيد، بدقة ملحوظة، من قبل تروتسكي والحركة التي أسسها. ففي عام 1928، كتب تروتسكي في أعقاب ازدهار ما بعد الحرب وعلى أعتاب الكساد الكبير، محذراً:
في فترة الأزمة، ستعمل هيمنة الولايات المتحدة بشكل أكمل وأكثر وضوحًا وقسوة مما كانت عليه في فترة الازدهار. ستسعى الولايات المتحدة إلى التغلب على صعوباتها وأمراضها والتخلص منها في المقام الأول على حساب أوروبا، بغض النظر عما إذا كان ذلك سيحدث في آسيا، أو كندا، أو أمريكا الجنوبية ، أو أستراليا أو أوروبا نفسها، أو ما إذا كان ذلك سيحدث سلمياً أو من خلال الحرب.
ما اكتفِى تروتسكي بالتنبؤ بنزعة عامة نحو الصراع الإمبريالي، بل حدد بدقة متناهية النطاق الجغرافي لطموحات الإمبريالية الأمريكية العدوانية والهمجية التي ستُمارس بها. وبعد قرابة قرن من الزمان، يُهدد ترامب سيادة كندا، ويُسيطر على قناة بنما، ويغزو فنزويلا، ويُطالب بتنازل الدنمارك عن غرينلاند، ويُهدد إيران بالدمار العسكري.
في عام 1934، مع صعود الفاشية الألمانية واقتراب الحرب العالمية الثانية، عزز تروتسكي هذا التحليل قائلاً: 'العالم منقسم؟ لا بد من إعادة تقسيمه. بالنسبة لألمانيا، كان الأمر يتعلق ب'تنظيم أوروبا' أما الولايات المتحدة، فعليها 'تنظيم' العالم. التاريخ يُجبر البشرية على مواجهة ثوران الإمبريالية الأمريكية'. هذه العبارة، ثوران الإمبريالية الأمريكية، لا تقتصر على أن تكون استعارة عفا عليها الزمن، بل هي تنبؤ علمي يتحقق.
لقد وثّق التحليل الذي قدمناه حتى الآن، بتفصيل كبير، انحلال النظام الرأسمالي وطبقته الحاكمة وتدهورهما. لكن سيكون من الخطأ السياسي الفادح، استسلاماً لليأس والتشاؤم، الاقتصار على رؤية التهديد في الوضع الراهن. فالأزمة لا تحمل معها خطر الفاشية والحرب فحسب، بل تحمل أيضاً إمكانية حدوث ثورة اجتماعية. في الواقع، إن التناقضات نفسها التي تدفع الطبقة الحاكمة نحو الاستبداد والعسكرة تخلق في الوقت نفسه الظروف لحركة ثورية للطبقة العاملة على نطاق دولي.
ما هو السبب الجذري للأزمة؟ ليس، كما يُشير المعلقون البرجوازيون باستمرار، فشلاً في القيادة، أو نقصاً في التحضر، أو انهياراً للمعايير الديمقراطية. فهذه أعراض. السبب بنيوي ومنهجي وهو التناقض الجوهري بين الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والطابع الاجتماعي المتزايد لعملية الإنتاج نفسها. هذا هو التناقض المركزي الذي حدده ماركس، وقد بلغ تأثيره في عصرنا الحالي حدةً غير مسبوقة تاريخياً.
يُضاف إلى ذلك تناقضٌ ثانٍ وثيق الصلة: بين نمو الاقتصاد العالمي، أي تطور نظام عالمي حقيقي للإنتاج والتبادل والتواصل، ونظام الدولة القومية البالي الذي لا تزال السلطة السياسية مُنظَّمة في إطاره. إن ظهور شبكات الإنتاج العابرة للحدود، وسلاسل التوريد العالمية التي تمتد عبر عشرات البلدان، والتواصل الفوري في جميع أنحاء العالم، جعلت الدولة القومية قيداً على التطور العقلاني لقوى الإنتاج. يتدفق رأس المال بحرية عبر الحدود؛ وتُنظَّم العمالة على المستوى الدولي؛ ويتردد صدى أي خلل في مصنع لأشباه الموصلات في تايوان في مصانع السيارات في ميشيغان، وفي خطوط تجميع الإلكترونيات في غوانغدونغ، وفي مراكز البيانات في فرجينيا. ومع ذلك، لا تزال السلطة السياسية حبيسة الحدود الوطنية، تمارسها الطبقات الحاكمة التي تُملي حساباتها الاستراتيجية المصالح التنافسية للرأسماليات الوطنية المتنافسة.
تسعى البرجوازية الإمبريالية الأمريكية إلى حل هذا التناقض من خلال فرض القوة العسكرية، عبر إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية العالمية بالقوة لصالحها. هذا هو جوهر سياسة ترامب الخارجية، مجردة من غلافها المعتاد 'للدفاع عن العالم الحر'.
إلا أن هناك قوة أخرى أفرزتها عملية العولمة نفسها، قوة لم تكن البرجوازية راغبة في خلقها، ولا تزال آثارها الثورية غير مفهومة تماماً. فقد أدى التكامل العالمي للإنتاج إلى ظهور طبقة عاملة عالمية ضخمة، ذات حجم وتركيز وترابط موضوعي غير مسبوق في تاريخ البشرية.
شهد العالم خلال نصف القرن الماضي، العالم تحولاً هائلاً في تحضره وتحوله إلى طبقة عاملة. ففي أمريكا اللاتينية، ارتفعت نسبة سكان المدن من 57% عام 1970 إلى أكثر من 80% اليوم، مما أدى إلى تجمعات هائلة من الطبقة العاملة في مدن مثل ساو باولو، ومكسيكو سيتي، وبوينس آيرس، وبوغوتا، وليما. وفي أفريقيا، نما عدد سكان المدن من حوالي 80 مليون نسمة عام 1970 إلى أكثر من 700 مليون نسمة، أي بزيادة قاربت تسعة أضعاف. وفي أنحاء آسيا في الصين، والهند، وإندونيسيا، وفيتنام، وبنغلاديش، والفلبين، انخرط مئات الملايين من الفلاحين في الإنتاج الصناعي خلال جيل واحد. وشهدت الصين وحدها أكبر هجرة في التاريخ، حيث انتقل نحو 300 مليون شخص من المناطق الريفية إلى المدن الصناعية منذ العقد التاسع من القرن الماضي. وبلغ عدد أفراد الطبقة العاملة في العالم اليوم مليارات.
إن الطابع العابر للحدود للإنتاج الحديث وسلاسل التوريد العالمية يوحدان هذه الطبقة العاملة بشكل موضوعي لا مثيل له في التاريخ. فإضراب في ميناء لوس أنجلوس يؤثر على مصانع التجميع في ووهان، وإضراب عمال المناجم في جنوب إفريقيا يعطل التصنيع في ألمانيا. أما العمال الذين ينتجون هاتفاً ذكياً واحداً، بدءاً من استخراج المعادن الأرضية النادرة في الكونغو، مروراً بتكرير الليثيوم في تشيلي، وتصنيع الرقائق في كوريا الجنوبية، والتجميع في شنتشن، وتطوير البرمجيات في بنغالور وكوبرتينو، مرتبطون بسلسلة إنتاج تمتد عبر القارات وتجعل الحدود الوطنية غير ذات جدوى من الناحية التقنية. هذا التكامل الموضوعي للطبقة العاملة العالمية يخلق إمكانيات ثورية غير مسبوقة تاريخياً. والمطلوب هو التعبير السياسي الواعي عن هذه الوحدة الموضوعية، أي برنامج اشتراكي دولي وحزب ثوري دولي.
ناهيك عن إنه على الرغم من هيمنة التيار الرجعي سياسياً، شهد نصف القرن الماضي ما يُمكن وصفه بحق بأنه أعظم ثورة علمية وتكنولوجية في تاريخ البشرية. فقد شهد كل مجال من مجالات العلوم تحولاً استثنائياً.
ففي علم الأحياء، فتح تسلسل الجينوم البشري، وتطوير تقنية كريسبر لتعديل الجينات، والثورة في علاجات الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)، التي تجلّت بسرعة غير مسبوقة خلال جائحة كوفيد-19، آفاقاً جديدة للتغلب على الأمراض التي بدت في الماضي ضرباً من الخيال قبل جيل واحد.
وفي علم الفلك والفيزياء، غيّر اكتشاف موجات الجاذبية، وتصوير الثقوب السوداء، واكتشاف آلاف الكواكب الخارجية، والدقة الفائقة لتلسكوب جيمس ويب الفضائي، فهمنا للكون.
وفي الكيمياء وعلوم المواد، أثبت تطوير المحفزات الجديدة والمواد النانوية وتقنيات الطاقة المستدامة، بما في ذلك التقدم الهائل في كفاءة الخلايا الشمسية وتخزين الطاقة بالبطاريات، وجود الأساس التقني اللازم للانتقال من الوقود الأحفوري.
أما في الطب، فإن التطورات في العلاج المناعي وزراعة الأعضاء والتصوير التشخيصي وفهم الميكروبيوم أدت إلى توسيع آفاق الصحة البشرية بشكل جذري.
والآن، لدينا الذكاء الاصطناعي (أو كما يُفضل تسميته، الذكاء المُعزز). يُمثل تطوير نماذج لغوية ضخمة، وأنظمة تعلم آلي قادرة على التنبؤ ببنية البروتين، واكتشاف الأدوية بمساعدة الذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل، ثورة تكنولوجية لم تبدأ تداعياتها إلا في الظهور. في ظل النظام الرأسمالي، يُطوَّر الذكاء الاصطناعي في المقام الأول كأداة لاستخلاص الأرباح، لتكثيف استغلال العمالة، وتوسيع نطاق المراقبة، والتلاعب بسلوك المستهلك، واستبدال العمال دون أي ضمانات لمعيشتهم.
لكن لنتأمل للحظة ما يمكن أن يحققه الذكاء المعزز لو تم فصله عن متطلبات الربح الرأسمالي ووضع تحت السيطرة الديمقراطية للطبقة العاملة. إن إمكانيات التخطيط الاجتماعي، من التوزيع الرشيد للموارد، إلى تحسين الإنتاج لتلبية الاحتياجات الإنسانية بدلاً من تعظيم الثروة الخاصة، والحد من الهدر وتدمير البيئة، وتحرير الإنسان من العمل المتكرر والمهين، هائلة. يمكن للذكاء الاصطناعي تحت سيطرة العمال أن يكون أداةً للتحرر لا للاستغلال، مما يتيح مستوى من التخطيط والتنسيق الاقتصادي لطالما حلمت به الحركة الاشتراكية، لكنها لم تمتلك من قبل الوسائل التقنية لتحقيقه.
التناقض صارخ. فالبشرية تمتلك، لأول مرة في تاريخها، المعرفة العلمية والقدرة التكنولوجية لحلّ أكثر مشاكل الوجود المادي جوهريةً كالجوع والمرض وتدهور البيئة وكدح العمل الاستغلالي. ومع ذلك، فإن هذه القدرات حبيسة نظام اجتماعي يُخضعها لتراكم الأرباح الخاصة، ويُوجّه العبقرية العلمية نحو الهندسة المالية وتطوير الأسلحة، ويسمح للأطفال بالموت جوعاً في حين تُحسّن الخوارزميات عائدات الإعلانات. هذا ليس اتهاماً للتكنولوجيا نفسها، بل للنظام الاجتماعي الذي تُوظّف فيه. إن تحرير العلم والتكنولوجيا من قبضة الملكية الرأسمالية الخاصة هو مهمة حاسمة للثورة الاشتراكية.
تشكل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي تسيطر عليها الأوليغارشية الحاكمة مخاطر جسيمة. لكن استخدامها من قبل الحركة الماركسية والاشتراكية يفتح أيضاً آفاقاً غير مسبوقة للتنوير السياسي للطبقة العاملة. وكما أوضح موقع ' الاشتراكية العالمية' عند إطلاقه مشروع 'الاشتراكية بالذكاء الاصطناعي' في كانون الأول/ ديسمبر 2025:
تكمن الأهمية الحاسمة لمشروع 'الاشتراكية بالذكاء الاصطناعي' في قدرته على سد الفجوة بين الحركة الموضوعية للطبقة العاملة والمستوى الذاتي للوعي الاشتراكي. لطالما أكدت الماركسية أن نضالات العمال العفوية، مهما بلغت قوتها، لا تُنتج في حد ذاتها رؤية ثورية متماسكة. لا بد من تنمية الوعي، واستيعاب التجربة التاريخية، وتحقيق الفهم النظري. تسمح التطورات التكنولوجية في عصرنا الحالي بنقل الأفكار بسرعة على نطاق عالمي، مما يمكّن الطبقة العاملة من تطوير فهمها السياسي بوتيرة تتناسب مع الأزمة الموضوعية.
لم تقم اللجنة الدولية للأممية الرابعة وموقع الاشتراكية العالمية بتحليل الأزمة العالمية للنظام القديم المعاصر فحسب - تفكك الطبقة الحاكمة، والانهيار الاقتصادي، وصعود الإمبريالية الأمريكية، وصعود السياسات الفاشية، وانهيار الأنظمة الديمقراطية. كما تنبأت بها بدقة ملحوظة قبل سنوات من الأحداث الجارية.
ففي مارس/آذار 2016، عقب فوز ترامب الساحق في انتخابات الثلاثاء الكبير التمهيدية، نشر موقع الاشتراكية العالمية مقالاً تحليلياً جاء فيه:
لم يعد بالإمكان تجاهل ترشيح دونالد ترامب، كما كان الحال حتى وقت قريب من قبل العديد من المحللين، - على إنه ليس إلا حدث جانبي غريب، بل ومثير للفضول نوعاً ما. فبينما لا تزال النتيجة غير محسومة، فإن المرشح الأوفر حظاً لنيل ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة هو مرشح تتسم شخصيته وجاذبيته بطابع فاشي واضح.
حددت المقالة الجذور المادية لجاذبية ترامب في التدهور الاقتصادي الذي تعاني منه الطبقة العاملة، وحذرت من أن فشل اليسار الزائف والحزب الديمقراطي في معالجة الأزمة الاجتماعية يُهيئ الظروف لظهور الشعبوية اليمينية.
بعد شهرين، في مايو/أيار 2016، نشر موقع WSWS تحليلاً إضافياً حذر من أن بروز ترامب كمرشح جمهوري مُفترض يُمثل 'نقطة تحول خطيرة في السياسة الأمريكية والعالمية'، وأن 'اختيار شعبوي فاشي مرشحاً لأحد الحزبين الرأسماليين الرئيسيين دليل قاطع على المرحلة المتقدمة من تدهور الديمقراطية الأمريكية'. وخلصت المقالة إلى استنتاج تاريخي أوسع: 'إن ترشيح ترامب ليس حدثاً عابراً أو عرضياً، بل هو متجذر في الأزمة المُطوّلة للرأسمالية الأمريكية وما يرتبط بها من انهيار إطارها التاريخي البرجوازي الديمقراطي'.
حذّر موقع WSWS، في مايو/أيار 2016، أي قبل ستة أشهر من الانتخابات، من أنه حتى لو لم يفز ترامب، 'فسيتم تمهيد الطريق لشخصية أكثر تهديداً، وسواءً كان ترامب على رأسها أم لا، فإن الحكومة التي ستتولى السلطة في يناير/كانون الثاني ستكون الأكثر رجعية وعنفاً واستبداداً في التاريخ الأمريكي'. هذه الكلمات، التي كُتبت قبل نحو عقد من الزمان، لا تُقرأ اليوم كتنبؤات، بل كوصف لحقيقة راسخة. لم تتوصل اللجنة الدولية للأممية الرابعة (ICFI) إلى تلك الرؤى صدفةً، أو من خلال تخمينات مُلهمة. بل انبثقت من تطبيق المنهج الماركسي، من تحليل قائم على التناقضات الموضوعية للنظام الرأسمالي، والتجربة التاريخية للطبقة العاملة العالمية، والإرث النظري للحركة التروتسكية.
فمن خلال بناء حزب ماركسي تروتسكي، تستطيع الطبقة العاملة أن تُنمّي فهماً واعياً للوضع التاريخي وأن تُحقق التحول الاشتراكي للمجتمع. إن حقيقة أن اللجنة الدولية للأممية الرابعة، وحزب المساواة الاشتراكية، وموقع WSWS قد استبقوا الأزمة الراهنة، وحددوا طابعها الطبقي، وصاغوا برنامجاً للتعبئة السياسية المستقلة للطبقة العاملة، تُثبت وجود الأدوات النظرية والسياسية اللازمة لهذه المهمة. لا حاجة لابتكارها من الصفر، بل يجب تبنيها ودراستها وتطبيقها.
ما هي الاستنتاجات التي يجب استخلاصها إذن؟
ترامب ليس هو المرض، بل هو العارض الأكثر تقدماً. وسيكون من أخطر الأوهام الاعتقاد بإمكانية حل الأزمة بإزاحته من منصبه عبر الانتخابات. من المستبعد جداً أن تُجرى انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، فضلاً عن أي انتخابات رئاسية مستقبلية، في ظل ظروف تُحاكي المعايير الديمقراطية. ترامب يُمهّد بالفعل الطريق لقمع الانتخابات أو التلاعب بها. من الواضح أنه سيستخدم قوات الولايات، نفس عملاء إدارة الهجرة والجمارك والضباط الفيدراليين الذين احتلوا مينيابوليس، لترهيب الناخبين ومنعهم من الإدلاء بأصواتهم. بعد أن أتيحت له فرصة كافية للاستعداد، تعلّم الكثير من فشل محاولته الانقلابية في 6 كانون الثاني /يناير 2021. لن تكون المحاولة القادمة مجرد أعمال شغب مرتجلة من قبل حشد من المتعصبين غير المنظمين، بل ستُنفذ باستخدام كامل أجهزة الحكومة الفيدرالية المتاحة له.
وحتى لو تدخلت الطبيعة وأُزيح ترامب من الساحة، فلن يتوقف الانزلاق نحو الديكتاتورية. سيظهر 'ترامب' جديد، ربما أكثر صقلاً لكنه لا يقل شراً. إن القوى الموضوعية التي صنعت ترامب، أي أزمة الرأسمالية الأمريكية، وتدهور قاعدتها الإنتاجية، وهيمنة التطفل المالي، وتفكك المؤسسات الديمقراطية تحت وطأة عدم المساواة الاجتماعية، ستُشكل سياسات خليفته.
تمثل إدارة ترامب انهياراً حاسماً للتقاليد الديمقراطية البرجوازية وانتقالاً أكثر وضوحاً نحو الديكتاتورية. لكن هذا يُنذر بتصعيد هائل للصراع الطبقي العلني والانتقال إلى ثورة اجتماعية.
لن ينبثق حل أزمة الرأسمالية الأمريكية من المؤسسات القائمة وإطار السياسة البرجوازية. بل سيتبلور هذا الحل فقط خارج الإطار السياسي القائم والنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي يدافع عنه، وفي معارضةٍ لا هوادة فيها.
ليست هذه وجهة نظر مثالية. فقد كشفت استجابة ملايين الأمريكيين للهجوم على الحقوق الديمقراطية عن بدء عملية تطرف سياسي.
لن يُحسم السؤال المطروح في عنوان هذا الكتاب، 'إلى أين تتجه أمريكا؟' في النقاشات الأكاديمية، بل في الصراع الطبقي. من غير المسؤول الاستهانة بحجم فظاعة الطبقة الحاكمة الأمريكية المضادة للثورة. لكن من قصر النظر الكارثي، فضلاً عن كونه مُضراً بالنفس، تجاهل القوة الكامنة والإمكانات الثورية للطبقة العاملة. من منظور الظروف الموضوعية، يتجه التطور بلا شك نحو الاشتراكية. لكن هذه الإمكانات الموضوعية يجب أن تجد تعبيراً عنها في الوعي الذاتي للطبقة الثورية.
من الأهمية السياسية البالغة أن المظاهرات الحاشدة ضد إدارة ترامب تبنت، بشكل شبه عفوي، شعار 'لا للملوك'. ففي يونيو/حزيران 2025، سار الملايين تحت هذا الشعار. وفي أكتوبر/تشرين الأول، انضم أكثر من 7 ملايين شخص إلى أكثر من 2700 احتجاج في جميع الولايات الخمسين. وكانت مظاهرات 23 يناير/كانون الثاني في مينيابوليس، حيث تحدى أكثر من 100 ألف شخص درجات الحرارة المتجمدة للاحتجاج على الاحتلال الفيدرالي لمدينتهم، من بين أبرز مظاهر المقاومة الشعبية في التاريخ الأمريكي الحديث. وقد عقدت افتتاحية تلفزيونية في بوسطن مقارنة واضحة بين مينيابوليس عام 2026 وبوسطن عام 1775، بين الاحتلال المسلح لمدينة أمريكية من قبل عملاء فيدراليين والاحتلال العسكري البريطاني الذي أشعل فتيل حرب الاستقلال.
لا تدخل الطبقة العاملة الأمريكية هذا النضال دون إرث ثوري عريق. بل على العكس، يُعدّ الإرث الديمقراطي والثوري للولايات المتحدة من أعمق وأقوى إرث في العالم. فالثورة الأمريكية (1775-1783) والحرب الأهلية (1861-1865)، وهما من أعظم الانتفاضات الثورية في التاريخ الحديث، لا تزالان حاضرتين في وجدان الشعب الأمريكي. كما إن إعلان الاستقلال، الذي نصّ على أن جميع الناس خُلقوا متساوين ومُنحوا حقوقاً غير قابلة للتصرف؛ ووثيقة الحقوق في الدستور، التي ضمنت حرية التعبير والتجمع والإجراءات القانونية الواجبة؛ وإعلان تحرير العبيد والتعديلات الدستورية الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة، التي رسّخت في القانون ما تحقق في ساحة المعركة: الثورة الأمريكية الثانية التي قضت على العبودية.
تُشكّل هذه الوثائق التاريخية تراثاً حياً راسخاً في الوعي الشعبي، يُوفّر أساساً متيناً للنضال ضد الديكتاتورية.
ويُعدّ استحضار الماضي الثوري في المظاهرات الاحتجاجية الجماهيرية أمراً بالغ الأهمية، إذ يُبرهن على أن التقاليد الديمقراطية للثورة الأمريكية والحرب الأهلية لم تُمحَ، بل تُفعّلها ملايين البشر الذين يُدركون، عن حق، أن المبادئ التي ناضل من أجلها أسلافهم مُعرّضة لخطرٍ محدق.
لكن هذا التقليد الديمقراطي، في حد ذاته، غير كافٍ. لقد ولّى عهد الثورات الديمقراطية الوطنية. أما الحقبة التاريخية الراهنة فهي حقبة الثورة الاشتراكية العالمية. يجب على الطبقة العاملة الأمريكية أن تدرس وتستفيد من تجربة استيلاء الطبقة العاملة الروسية على السلطة في ثورة أكتوبر 1917 وما تلاها. لا بد من تجاوز الحاجز بين النزعة النضالية الفطرية للعمال الأمريكيين والإرث النظري والسياسي الهائل للماركسية.
أطاحت الثورة الأمريكية الأولى بالحكم الاستعماري وأرست الاستقلال. وقضت الثورة الأمريكية الثانية على العبودية. أما مهمة الثورة الأمريكية الثالثة، باعتبارها عنصراً حاسماً في الصراع الطبقي العالمي، فهي إسقاط الرأسمالية. ما تحتاجه الطبقة العاملة هو برنامج وحزب يربطان تطلعاتها الديمقراطية العميقة بالنضال من أجل الاشتراكية، بفهم أن الديمقراطية الحقيقية لا تتوافق مع دكتاتورية الأوليغارشية المالية، ولا يمكن تحقيقها إلا من خلال التحول الاشتراكي للمجتمع.
هذا الصراع دولي الطابع. كانت شبكة إبستين دولية. ولا تقتصر سياسات ترامب الفاشية على الولايات المتحدة بأي حال من الأحوال. فهو ليس وحيداً في أوروبا، إذ يوجد من يتقمصون شخصياته السياسية: ميلوني في إيطاليا، ولوبان في فرنسا، وفاراج في بريطانيا، وقادة حزب البديل من أجل ألمانيا في ألمانيا. وشعارهم غير المعلن، بعد 81 عامًا من سقوط الرايخ الثالث، هو 'لنجعل أوروبا فاشية مرة أخرى'.
إن أزمة الرأسمالية دولية. والطبقة العاملة طبقة دولية. لا يوجد حل وطني، ولن يوجد حل وطني. إن النضال ضد دكتاتورية الأوليغارشية التي ترسخ نفسها في الولايات المتحدة، وفي بلدان عديدة حول العالم، يتطلب بناء حركة ثورية دولية، تسترشد ببرنامج ومبادئ الماركسية، متجذرة في الطبقة العاملة، ومكرسة لإسقاط النظام الرأسمالي.
ثمة فجوة كبيرة حالياً بين حجم الأزمة الراهنة الهائل ومستوى الوعي السائد. كيف لا يكون هذا هو الحال في بلدٍ رفعت فيه الطبقة الحاكمة معاداة الشيوعية إلى مرتبة دين الدولة، وتُروّج بلا هوادة لكل أشكال التخلف السياسي والاجتماعي؟ يُبذل كل ما في وسعها لحرمان الجمهور من أي تقييم نقدي للواقع الاجتماعي. تُسيطر الشركات الكبرى وأصحاب المليارات الرجعيين على وسائل الإعلام. وتحت سيطرتهم وبناءً على طلبهم، استُبدلت التغطية الإخبارية الموضوعية بالدعاية بشكل شبه كامل. تُخصص برامج الأخبار المسائية في معظمها لتقارير الطقس، والقصص الإنسانية، والرياضة، وتسويق الأدوية.
ان الوضع الموضوعي، كما لاحظ لينكولن في فترة تاريخية أخرى من الأزمات العميقة، 'مثقلٌ بالصعوبات'. لكن الظروف الموضوعية التي أدت إلى ظهور هذه المشكلات تخلق أيضاً إمكانية حلها. والمهمة الكبرى التي يفرضها الوضع الراهن هي رفع وعي الطبقة العاملة إلى المستوى الذي تتطلبه هذه الأزمة الموضوعية.
كيف يُمكن تحقيق ذلك؟ أجاب ليون تروتسكي على هذا السؤال في نقاش مع مؤيديه الأمريكيين عام 1938، في خضم الكساد الكبير وعشية اندلاع الحرب العالمية: 'أولاً وقبل كل شيء،' قال، 'يجب تقديم صورة واضحة وصادقة للوضع الموضوعي، وللمهام التاريخية الناجمة عن هذا الوضع، بغض النظر عما إذا كان العمال اليوم مستعدين لذلك أم لا. فمهامنا لا تعتمد على عقلية العمال، بل على تنمية هذه العقلية.'
تكتسب هذه الكلمات اليوم أهمية ملحة للغاية. يكمن التحدي الذي يواجهنا في بناء حزب المساواة الاشتراكية، متضامناً مع نظرائه في فروع اللجنة الدولية، كقيادة ثورية جديدة في الطبقة العاملة. ليس هذا هدفًا بعيد المنال أو مجرداً، بل هو ضرورة عملية ملحة في عصرنا.
أثبتت الأحداث صحة تحليل الحركة الماركسية التروتسكية، وبرنامجها هو السبيل الوحيد الممكن للمضي قدمًا. فلنُنشئ اللجنة الدولية للأممية الرابعة وفروعها، ولنُوسّع نطاق عمل وتأثير موقع الاشتراكية العالمية. مستقبل البشرية صار رهن ذلك.
