ننشر أدناه مقدمة النسخة الألمانية من الكتاب الجديد 'إلى أين تتجه أمريكا؟ الفاشية أم الاشتراكية؟' (تحرير ديفيد نورث)، الذي سيصدر قريباً عن دار نشر ميرينغ، وسيُعرض في معرض لايبزيغ للكتاب في 12 آذار/ مارس (للمزيد من المعلومات، انقر هنا). يمكنكم طلبه.
* * *
أثارت التطورات الأخيرة في الولايات المتحدة - من أعمال دونالد ترامب العدائية الصريحة إلى نشر عناصر شبه عسكرية من إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس ومدن أخرى - حالة من الرعب في جميع أنحاء العالم. وتؤكد هذه التطورات أن خطر اندلاع حرب عالمية جديدة حقيقي، وأن دولة عسكرية وبوليسية آخذة في الظهور في الولايات المتحدة.
في الوقت نفسه، تُظهر قطاعات واسعة من الجهات السياسية الرسمية والإعلام عمىً غريباً. فعلى الرغم من الاقرار أحياناً بالطابع الفاشي للإدارة، إلا أن معظم التحليلات لا تزال مُنصبّة على شخص دونالد ترامب وسماته الشخصية. وهكذا، يُغفل السؤال الحاسم. لم يغزو ترامب جنّة الديمقراطية الأمريكية السليمة كما يفعل الشرير الأسطوري، بل هو التجسيد السياسي لطبقة حاكمة منحطة وهمجية تُعبّر عن الأزمة التاريخية للنظام الرأسمالي.
يحتوي هذا الكتاب على بيانات ومقالات ومحاضرات لرئيس هيئة التحرير الدولية لموقع الاشتراكية العالمية (WSWS) ومحرر هذا الكتاب، ديفيد نورث، من حزب المساواة الاشتراكية (SEP)، بالإضافة إلى مؤلفين آخرين من WSWS من عام 2015 إلى عام 2026. حللوا المسار السياسي الكامل لترامب: من صعوده خلال ولايته الأولى في المنصب، والمؤامرة لإلغاء انتخابات عام 2020، ومحاولة الانقلاب في 6 كانون الثاني /يناير 2021 إلى عودته إلى السلطة في عام 2025 وتشكيل حكومة الأوليغارشية علناً.
غطى الجزء الأول الفترة ما بين عامي 2015 و2020، التي شملت حملة ترامب الرئاسية وفترة ولايته الأولى. حلل هذا الجزء الظروف الاجتماعية والسياسية التي مكّنته من الوصول إلى السلطة أي عقود من التدهور الاجتماعي، والإثراء الفاحش لأوليغارشية مالية، والسياسات المؤيدة للحرب التي انتهجها الحزبان، وتراجع المراكز الصناعية الأمريكية، التي شكلت أرضية خصبة لصعوده. وفي الوقت نفسه، تناول الجزء الأول فترة ولايته الأولى، التي اتسمت بالترويج الممنهج للميليشيات اليمينية، والتحريض ضد المهاجرين، وبناء أشكال الحكم الاستبدادية، وتكثيف السياسة الحربية الأمريكية.
صدمت أحداث كانون الثاني /يناير 2026 في مينيابوليس العالم أجمع، وأوضحت بجلاء أن تحوّل الديمقراطية الأمريكية إلى دولة عسكرية وبوليسية ما اقتصر على أن يكون احتمال نظري، بل هو واقع نعيشه أمام أعيننا.
أما الجزء الثاني، فمُخصّص لانتخابات 2020، بالإضافة إلى انقلاب 6 كانون الثاني /يناير 2021 وتداعياته. أثبتت النصوص أن هذا ما كان 'زلة' أو مجرد نزوة من ترامب، بل محاولة مُتعمّدة لقلب نتيجة الانتخابات عبر انقلاب عسكري، بدعم واسع النطاق داخل أجهزة الدولة والحزب الجمهوري، ودون أي مقاومة تُذكر من الديمقراطيين.
تناول الجزء الثالث ولاية ترامب الثانية منذ عام 2025، وطرح استراتيجية اشتراكية لمواجهة المؤامرة الفاشية. حلل هذا الجزء تركز السلطة السياسية في أيدي نخبة قليلة، ترتبط مصالحها ارتباطاً وثيقاً بالعسكرة والقمع الاجتماعي والتوسع الإمبريالي، وأوضح لماذا يتطلب الكفاح ضد الفاشية والحرب قطيعة مع النظام الرأسمالي بكل مؤسساته وأحزابه، فضلاً عن التعبئة السياسية المستقلة للطبقة العاملة على الصعيد الدولي.
تكمن القوة الخاصة لهذا الكتاب في منهجه. فالنصوص المُجمّعة فيه تندرج ضمن تراث الماركسية الكلاسيكية، كما دافع عنه ليون تروتسكي ضد تحريفه القومي على يد الستالينية. وهي تُدرك التطورات السياسية لا باعتبارها نتاجاً لسمات شخصية فردية أو مجرد قرارات خاطئة، بل باعتبارها تعبيراً عن مصالح طبقية موضوعية وتناقضات تاريخية.
من هذا المنظور، فهم موقع الاشتراكية العالمية (WSWS) وحزب المساواة الاشتراكية (SEP) ظاهرة ترامب فهماً صحيحاً منذ البداية. فبينما اعتبره المعلقون الليبراليون شذوذاً مؤقتاً، بل وقللت بعض أطياف اليسار الزائف من شأنه، قام الموقع الاشتراكي العالمي وحزب المساواة الاشتراكية بتحليل حركته كشكل محدد من أشكال رد الفعل الفاشي على أزمة الرأسمالية الأمريكية والعالمية. وحذّرا مبكرًا من عواقب سياسة تجمع بين عدم المساواة الاجتماعية والحروب الدائمة والتقويض الممنهج للحقوق الديمقراطية.
لا تقتصر هذه النصوص، في هذا السياق، على التحليل، بل تتدخل في الصراع الطبقي.
وهو موجه إلى العمال والشباب والمثقفين الباحثين عن منظور سياسي يتجاوز الطرق المسدودة لليبرالية والقومية والإصلاحية. وربطت تلك النصوص، بشكل وثيق، بين الدفاع عن الحقوق الديمقراطية ومكافحة عدم المساواة الاجتماعية والحرب الإمبريالية.
ولا تقتصر أهمية هذه المجموعة من المقالات على فهم أفضل للأحداث في الولايات المتحدة، بل إنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأزمة العالمية للرأسمالية. فإن إعادة التوجيه العدواني للإمبريالية الأميركية يؤدي إلى تفاقم التوترات بين القوى العظمى ويدفع الحكومات الأوروبية، وخاصة ألمانيا، نحو إعادة التسلح على نطاق واسع وإحياء سياسة القوة العظمى العسكرية المستقلة.
وهنا أيضاً، تُلقى الأزمة الاجتماعية على عاتق الطبقة العاملة من خلال هجمات شاملة على الأجور والوظائف والحقوق الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، نشهد تطبيعاً ممنهجاً للأيديولوجيات اليمينية المتطرفة والفاشية، وتبريراً لجرائم الإمبريالية الألمانية التاريخية، وتوسعاً في أجهزة الدولة القمعية. هذه المقارنات ليست من قبيل الصدفة، بل تنبع من التناقضات الاقتصادية والسياسية نفسها، وتمثل استمرارية واضحة.
أثار صعود حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف، وأعمال الشغب النازية الجديدة في كيمنتس، ودفاع رئيس جهاز المخابرات هانز-جورج ماسن عنها، غضب الملايين. ولكن لماذا عاد الفاشيون بعد سبعة عقود من سقوط الرايخ الثالث؟ لا يمكن فهم ذلك دون دراسة التغيرات الجذرية في السياسة، وأجهزة الدولة، والحياة الفكرية.
كما حدث في العقد الرابع من القرن العشرين، حين أوصلت الطبقة الحاكمة هتلر إلى السلطة لتُعيد ألمانيا إلى 'صلاحية الحرب' بعد الهزيمة النكراء في الحرب العالمية الأولى، فإنها اليوم ترد على الأزمة التاريخية للرأسمالية بانعطاف عدواني نحو العسكرة والفاشية والحرب.
ولهذا السبب تحديداً، يكتسب هذا الكتاب أهمية بالغة للعمال والشباب في ألمانيا. فهو لا يُقدم تحليلاً مُعمقاً للتطورات الأمريكية فحسب، بل يُقدم أيضاً منهجاً ورؤيةً ضروريين لمواجهة عودة الطبقات الحاكمة إلى الهمجية الإمبريالية هنا أيضاً. لا يمكن خوض الكفاح ضد الفاشية والحرب خوضه ضمن إطار وطني، بل يتطلب توحيداً دولياً للطبقة العاملة قائماً على برنامج اشتراكي.
تُظهر النصوص المنشورة في الكتاب أن النضال ضد ترامب، وضد القوى الاجتماعية التي أوصلته إلى السلطة، لا يمكنها تقديم أي دعم للحزب الديمقراطي، وأتباعه اليساريين الزائفين، والنقابات العمالية، المتورطة بدورها تورطاً عميقاً في نظام الحروب الإمبريالية وعدم المساواة الاجتماعية. البديل ليس ترامب أو 'الديمقراطية الليبرالية'، بل الفاشية أو الاشتراكية.
تتخذ معارضة الحرب والدمار الاجتماعي والحكم الاستبدادي أشكالاً متفجرة متصاعدة في الولايات المتحدة. الإضرابات، والاحتجاجات ضد عنف الشرطة، ومقاومة عمليات الترحيل الفظة التي تقوم بها إدارة الهجرة والجمارك، والمراقبة الجماعية، كل هذا يشير إلى إمكانات ثورية هائلة. لكن بدون توجه سياسي واضح، تُهدد هذه الحركات بالانزلاق إلى طريق مسدود أو الاستغلال من قِبل القوى البرجوازية. يسعى كل من حزب المساواة الاشتراكية (SEP) وموقع WSWS إلى دمج هذه النضالات مع استراتيجية اشتراكية واعية.
لا يقتصر هذا الكتاب على توثيق مرحلة درامية من التاريخ الأمريكي والتدخل فيها، بل يُسهم في التسليح السياسي لحركة عالمية للطبقة العاملة. ويُبين بوضوح أن الدفاع عن الحقوق الديمقراطية، ومناهضة الحرب، والتغلب على عدم المساواة الاجتماعية، لا يتحقق إلا من خلال تحول ثوري للمجتمع.
إن السؤال الذي يطرحه العنوان، إلى أين تتجه أمريكا؟ نحو الفاشية أم الاشتراكية؟ ليس سؤالاً بلاغياً، بل هو سؤال يُطرح عالمياً بإلحاح بالغ. وتعتمد الإجابة عليه على التدخل الواعي للطبقة العاملة في صنع التاريخ، وبناء قيادة ثورية جديدة. يهدف هذا الكتاب، وسيُسهم، في استخلاص النتائج السياسية اللازمة، وخوض غمار النضال من أجل مستقبل اشتراكي.
