قبل مئة عام من اليوم، تحدّى ملايين العمال قرار مؤتمر نقابات العمال (TUC) بالعودة إلى العمل، منهيًا رسميًا الإضراب العام البريطاني عام 1926 في 12 مايو/أيار بعد تسعة أيام فقط. بلغ عدد المضربين في 13 مايو/أيار عددًا أكبر من أي يوم سابق، مما عكس الضغط المتزايد للطبقة العاملة من أجل اتخاذ إجراءات أكثر حسماً ضد حكومة ستانلي بالدوين المحافظة، الذي تفاقم بسبب معارضة اضطهاد العمال الذي أعقب مباشرةً خيانة مؤتمر نقابات العمال.
ما رغب مؤتمر نقابات العمال قط بالدعوة إلى إضراب عام، وإنما أُجبر على ذلك تحت ضغط شعبي هائل، وعمل طوال الوقت على إضعافه، بقيادة سكرتير المؤتمر والتر سيترين وكبير مفاوضيه مع الحكومة، سكرتير الاتحاد الوطني لعمال السكك الحديدية ج. هـ. توماس. قام سيترين، وهو مناهض شرس للشيوعية، ببذل كل ما كان بوسعه لقمع كل تعبير عن النضال.
بحلول الثاني عشر من أيار/مايو، ومع اندلاع مواجهات عنيفة بين المضربين والشرطة في أنحاء البلاد، وتشكيل مجالس عمالية لإدارة الخدمات الأساسية، شعر توماس وسيترين برعب شديد، كما قال توماس أمام البرلمان في اليوم التالي، من أن يخرج الوضع عن سيطرة من امتلكوا زمام الأمور.
وتابع توماس قائلاً: 'يدرك كل عاقل ما كان سيحدث... كان ذلك الخطر، ذلك الخوف، حاضراً في أذهاننا دائماً'. كان شبح الثورة الروسية عام 1917 هو ما طارد قادة النقابات العمالية.
مع ذلك، وبحلول عام 1926، شهدت قيادة تلك الثورة تدهوراً بيروقراطياً، تجسّد في شخص جوزيف ستالين. سهّل ذلك خيانة اتحاد النقابات العمالية (TUC) من خلال زرع أوهام في نفوس قادة النقابات 'اليساريين' الذين غطّت خطاباتهم الاشتراكية على خضوعهم للاتحاد. وبتوجيه من ستالين، مُنع الحزب الشيوعي البريطاني من القيام بدور مستقل وبناء طليعة ثورية في صفوف الطبقة العاملة.
عارض ليون تروتسكي تلك السياسة، مؤكداً على الضرورة المطلقة التي لا غنى عنها لوجود حزب ماركسي في خوض نضال ثوري ضد الرأسمالية. وعندما تم خيانة الإضراب، اندلع نقاش حاد بين قادة الثورة الروسية، إذ لخص تروتسكي بدقة عواقب السياسة التي قادها ستالين.
تتناول المحاضرة التالية - بعنوان 'تروتسكي والإضراب العام البريطاني عام 1926' - التي ألقاها كريس مارسدن، الأمين العام لحزب المساواة الاشتراكية (المملكة المتحدة)، هذا الصراع، الذي تُعد دروسه أساسية للاشتراكيين اليوم. أُلقيت المحاضرة في الأصل في المدرسة الصيفية الدولية لحزب المساواة الاشتراكية (الولايات المتحدة) عام 2025، ضمن سلسلة 'الاشتراكية الأممية في مواجهة الإصلاحية القومية'.
***
انطلق الإضراب العام في 3 مايو/أيار 1926، رداً على هجوم واسع النطاق على أجور 1.2 مليون عامل منجم فحم في بريطانيا، وسط فترة من الاضطرابات العمالية واسعة النطاق. وقد عمل مؤتمر نقابات العمال (TUC)، الذي شعر بالرعب من إمكاناته الثورية، على وضع حد له، ونجح في 12 أيار / مايو، بعد تسعة أيام فقط، في إلحاق هزيمة نكراء به.
تعود جذور الإضراب إلى رد فعل عنيف من الطبقة العاملة البريطانية على مساعي النخبة الحاكمة لفرض هجمات شرسة على الوظائف والأجور وظروف العمل. بلغ عدد أيام الإضراب بين عامي 1919 و1921 ثلاثة أضعاف ما كان عليه في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وهي موجة إضرابات لم تتوقف إلا مؤقتًا مع 'الجمعة السوداء' في 15 أبريل/نيسان 1921، عندما نكثت قيادة نقابات السكك الحديدية والنقل بالتزامها في التحالف الثلاثي بالإضراب دعماً لعمال المناجم.
بعد ثلاث سنوات، في عام 1924، صوت العمال لصالح حكومة حزب العمال بقيادة رامزي ماكدونالد، وهي أول حكومة عمالية على الإطلاق، التي قمعت الإضرابات قبل أن تسقط بعد تسعة أشهر نتيجة لمطاردة الساحرات المناهضة للشيوعية، والتي تركزت حول 'رسالة زينوفييف' المزورة، التي زعمت أن الأممية الشيوعية أصدرت تعليمات للحزب الشيوعي البريطاني باستغلال تطبيع العلاقات البريطانية السوفيتية في ظل حكومة حزب العمال لإطلاق ثورة.
كان أبرز تجليات ذلك التحول المستمر نحو اليسار هو تنامي نفوذ الحزب الشيوعي في النقابات العمالية. ففي عام 1923، ما تجاوز عدد أعضاء الحزب الشيوعي البريطاني 4000 عضو، إلا أنه كان له دور محوري في تأسيس حركة الأقلية الوطنية التي ضمت في نهاية المطاف أكثر من مليون عضو، أي ربع إجمالي أعضاء النقابات العمالية، وقادت الحملة لانتخاب أ. ج. كوك أميناً عاماً لنقابة عمال المناجم عام 1924.
أما حركة اليسار الوطني، التي تأسست عام 1925، فناضلت من أجل حق الحزب الشيوعي البريطاني في الانضمام إلى حزب العمال، وحظيت بدعم أكثر من 400 مندوب في المؤتمر السنوي لحزب العمال.
وفي هذا السياق، كانت حكومة ستانلي بالدوين المحافظة عازمة على مواجهة عمال المناجم وهزيمتهم، بعد أن خلصت في وقت سابق، وتحديداً في 31 تموز / يوليو 1925، المعروف بـ'الجمعة الحمراء'، إلى أنها ما كانت مستعدة بعد لتنفيذ خطة لكسر إضراب عمال المناجم الذي وعد عمال السكك الحديدية بدعمه. قدمت الحكومة إعانة لمدة تسعة أشهر لأصحاب المناجم بينما أنشأت منظمة صيانة الإمدادات (OMS) لتتولى قيادة عمليات كسر الإضراب، بمشاركة الجيش ومتطوعين مدنيين من اليمين.
في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1925، داهمت الشرطة المقرّين الوطني واللندني للحزب الشيوعي البريطاني، ومقرات رابطة الشباب الشيوعي، وحركة الأقلية القومية، وصحيفة 'العمال الأسبوعية'، واعتقلت 12 من قادة الحزب الشيوعي البريطاني بتهمة التحريض على الفتنة والتمرد، وسجنتهم لمدد تراوحت بين ستة أشهر وسنة. وظلّ معظمهم رهن الاعتقال عند بدء الإضراب العام. وشهدت البلاد احتجاجات شارك فيها آلاف العمال. وحوكم 167 عامل منجم من اتحاد عمال مناجم جنوب ويلز على خلفية إضراب في شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب، وسُجن 50 منهم.
وفي نهاية المطاف، تحركت الحكومة ضد عمال المناجم، فنشرت إشعارات إغلاق في جميع المناجم في 16 أبريل/نيسان 1926، على أن تنتهي بعد 14 يوماً. وبدأ الإغلاق في 30 أبريل/نيسان. وأمام الدعم الشعبي الواسع لعمال المناجم، عقد اتحاد نقابات العمال مؤتمراً خاصاً في 1 مايو/أيار، وأعلن عن خطط لإضراب عام يبدأ في 3 مايو/أيار. إلا أن محاولات التفاوض باءت بالفشل بسبب تدخل بالدوين.
انطلق الإضراب، مُؤثراً على قطاعات النقل والطباعة والصلب والكيماويات، والبناء، والكهرباء، والغاز. وشارك فيه أكثر من أربعة ملايين عامل من أصل خمسة ملايين ونصف المليون عامل مُنظمين في النقابات. نُشرت قوة لكسر الإضراب قوامها مئات الآلاف، مع تمركز سفن حربية في جميع الموانئ الرئيسية. ووقعت اشتباكات عنيفة بين الشرطة وقوات كسر الإضراب في أنحاء البلاد، شارك فيها الآلاف.
وتشكلت مجالس العمل، التي وصفتها مديرية الاستخبارات بأنها 'اتخذت شكل مجالس سوفيتية، وفي بعض المناطق وضعت خططاً للاستيلاء على الممتلكات الخاصة ووسائل النقل'. وأنشأ مجلس عمل شرق فايف ميليشيا دفاعية عمالية خاصة به ضمت 700 عضواً. وأدت تقارير عن تمردات من قبل الحرس الويلزي ورفض أفواج أخرى مهاجمة عمال المناجم إلى اعتقالات جماعية، إذ شكل أعضاء الحزب الشيوعي البريطاني 1000 من أصل 2500 معتقل، وسُجن العديد منهم لاحقاً.
في أول فرصة سنحت توجه في 12 مايو، المجلس العام لاتحاد نقابات العمال (TUC) إلى مقر رئاسة الوزراء في داونينج ستريت. وناشدوا الحكومة اتخاذ تدابير محدودة لحماية صناعة الفحم، وضمان عدم وقوع ضحايا للعمال المضربين. إلا أن الحكومة رفضت، وقام الاتحاد بإلغاء الإضراب على أي حال. ساد الغضب إزاء تلك الخيانة، إذ بلغ عدد المضربين في 13 مايو عدداً أكبر مما كان عليه خلال الأيام التسعة للإضراب الرسمي. ولكن بعد 13 مايو، تُرك عمال المناجم يواجهون مصيرهم وحدهم قبل إجبارهم على العودة إلى العمل في أكتوبر.
وكان من أهم أسباب هزيمة الإضراب الخط السياسي الزائف الذي فرضه الكومنترن بقيادة ستالين وبوخارين وزينوفيف وكامينيف على الحزب الشيوعي البريطاني. وقد وصف تروتسكي ذلك الخط في كتابه 'نقد مسودة برنامج الكومنترن' عام 1928، الذي نُشر تحت عنوان 'الأممية الثالثة بعد لينين'، بأنه تعبير عن 'انزلاق يمين الوسط'. وكان ذلك تحولاً جذرياً عن خط الكومنترن السابق، ونموذجاً للمسار المتقلب الذي سيستمر في اتباعه.
خلال أحداث عام 1923 في ألمانيا، وصف تروتسكي سياسة الكومنترن بأنها 'يسارية مغامرة'. حتى في المؤتمر الخامس عام 1924، طرح بوخارين رؤىً استندت إلى التطور 'الدائم' للثورة، في حين أصرت المعارضة اليسارية على أن الوضع الثوري فات وأن الوقت قد حان الآن لخوض معارك دفاعية ضد هجوم العدو الطبقي.
بالطبع، لا يمكن إنكار الحقائق السياسية إلى الأبد. ولكن عندما أقرّ فصيل ستالين/بوخارين أخيراً بظهور فترة استقرار، صُوِّر ذلك على أنه وضعٌ ممتدٌّ استُخدم لتبرير مسارهم القومي والانتهازي. وفعلوا ذلك أيضاً في منتصف عام 1925 تقريباً، عندما أكّد تروتسكي على ظهور 'انقسامات عميقة'، لا سيما في إنجلترا والصين.
أوضح تروتسكي قائلاً:
بشكل عام، كان التوجه نحو اليمين محاولةً للتكيف، بشكلٍ شبه أعمى وتجريبي بحت ومتأخر، مع انتكاسة التطور الثوري الناجمة عن هزيمة عام 1923... تطلب هذا 'التوجه' عاماً ونصفً لاستشعار شيء جديد بعد الانهيار الذي طرأ على الوضع في أوروبا عام 1923، ليتحول بعد ذلك، في حالة من الذعر، إلى نقيضه.
حقق الاتحاد السوفيتي آنذاك نجاحات محدودة على الصعيد الداخلي، استناداً إلى استقرار الرأسمالية الناتج عن 'سلسلة من هزائم الثورة العالمية'. إلا أن الوضع الخارجي الذي واجهه الاتحاد السوفيتي تدهور بشكل كبير في الواقع. رفض تروتسكي التفسيرات الموضوعية، تنطوي على القدرية أو الحتمية، لإعادة استقرار الرأسمالية، مُصراً على أن هذا كان، قبل كل شيء، نتيجةً لخط الكومنترن الخاطئ والهزائم والفرص الثورية الضائعة التي أدت إليه.
كتب تروتسكي: 'دفعت خيبة أمل معينة في الثورة العالمية، التي اجتاحت الجماهير جزئياً، القيادة الوسطية نحو منظورات قومية بحتة، والتي سرعان ما بلغت ذروتها في النظرية البائسة للاشتراكية في بلد واحد'.
وتحولت النزعة اليسارية المتطرفة في الفترة 1924-1925 إلى اليمين، إذ لا يجوز القيام بأي شيء يُعرّض المرء لخطر 'تجاوز المراحل'، وهو ما كان يعني التكيف السياسي مع البرجوازية الاستعمارية، وبيروقراطية العمل والنقابات، وعلى الصعيد المحلي مع الكولاك والموظفين. ففي خطابه 'بناء الاشتراكية في بلادنا'، بتاريخ 10 فبراير 1926، كتب ستالين:
رأى المؤتمر [الرابع عشر] أن الطبقة العاملة، بالتحالف مع الفلاحين الكادحين، قادرة على توجيه الضربة القاضية لرأسماليين بلادنا وبناء مجتمع اشتراكي، حتى وإن لم تكن هناك ثورة منتصرة في الغرب تُساندها... ، وبما أن انتصار الثورة في الغرب قد تأخر، فلا يبقى لنا، على ما يبدو، سوى التسكع.
وجدت تلك السياسة القومية والانتهازية تعبيراً سياسياً عنها في بريطانيا من خلال السياسات التي اتُبعت عقب تشكيل اللجنة الأنجلو-روسية.
ففي عام 1921، صاغت الأممية الشيوعية سياسة 'جبهة العمال الموحدة'. وتجسدت هذه السياسة في شعار 'إلى الجماهير!'، وكان الهدف منها هو تحدي هيمنة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والنقابات العمالية بشكل فعّال، وذلك بالدعوة إلى التعاون 'في النضال من أجل مصالح البروليتاريا'. وبتلك الطريقة، أظهرت ممارسة الصراع الطبقي والنقد اللاذع للاشتراكيين الديمقراطيين تفوق وضرورة المنظور والقيادة الثورية.
صوّرت الأممية الشيوعية اللجنة النقابية الأنجلو-روسية على أنها تجسيد لهذا المنظور. شُكّلت هذه اللجنة في مؤتمر مشترك عُقد في لندن بين النقابات العمالية السوفيتية والبريطانية في الفترة من 6 إلى 8 نيسان/ أبريل 1925، وكان هدفها المعلن هو استعادة وحدة الحركة النقابية الدولية، وضمان المساعدة والدعم المتبادلين، ومعارضة حرب، وتشجيع العلاقات الودية بين بريطانيا والاتحاد السوفيتي.
مع ذلك، وكما أوضح تروتسكي في كتابه 'مشكلات الثورة البريطانية'، بدلاً من النظر إلى اللجنة على أنها 'كتلة مؤقتة' يجب كسرها 'عند أول اختبار جدي من أجل تقويض المجلس العام'، رأى ستالين وبوخارين وتومسكي وزينوفيف فيها 'أداةً لإحداث ثورة منهجية في صفوف العمال الإنجليز، وإن لم تكن هي البوابة، فعلى الأقل مدخلاً إليها، ومن خلالها ستنطلق ثورة البروليتاريا الإنجليزية'.
تمحور التكيف مع بيروقراطية النقابات العمالية البريطانية حول التوافقات السياسية مع 'ممثليها اليساريين'، المتمثلين بألونسو سوالز من نقابة المهندسين، وألفريد بورسيل من نقابة عمال المفروشات، وجورج هيكس من نقابة عمال البناء، وزعيم اتحاد عمال المناجم أ. ج. كوك، العضو السابق في الحزب الشيوعي البريطاني.
اتخذ أولئك المؤسسون للجنة الأنجلو-روسية مواقف يسارية في قضايا لم تُلزمهم بأي شيء عملي ولم تُؤثر على علاقاتهم مع اليمين. والأخطر من ذلك كله، كما أكد تروتسكي: 'إن نقطة انطلاق اللجنة الأنجلو-روسية، كما رأينا بالفعل، كانت الرغبة الملحة في تجاوز الحزب الشيوعي الشاب بطيء التطور'.
وأعلن زينوفيف في المؤتمر الخامس للأممية الشيوعية عام 1924:
نشهد الآن في بريطانيا بداية فصل جديد في تاريخ الحركة العمالية. لا نعلم على وجه التحديد من أين سيأتي الحزب الشيوعي الجماهيري البريطاني، هل سيأتي من خلال ستيوارت وماكمانوس (كان بوب ستيوارت وآرثر ماكمانوس من قادة الحزب الشيوعي البريطاني) أم من خلال مسار آخر.
وكتب تروتسكي في نشرة المعارضة عام 1931 أن الشرط الأساسي لأي اتفاق مع 'اليسار' هو أن يحافظ الحزب الشيوعي على 'استقلاليته التامة، حتى داخل النقابات العمالية، وأن يتصرف باسمه في جميع المسائل المبدئية، وأن ينتقد حلفاءه 'اليساريين' عند الضرورة، وبهذه الطريقة، يكسب ثقة الجماهير تدريجياً'.
في المقابل، رأى ستالين وزملاؤه أنه من أجل توجيه 'التيار اليساري العريض' نحو الأممية الشيوعية، يجب تجنب النقد بأي ثمن. ونتيجة لذلك، اختفى الحزب الشيوعي البريطاني عملياً كقوة سياسية مرئية، ليتم استبداله بالكامل تقريباً في نظر العمال بحركة الأقلية القومية كتشكيل نقابي بحت.
رأى تروتسكي أن مهامه السياسية ذات شقين: أولا دحض فكرة أن الرأسمالية دخلت مرحلة استقرار مطولة، دون أي أفق لتطور ثوري. وثانيا معارضة التكيف اليميني الوسطي مع الاشتراكية الديمقراطية، وأجهزة النقابات العمالية، والبرجوازية الاستعمارية، التي نُفذت بهدف مزعوم هو حماية الاتحاد السوفيتي وتيسير بناء الاشتراكية في بلد واحد.
ولهذه الغاية، وضع عام 1925 كتاب 'إلى أين تتجه إنجلترا؟'، الذي نُشر بعنوان 'إلى أين تتجه بريطانيا؟'، موضحاً الأبعاد العالمية للأزمة ما قبل الثورية التي اجتاحت البرجوازية البريطانية، ومن خلال نقد لاذع للحركة العمالية، وجه نقداً مبطناً لخط الكومنترن، ودافع عن الدور المحوري الذي يجب أن يلعبه حزب بلشفي في النضالات الثورية القادمة.
وأوضح في كتابه 'حياتي' أن الهدف الأساسي من كتاب 'إلى أين تتجه بريطانيا؟' هو 'استهداف التصور الرسمي للمكتب السياسي، مع آماله في تطور نحو اليسار من قبل المجلس العام البريطاني، وفي اختراق تدريجي وغير مؤلم للشيوعية في صفوف حزب العمال البريطاني والنقابات العمالية.'
في مقدمة الطبعة الأمريكية بتاريخ 24 أيار/ مايو 1925، كتب تروتسكي: 'الخلاصة التي توصلت إليها في دراستي هي أن بريطانيا تقترب، بخطى حثيثة، من حقبة اضطرابات ثورية عظيمة... بريطانيا تتجه نحو الثورة لأن حقبة انحطاط الرأسمالية قد بدأت'.
تحدد مصير بريطانيا، في المقام الأول، بتراجعها عن مكانتها كقوة عظمى في العالم لصالح الولايات المتحدة، التي لم يكن سعيها للتوسع في السوق العالمية إلا على حساب بريطانيا. كما واجهت منافسة متزايدة من ألمانيا التي كانت تتعافى من هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، لا سيما فيما يتعلق بفحم منطقة الرور، في وقت كانت فيه الإمبراطورية البريطانية مهددة من الحركات القومية في الهند ومصر وغيرها. كان تعدين الفحم محور الصراع لإعادة تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية البريطانية، حيث كان من المقرر استبدال الإعانات المرتبطة بسياسة الحماية بتخفيضات حادة، حتى مع خطر إثارة معارضة شرسة من الطبقة العاملة.
أوضحت مقالة 'حول وتيرة الثورة ونطاقها الزمني'، كتبها في شباط/ فبراير 1926، أن تروتسكي ما تنبأ بثورة اشتراكية وشيكة:
لا يكمن السؤال اليوم في بريطانيا، في تحديد 'يوم' للثورة - فنحن ما زلنا بعيدين عن ذلك! - بل في إدراك أن الوضع الموضوعي برمته يُقرّب هذا 'اليوم' ويجعله ضمن نطاق العمل التثقيفي والتحضيري لحزب البروليتاريا، وفي الوقت نفسه يُهيئ الظروف لتشكيله الثوري السريع.
كانت الأزمة الثورية المتفاقمة تُهيئ الظروف الموضوعية لتحول عميق في الوعي السياسي للطبقة العاملة. قدّم كتاب 'إلى أين تتجه بريطانيا؟' نقداً لاذعاً للنزعة المحافظة والتدرجية التي سادت الحركة العمالية. لكن جدل تروتسكي المطوّل كان مُصاغاً انطلاقاً من إدراك أمرين:
• كان الأساس الموضوعي لهيمنة أرستقراطية العمل، والتشجيع المُتعمّد للتعاون الطبقي من قِبل الطبقة الحاكمة، ينهار بالتزامن مع انهيار الهيمنة البريطانية العالمية.
• كان تحوّل هذا الوعي إلى أشكال ثورية واعية مرهوناً بعمل الحزب الثوري.
في كتابه 'مشكلات الحركة العمالية البريطانية'، الذي نُشر بعد فترة وجيزة من الإضراب العام، اقتبس تروتسكي مقتطفات من مراسلاته في الأشهر التي سبقت الحدث، موضحاً فيها:
لا يُمكن تصور التكوين الأيديولوجي والتنظيمي لحزب ثوري حقيقي، أي حزب شيوعي، على أساس حركة الجماهير، إلا بشرط كشف قادة اليسار الزائف من جميع الأطياف، وكشف حيرتهم، وتنازلاتهم، وتكتمهم، بشكل دائم ومنهجي وحازم ودؤوب لا هوادة فيه.
وفي رسالة كُتبت في 5 مارس/آذار ونُشرت في صحيفة 'برافدا' في 25 مايو/أيار 1926، قدم تروتسكي تحليلاً معمقاً للعلاقة بين الأزمة الموضوعية للإمبريالية البريطانية والعالمية والمهام السياسية التي فرضتها تلك الأزمة على الحزب:
في بريطانيا، أكثر من أي مكان آخر في أوروبا، يتخلف وعي الجماهير العاملة، ولا سيما قياداتها، عن الواقع الاقتصادي الموضوعي. وفي هذا الاتجاه تحديداً تكمن الصعوبات والمخاطر الرئيسية اليوم.
...تُمثل البنية الفوقية الحالية للطبقة العاملة البريطانية - بكلّ تنوّعاتها وفئاتها دون استثناء - آلية كبح للثورة. وهذا يُنذر، على مدى فترة طويلة، بضغط هائل من حركة عفوية وشبه عفوية ضدّ إطار المنظمات القديمة، وتشكيل منظمات ثورية جديدة على أساس هذا الضغط.
ومن أهمّ مهامنا مساعدة الحزب الشيوعي البريطاني على فهم هذا المنظور والتفكير فيه ملياً.
وكتب في السادس من أيار/مايو:
الإضراب العام هو أشدّ أشكال الصراع الطبقي حدّة. ولا يفصل بين الإضراب العام والانتفاضة المسلحة سوى خطوة واحدة. ولهذا السبب تحديداً، يتطلّب الإضراب العام، أكثر من أيّ شكل آخر من أشكال الصراع الطبقي، قيادة واضحة ومحدّدة وحازمة، وبالتالي ثورية. لا يوجد، في الإضراب الحالي للبروليتاريا البريطانية، لمثل هذه القيادة، ولا يُتوقّع أن تُخلق من العدم.
يجب بذل كل جهد ممكن على الصعيد الدولي لمساعدة المناضلين وتعزيز فرص نجاحهم. لكن يجب أن ندرك بوضوح أن هذا النجاح لن يتحقق إلا بقدر ما تدرك الطبقة العاملة البريطانية، في سياق تطور الإضراب العام وتصاعده، الحاجة إلى تغيير قيادتها وتستعد للقيام بهذه المهمة.
هناك مثل أمريكي يقول: 'لا يمكنك تبديل الحصان في منتصف النهر'. لكن هذه الحكمة العملية لا تصح إلا ضمن حدود معينة. لم يُعبر نهر الثورة قط على حصان الإصلاحية، والطبقة التي دخلت النضال بقيادة انتهازية ستُجبر على تغييره تحت نيران العدو.
رفضت الأممية الشيوعية جميع تحذيرات تروتسكي، وأصرت على أن يخضع الحزب الشيوعي البريطاني لتحالفه مع اتحاد النقابات العمالية عبر جناحه اليساري، بجعل المطلب المركزي للحزب وصحافته: 'كل السلطة للمجلس العام لاتحاد النقابات العمالية'.
خلال الإضراب العام، أُصيب الحزب الشيوعي السوفيتي والأممية الشيوعية بالعجز أيضاً بسبب هذا الخط السياسي الزائف. وكما أشار تروتسكي، لم تستغرق المناقشة الأولى للإضراب في المكتب السياسي سوى عشرين دقيقة، والثانية خمس دقائق. ونتيجة لذلك، شُكّلت لجنة في باريس برئاسة تومسكي، بدعم من الأممية الشيوعية واتحاد النقابات العمالية الشيوعية (بروفينترن)، لمناقشة المساعدات لبريطانيا.
مع حلول السابع من أيار/مايو، أُرسل مليونان وربع المليون روبل إلى بريطانيا عبر اللجنة الأنجلو-روسية. لكن المجلس العام لاتحاد النقابات العمالية، رفض المال رداً على احتجاجات الحكومة بشأن 'الذهب الأحمر. رد ستالين ببرقية إلى تومسكي في باريس، متوسلاً: 'أرجوكم ساعدونا، ماذا بوسعنا أن نفعل؟'. ولاحقاً قبلت نقابة عمال المناجم الأموال.
عندما وصلت أنباء انتهاء الإضراب العام إلى باريس، أرسل تومسكي رسالة إلى الحزب الشيوعي البريطاني يوصيه فيها بإعلان 'فشل أفكار المحافظين والانتصار المعنوي الجزئي للبروليتاريا'. اضطر ستالين إلى إرسال برقية إلى تومسكي عقب جلسة المكتب السياسي في الرابع عشر من مايو، مقترحاً بأدب: 'نميل إلى الاعتقاد بأن ما حدث لم يكن تسوية، بل خيانة. إن الخضوع لقرار مجلس النقابات العمالية ليس مناسبا ً في حين يرغب العمال في مواصلة الإضراب'.
في أعقاب الإضراب، أصرّ تروتسكي والمعارضة اليسارية على أن تنفصل الأممية الشيوعية فوراً عن اتحاد النقابات العمالية، وأن تُنهي عمل اللجنة الأنجلو-روسية. استشاط ملايين العمال غضباً من خيانة الإضراب، وبحثوا عن قيادة بديلة. انضمّ آلافٌ إلى الحزب الشيوعي البريطاني، الذي تضاعف عدد أعضائه خلال العام من 6000 إلى 12000 عضو. وارتفعت مبيعات صحيفة 'العمال الأسبوعية' إلى 70000 نسخة .لكن فصيل ستالين في الأممية الشيوعية جعل أخطائه الانتهازية أثناء الإضراب أسوأ بإصراره على الاحتفاظ باللجنة الأنجلو روسية.
ندد زينوفيف، الذي ازداد انتقاده لخط الكومنترن الذي ساهم في صياغته، بذلك الأمر ووصفه بالخيانة العظمى. وكان لانضمامه هو وكامينيف إلى تقييم تروتسكي للإضراب العام كدليل على زيف منظور 'الاستقرار الممتد'، بالإضافة إلى نقدهما المشترك للجنة الأنجلو-روسية وقضايا أخرى، دورٌ محوري في قرار تشكيل المعارضة المشتركة صيف عام 1926.
وبدعم من تروتسكي، ضغط زينوفيف، الذي كان لا يزال رئيسًا للكومنترن آنذاك، من أجل مناقشة الإضراب العام وإضراب عمال المناجم المستمر في المكتب السياسي. وتمت الموافقة على ذلك على مضض، رغم نصيحة ستالين التي قدمها أثناء إجازته بأن يتجاهلهم تماماً، وعُقد الاجتماع في 3 حزيران/ يونيو. وفي 2 يونيو كتب تروتسكي، تحسباً لاجتماع المكتب السياسي، مذكرةً أوضحت موقفه، الذي دافع عنه في اليوم التالي. تُشير هذه المقتطفات إلى قوة نقد تروتسكي:
اليوم، كثيراً ما يقول دعاة الإبقاء على الوضع الراهن: 'من كان يجهل أن المجلس العام مُكوّن من إصلاحيين وخونة؟' إن الغالبية العظمى من حزبنا (ناهيك عن غير المنتمين إليه) لم يكونوا على دراية بماهية المجلس العام، لأننا لم نُوضّحه بالشكل اللائق في السنوات الأخيرة.
...ورد في المقالات التي كتبناها: خان المجلس العام العمال الإنجليز؛ واتضح أنه كاسر للإضرابات؛ واتبع سياسة خادم البرجوازية. ومن هذا نستنتج تنظيمياً أننا سنبقى على تعاون أخوي مع المجلس العام. لن يفهم هذا أي عامل. لن يفهمه أحد في العالم، لا أصدقاء ولا أعداء.
...بماذا يجب أن نسترشد الآن في موقفنا تجاه المجلس العام: هل هو اعتقادنا بأننا عرفنا كل شيء دائماً، أم أن الجماهير العاملة البريطانية قد تعلمت لأول مرة شيئاً جديدًا بالغ الأهمية؟ لقد حلّت غطرسة الجهاز الذاتي محل سياسة مبنية على المسار الحقيقي لتطور الطبقة العاملة الإنجليزية.
رداً على الاتهام: 'إذن أنت ضد الجبهة الموحدة؟'، كتب:
إذا كنا نعني بالجبهة الحفاظ المصطنع على نفاق الجهاز، فمن المستحيل ألا نكون ضدها. الجبهة مفهوم نضالي. والجبهة الآن في أيدي عمال المناجم البريطانيين ضد البرجوازية والدولة والمجلس العام.
...لا يتعلق الأمر بالحفاظ على الجهاز المدمر، بل بتكثيف النضال من أجل وعي البروليتاريا البريطانية، وخاصة ذلك الجزء منها الذي يناضل الآن خارج المجلس العام وضده.
محضر اجتماع الثالث من يونيو/حزيران متاحٌ على الإنترنت باللغة الروسية، ويمكن ترجمته تلقائياً. وهو سجلٌّ قويٌّ لنضالٍ سياسيٍّ قائمٍ على المبادئ، لا سيما فيما يتعلق بتر وتسكي، وللطابع الفاسد واللاأخلاقي لكتلة ستالين وبوخارين وتومسكي ومولوتوف.
ولإعطاء فكرةٍ عن مداخلات تروتسكي، قال ردًّا على تومسكي:
على مدار عام، وفي كل اجتماعٍ لي معك، كنت أقول لك: يا رفيق تومسكي، إن كنت تظن أن بيرسيل أو كوك سيُحدثان ثورة، فأنت مخطئ. وكنت تجيبني: 'ومن المؤكد أن شيوعييك لن يُحدثوا ثورة'. أهذا هو الموقف الصحيح لبلشفيٍّ تجاه حزبٍ شيوعيٍّ ناشئ؟ لديك موقفٌ نقابيٌّ خاطئٌ تجاه الحركة العمالية البريطانية. أنت من دفعني بموقفك هذا إلى تأليف كتاب 'إلى أين تتجه بريطانيا؟'. وهذا الكتاب مُكرَّسٌ بالكامل للمهمة التاريخية للحزب الشيوعي البريطاني في مواجهة نظرة الازدراء التي يوجهها إليه بعض 'رجال الدولة'.
وقال في وقت لاحق:
'لطالما عرفنا أنهم خونة'. بالطبع، نحن أدرى الناس بكل شيء، وندّعي معرفة كل شيء. لكن قبل الإضراب العام، لم تكن الطبقة العاملة البريطانية على دراية بالحقيقة بنفس القدر فيما يتعلق بالمجلس العام. ولأننا لم ننتقده، ومنعنا الحزب الشيوعي البريطاني من انتقاده بسلوكنا، فقد عززنا بذلك سلطة المجلس العام في نظر العمال الثوريين...
والآن، وقد تعلمت الجماهير الغفيرة من تجربة هائلة حقيقة المجلس العام، نقول لها مواساةً: نقترح الإبقاء على اللجنة الأنجلو-روسية على حالها، لأننا علمنا مسبقاً أن الخونة يجلسون فيها، لكننا نسينا إخباركم بذلك. أليس هذا بالأمر الشنيع؟
…الجماهير تُقدّر العمل، الجماهير تُقدّر الوضوح... كيف تقول لعامل: غيّروا القادة لأنهم خونة، وأنت نفسك لا تجد العزيمة على الانفصال عنهم؟
وبالطبع، رًفض موقف تروتسكي وزينوفييف وكامينيف ثم قُمع بلا رحمة.
أصرّت اللجنة التنفيذية للمؤتمر العام للأممية الشيوعية الذي عُقد في 8 يونيو/حزيران، وتناول دروس الإضراب العام، على أن 'مبادرة النقابات السوفيتية بالانسحاب من اللجنة... ستوجّه ضربةً قاصمةً لقضية الوحدة الدولية، وهي لفتةٌ 'بطولية' بكل ما للكلمة من معنى، لكنها غير مناسبة سياسياً وطفولية'.
ولتعزيز ذلك الموقف الفاسد، أصدر المؤتمر الخامس عشر لعموم الاتحادات التابع للحزب الشيوعي السوفيتي قراراً في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1926، أعلن فيه عن المعارضة: 'إن كتلة المعارضة، التي فقدت ثقتها بالقوى الداخلية لثورتنا، ووقعت في براثن اليأس جراء تأخر الثورة العالمية، تنحرف عن أساس التحليل الماركسي للقوى الطبقية للثورة، إلى تحليلٍ يقوم على خداع الذات 'اليساري المتطرف' والمغامرة 'الثورية'؛ فهي تنكر وجود استقرار جزئي للرأسمالية، وبالتالي تميل نحو الانقلابية'.
ولخص تروتسكي بإيجاز أثر خيانة الإضراب العام في كتابه 'حياتي'.
أُصيب العمال الثوريون بالحيرة واللامبالاة، وامتدّ استياؤهم بطبيعة الحال إلى الحزب الشيوعي نفسه، الذي لم يكن سوى أداة سلبية في تلك الآلية برمتها من الخيانة والغدر. تلاشت حركة الأقليات تماماً، وعاد الحزب الشيوعي إلى مجرد فئة هامشية. وهكذا، وبفضل مفهوم خاطئ جذريا ًعن الحزب، لم تُزعزع أعظم حركة للبروليتاريا الإنجليزية، التي أفضت إلى الإضراب العام، جهاز البيروقراطية الرجعية فحسب، بل على العكس، عززته وأضعفت الشيوعية في بريطانيا العظمى لفترة طويلة.
وعلى نحو أساسي، غذّت هذه الحركة حالة من التخبط السياسي وانعدام الروح المعنوية في الاتحاد السوفيتي، مما ساعد على ترسيخ قبضة فصيل ستالين على الحزب وجهاز الدولة، وعزز نفوذه الخبيث عالمياً الأمر الذي تجلى من خلال الكومنترن، لا سيما فيما يتعلق بالثورة الصينية.
