العربية

كتاب يورغ بابيروفسكي "تجاوز الشعب: الفاشية كإحياء للديمقراطية"

ليس من المستغرب أن يكون كتابٌ عن الديمقراطية وتاريخها، من تأليف أستاذٍ يميني متطرف، غارقاً في أفكارٍ مناهضة للديمقراطية، ويُقلل من شأن الإرهاب النازي، ويُشيد بحزب البديل من أجل ألمانيا الفاشي (AfD) باعتباره إحياءً للديمقراطية. لكن اللافت للنظر هو أن أحدث مؤلفات يورغ بابيروفسكي، 'تجاوز الشعب - حول أزمة الديمقراطية الليبرالية'، حظي بإشادةٍ واسعةٍ في وسائل الإعلام. ولا يُمكن فهم ذلك إلا كحملةٍ سياسيةٍ مُتعمدةٍ لضمان وصول حزب البديل من أجل ألمانيا إلى السلطة.

قد لعب مؤرخ أوروبا الشرقية في جامعة هومبولت في السابق دوراً محورياً في تبرير عودة النزعة العسكرية الألمانية والنزعات الديكتاتورية أيديولوجياً ففي فبراير/شباط 2014، دعا في مجلة دير شبيغل إلى إعادة تقييم النازيين، وزعم أن هتلر ما كان 'شريراً'. وقلل من شأن المحرقة النازية بمقارنتها بالإعدامات التي وقعت خلال الحرب الأهلية الروسية، قائلاً: ' هما متماثلين من حيث الجوهر تضمنا قتل منهجي'. [1]

وترافق هذا التقليل من شأن جرائم الماضي التي ارتكبتها النزعة العسكرية الألمانية مع دعوة لاستخدام القوة العسكرية الهمجية. وخلال نقاش في المتحف التاريخي الألماني في العام نفسه، أيّد بابيروفسكي العمليات العسكرية ضد الإرهابيين، مصرحاً: 'إذا لم يكن المرء مستعداً لأخذ الرهائن، وحرق القرى، وشنق الناس، ونشر الخوف والرعب، كما يفعل الإرهابيون، إذا لم يكن مستعداً لفعل مثل هذه الأمور، فلن يتمكن أبداً من كسب مثل هذا الصراع، ومن الأفضل تجنبه تماماً'.

احتجّ منظمة الشباب والطلاب الدولية من أجل المساواة الاجتماعية (IYSSE) بشدة على هذا التزييف للتاريخ والدعاية الحربية في الجامعة الألمانية. وانتقدت اجتماعات حضرها مئات المشاركين، بالإضافة إلى العديد من مجالس الطلاب في جميع أنحاء ألمانيا، بابيروفسكي، ولفتت انتباه الرأي العام إلى هذه القضية. رُفضت دعاوى قضائية عديدة رفعها بابيروفسكي، زاعماً أنه لا ينبغي وصفه بأنه 'متطرف يميني' أو 'عنصري' أو 'مُزيّف للتاريخ'، من قِبل المحاكم المختصة. ومع ذلك، فقد التفّت الغالبية العظمى من وسائل الإعلام وممثلو جميع الأحزاب في البوندستاغ (البرلمان الألماني) حول الأستاذ اليميني المتطرف ودافعوا عن أجندته اليمينية. [2]

ومع ذلك، وبعد موجة المقاومة الطلابية العارمة، انسحب بابيروفسكي إلى حد كبير من القضايا السياسية اليومية، تاركاً الساحة لغيره لفترة قاربت عشر سنوات. إن عودته الآن بدعوة صريحة لدمج حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، واحتفاء وسائل الإعلام به على نطاق واسع، ما هو إلا تعبير عن تحوّل جذري نحو اليمين في جميع أروقة المؤسسة السياسية. نشرت ست وسائل إعلام رئيسية على الأقل - دير شبيغل، ودي فيلت، وفرانكفورتر روندشاو، ودير ستاندارد النمساوية، وهيئتي البث العام ARD ودويتشلاندفونك - مقابلات مفصلة وإيجابية مع بابيروفسكي حول كتابه. كما نشرت صحيفتا سيسيرو ونوز مراجعات إيجابية، في حين اكتفت صحيفة زوددويتشه تسايتونغ بنشر مراجعة انتقادية معتدلة، بينما نشرت صحيفة دي تسايت مراجعة أكثر حدة إلى حد ما.

بينما يُرهب ترامب العمال المهاجرين بجهازه القمعي (ICE)، ويقتل معارضيه السياسيين جهاراً نهاراً، ويدعو صراحةً إلى ارتكاب جرائم حرب في حربه العدوانية الهمجية ضد إيران، فإن النخبة الحاكمة في ألمانيا تنساق هي الأخرى مع هذا النهج. وبكتابه شبه الأكاديمي، يُعدّ بابيروفسكي بطل الساعة. فمن وجهة نظر الطبقة الحاكمة، يتطلب الحشد العسكري الهائل والهجمات الاجتماعية الشرسة المصاحبة له أساليب حكم استبدادية لقمع المقاومة.

وكما هو معتاد في كتب بابيروفسكي، فإن كتاب 'تجاوز الشعب: الفاشية كإحياء للديمقراطية' مليء بالتناقضات والالتباسات والأكاذيب الصريحة. لا يهتم المؤلف البتة بتطوير موضوعه بشكل منهجي، بل يسعى إلى ترسيخ نقاط سياسية ملموسة للغاية من خلال تأملات مجردة. ولكن دعونا نبدأ بالأساسيات.

الفاشية بوصفها إحياء للديمقراطية

تتلخص أطروحة بابيروفسكي السياسية المركزية في بساطتها وخطورتها: فما يُسمى بـ'الشعبويين' - وهو يقصد بهم، رغم كل محاولاته للحفاظ على حياد أكاديمي، اليمين المتطرف - ليسوا تهديداً للديمقراطية، بل هم بمنزلة تصحيح لها. كتب بابيروفسكي: 'الشعبوية هي تصحيح، وترياق لتمكين أصحاب الامتيازات لأنفسهم، وإسفين يخترق الإجماع، وبهذه الطريقة تُسهم في إحياء السياسة' (ص 150).

وفي موضع آخر، اشاد بـ'الأثر المُنشّط' (ص 114) للشعبوية. وصف المتطرفين اليمينيين بأنهم أبطال الحقوق الديمقراطية وضامنوا احترام إرادة الشعب:

يعد الشعبويون بما تخلت عنه النخبة السياسية منذ زمن طويل كمشروع: إمكانية إلغاء القوانين التي لم تعد صالحة للغرض، وتغيير الظروف المعيشية التي تُعتبر قمعية، إن رغب المرء بذلك. يتعلق الأمر بتمكين المواطنين، وتحويل ديمقراطية المصادقة والموافقة إلى ديمقراطية فاعلة. فمعظم ناخبي الأحزاب الشعبوية لا يطالبون بإلغاء الديمقراطية، بل يتوقون إلى نمط حياة تُسمع فيه أصواتهم ويُفرّغون فيه استياءهم المكبوت. ليس أمام المحاكم واللجان - التي لم ينتخبها أحد ولا تخضع للمساءلة أمام أحد - بل في الصدام الحاد للآراء، في البرلمان والحكومة، يجب أن تُقال الكلمة الأخيرة. يجب أن تُؤخذ إرادة الأغلبية بعين الاعتبار؛ فلا ينبغي بعد الآن أن تبقى مقيدة بطبقة سياسية غير مطالبة بالمساءلة عن أفعالها. (ص 135 وما بعدها)

من هم ممثلي تلك القوى المحفزة الموصوفة هنا؟ مع أن بابيروفسكي لا يذكر حزب البديل من أجل ألمانيا صراحةً، إلا أنه لا يترك مجالاً للشك فيمن قصده. فهو عددهم قائلاً: 'سيلفيو برلسكوني، جورجيا ميلوني أو يورغ هايدر، خيرت فيلدرز أو بيورن هوكه، مارين لوبان، جان لوك ميلانشون أو الأخوان كاتشينسكي - نحن، ممثلو الشعب، في مواجهة النخبة الفاسدة المتعطشة للسلطة والمنفصلة عن الواقع' (ص 116). هوكه، الفاشي وزعيم 'جناح' اليمين المتطرف في حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي أدين وحُكم عليه لاستخدامه شعار كتيبة العاصفة المحظور 'كل شيء من أجل ألمانيا'، وضع هنا في نفس خانة الشعبوية اليسارية ميلانشون. هذه ليست معادلة عشوائية، بل هي جوهر منهجية بابيروفسكي في استراتيجية التبسيط: فمن خلال معاملة اليسار واليمين على أنهما 'شعبويان' متماثلان، يجعل الفاشية مقبولة اجتماعياً.

يسعى بابيروفسكي من خلال تمجيده للفاشيين إلى تحقيق هدف واضح يتمثل في تعزيز مشاركتهم في الحكم. فهو يُلقي محاضرة مفادها أنه لا داعي للقلق بشأن الحقوق الديمقراطية إذا وصل المتطرفون اليمينيون إلى السلطة:

الفاشية ليست على الأبواب. حتى لو سعى أحدهم إلى إقامة دكتاتورية، فمن سيتبعه؟ لقد حصّنت المجتمعات في أوروبا وأمريكا الشمالية نفسها منذ زمن طويل ضد مثل هذه الإغراءات. ... وحيثما وصل السياسيون الشعبويون إلى السلطة، كما هو الحال في الولايات المتحدة وإيطاليا واليونان وبولندا والبرازيل، نرى أنهم تخلوا عنها بعد خسارتهم الانتخابات. والخبر السار هو: أننا لسنا على حافة كارثة (ص 135).

وبناءً على ذلك، اتهم بابيروفسكي أولئك الذين يحذرون من الخطر الفاشي، تماشياً مع عالم الاجتماع الفرنسي كريستوف غيوي، بـ'رفع أنفسهم أخلاقياً فوق خصومهم ووصف انتقاد ديناميكيات القوة في العولمة بأنه دعاية كراهية فاشية' (ص 134). كما اشتكى من أن المتطرفين اليمينيين المذكورين 'يُوصمون بـ'الأشرار' أو 'كارهي البشر' أو 'غير العقلانيين' ويُستبعدون من هذا النقاش العام' (ص 153).

أصدر بابيروفسكي هذا التبرير القاطع ليس فقط لهوكه وحزبه البديل من أجل ألمانيا، بل أيضاً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تعامل معه طوال الكتاب حصراً كظاهرة ثقافية وتواصلية. يوضح بابيروفسكي قائلاً: 'إن الترامبية ليست من صنع جماعات ضغط اقتصادية قوية، بل هي في أحسن الأحوال نتاج حملة إعلامية سلبية جعلت من المرشح وناخبيه موضع ازدراء، مما سمح له بتحويل استراتيجية الاستقطاب المستمر وتشويه سمعة النخب الليبرالية إلى نموذج عمل ناجح' (ص 116).

من يُفترض به أن يُصدّق هذا الهراء؟ حظي ترامب بدعم قطاعات واسعة من النخبة المالية خلال حملته لإعادة انتخابه، ولا سيما من أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك. وفي حفل تنصيبه، جلس جميع كبار رجال الأعمال خلفه لإظهار دعمهم. حكومته هي حكومة النخبة المالية.

ما عادت مصالح هذه الأوليغارشية متوافقة مع احتياجات الشعب. ولهذا السبب، قطعت عملية الانزلاق نحو الديكتاتورية شوطاً طويلاً لا سيما في الولايات المتحدة. فمن مطاردة المهاجرين على غرار أساليب الجستابو، مروراً باغتيال المعارضين السياسيين في مينيسوتا، وصولاً إلى إخضاع الجامعات، يشنّ ترامب هجوماً واسع النطاق على الحقوق الديمقراطية.

وتنعكس هجماته على الحقوق الاجتماعية والديمقراطية للعمال الأمريكيين في سياسته الخارجية الهمجية. شن ترامب حرباً عدوانية إجرامية ضد إيران، وتباهى بارتكاب جرائم حرب خطيرة، وهدد علناً بالإبادة الجماعية. ليس الخطاب وحده ما يُذكّر بالنازيين، بل إن على رأس الولايات المتحدة زعيم مافيا يفرض مصالح الأوليغارشية المالية بلا رحمة.

عندما يدّعي بابيروفسكي أن ترامب لا يُشكّل أي تهديد للديمقراطية، فكأنه يقول: 'لا أحد ينوي إقامة ديكتاتورية'. من الواضح أن الأستاذ اليميني المتطرف يسعى إلى التستر على طموحات الفاشي الديكتاتورية في البيت الأبيض باعتبارها 'إحياءً للديمقراطية'، وذلك لمساعدة حزب البديل من أجل ألمانيا على ترسيخ موطئ قدم له هنا في ألمانيا.

برنامج اليمين المتطرف

بذل بابيروفسكي، من حيث الأسلوب، جهداً كبيراً للحفاظ على مسافة بينه وبين 'الشعبويين'، لكن آراءه الخاصة أظهرت مراراً تداخلها جوهرياً مع آراء حزب البديل من أجل ألمانيا.

بدأ هذا بمفهومه للعولمة، التي لا يفهمها كمرحلة في تطور الرأسمالية، بل كعمل من أعمال 'نخبة عالمية': 'لقد أعلنوا أن العولمة تفاعل ديمقراطي بين قوى حرة لإخفاء حقيقة أنها لا تعدو كونها استغلالاً لحكومات الدول القومية لتحقيق مصالحها الذاتية.' (ص 88). ثم استفادت هذه النخب من العولمة لأنها 'تجد طريقها بسهولة في عالم بلا حدود، لأنها متنقلة وتمتلك رأس مال ثقافياً' (ص 88).

إن أوجه التشابه مع 'الرحالة عديمي الجنسية' عند القيصر فيلهلم، و'التمويل اليهودي الدولي' عند هتلر، وخطاب 'العولميين' النازي الجديد، ليست من قبيل الصدفة. بالاستناد إلى كارل شميت، كبير المنظرين القانونيين في الرايخ الثالث، يُعلن بابيروفسكي أن الدولة القومية هي الوسيلة الوحيدة الممكنة للهياكل الديمقراطية:

كانت العولمة هي التي كشفت لأول مرة أن مفاهيم الدولة والشعب والأمة والمواطن والديمقراطية فُهمت دائماً في بُعدها الجغرافي فقط. كتب كارل شميت: 'المفهوم المركزي للديمقراطية هو الشعب، وليس الإنسانية. إذا كان للديمقراطية أن تكون شكلاً سياسياً على الإطلاق، فلا يمكن أن تكون إلا ديمقراطية الشعب، لا ديمقراطية الإنسانية' (ص 89).

انطلاقًا من هذا المفهوم الرجعي، الذي لا يقوم على حقوق الإنسان غير القابلة للتصرف، بل على مبدأ شميت في استبعاد الأعداء، طوّر بابيروفسكي التحريض اليميني الكلاسيكي ضد المهاجرين. كتب:

اليوم، تُعاني دولة الرفاه من عبءٍ ما عادت قادرة على تحمّله، لأنها مُلزمة أيضاُ بتوفير احتياجات أناسٍ ما ساهموا في تمويلها. فالجميع يعلم أنها تُموّل من خلال الضرائب والاشتراكات التي يدفعها جميع من يعيشون ويعملون داخل حدودها. تُحافظ دولة الرفاه على استمراريتها من خلال حصريتها، وأي شخص يُريد إلغاء الحدود يُعرّضها للخطر في نهاية المطاف. إذ لا يُمكن الجمع بين الأمرين: حدود مفتوحة وضمان اجتماعي للجميع (ص 89).

وعلى غرار أساليب اليمين المتطرف، جعل بابيروفسكي من أولئك الذين فرّوا من حروب الناتو كبش فداء لعواقب التخفيضات الاجتماعية في السنوات الأخيرة. فعلى مدى العشرين عامًا الماضية، بِيعَت المساكن العامة، ونُهِبَت خزائن السلطات المحلية، وفُكِّكت أنظمة الرعاية الاجتماعية لتوزيع مليارات الدولارات على الأثرياء وتمويل حملة تسليح ضخمة. والآن، سيُحمّل أفراد المجتمع الأكثر ضعفاً مسؤولية هذا الأمر!

شكلت المقارنة التي أجراها بابيروفسكي بين الرأسمالية العالمية الجامحة والدولة القومية التي تبدو مألوفة جوهر كل أيديولوجية يمينية ويمينية متطرفة.

ارتبط ظهور الدولة القومية والديمقراطية تاريخياً ارتباطاً وثيًقاً فقد شكّلا عصر الثورات البرجوازية التي حطّمت حكم النبلاء، وتجاوزت التفكك الإقطاعي، وأوجدت، مع الدولة القومية، إطاراً أوسع لتطوير قوى الإنتاج.

مع ذلك، وبحلول نهاية القرن التاسع عشر على أقصى تقدير، تجاوز تقسيم العمل والتجارة العالمية حدود الدولة القومية، لتصبح عائقًا أمام قوى الإنتاج الحديثة. وكانت الحربان العالميتان الأولى والثانية تعبيراً عن تلك الحقيقة. فقد حاولت القوى الإمبريالية حلّ التناقض بين الاقتصاد العالمي والأمة من خلال إعادة تقسيم العالم قسراً على حساب منافسيها. وأصبحت القومية سلاحاً لأكثر ردود الفعل تطرفاً. كانت تلك القومية موجهة ضد الطبقة العاملة، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقوى الإنتاج الحديثة، التي ناضلت تحت راية الأممية الاشتراكية.

قدس هتلر الأمة، التي ربطها بالعرق والدم. ومع ذلك، لم يسعَ إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الوطني. كانت قومته وسيلةً لحشد كل قوى المجتمع ً لغزو أوروبا أولاً ثم العالم؛ لقد كانت مجرد غلاف أيديولوجي لبرنامج إمبريالي عابر للحدود لا يتسامح مع أي معارضة اجتماعية أو سياسية، ولا يمكن تنفيذه إلا من خلال دكتاتورية فاشية.

يُمثل المتطرفون اليمينيون اليوم - من حركة 'لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً' (MAGA) التي يقودها ترامب إلى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) - امتداداً لذلك الإرث. فهم يُبشرون بالقومية ويشنون حروباً إمبريالية. إنهم يُحطمون الحقوق الديمقراطية للطبقة العاملة، التي باتت اليوم أكثر عالمية من أي وقت مضى في التاريخ. فكل منتج تقريباً يمر عبر مئات الأيدي وعشرات الدول قبل أن يصل إلى المستهلك. إن التقنيات الثورية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطب ومجالات أخرى لا حصر لها ما كان يمكن تصورها لولا التقسيم الدولي للعمل.

وخلافاً لما يدّعيه بابيروفسكي، مستنداً إلى كارل شميت، فإن الديمقراطية لا تقوم على 'الأمة' و'الشعب'. بل إن الدفاع عنها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتجاوز الدولة القومية والملكية الخاصة الرأسمالية التي تُدافع عنها.

كتب مُناهض للديمقراطية عن الديمقراطية

ليس من غير المثير للسخرية أن يُؤلف بابيروفسكي، تحديداً، كتاباً عن الديمقراطية. فالأستاذ، الذي سعى لتأسيس مركز أبحاث بعنوان 'الديكتاتوريات كنظم بديلة' واعتدى جسدياً على طالب ناقد، وضع نفسه علناً ضمن تيار اليمين الرجعي المناهض للديمقراطية.

ففي كتابه 'مساحات العنف'، رسم بابيروفسكي رؤيةً للإنسانية تتنافى تماماً مع المُثل الديمقراطية. وتتلخص أطروحته الرئيسية في أن العنف سمة أساسية من سمات الطبيعة البشرية، لا أسباب اجتماعية أو أيديولوجية له. ومن هذا استنتج أنه 'لا يُمكن تصور أي نظام لا يقوم على التسلسل الهرمي وعدم المساواة الاجتماعية' (بابيروفسكي، 2015، ص 123).

لخص الأمر بوضوح أكبر خلال مقابلة إذ قال: 'حيثما يجتمع أكثر من ثلاثة أشخاص، يجب توضيح من يتخذ القرارات. عندها يمتلك شخص واحد السلطة، بينما يُمنح الآخرون ضمان النظام.'[3] واستند أيضاً إلى الافتراضات نفسها في كتابه الأخير، مصرحاً، على سبيل المثال: 'لا يمكن التخلص من القيود؛ في أحسن الأحوال، يمكن جعلها أكثر مرونة وليونة' (ص 23).

من هذا المنظور الرجعي، كتب بابيروفسكي تاريخاً انتقائياً للغاية للديمقراطية. هدفه الرئيسي في النهاية هو تبرير الفكرة المبتذلة القائلة بأن التمثيل والسيادة الشعبية تناقضان رُجحت بشكل مختلف. على هذا الأساس، وطرح في الفصول اللاحقة بأنه يجب دمج الفاشيين من أجل تحقيق العدالة للسيادة الشعبية.

لكن على طول الطريق، كشف بابيروفسكي مراراً وتكراراً عن أفكاره الاستبدادية الجوهرية. يتذكر المرء الدكتور سترينجلوف، الذي، في وصفه للحرب النووية، عجز عن السيطرة على ذراعه اليمنى.

ناقش بابيروفسكي العلاقة بين التمثيل والسيادة الشعبية دون أي إشارة إلى الظروف الاجتماعية الملموسة، أو الصراعات الطبقية، أو الانتفاضات. فبالنسبة لبابيروفسكي، الديمقراطية امتيازٌ يُمنح للشعب، لا نضالٌ يُخاض من أجله. أما الاضطرابات الاجتماعية الكبرى التي مهدت الطريق للديمقراطية في المقام الأول، فتم تجاهلها أو تهميشها بشكل منهجي.

كاد يغيب الحديث عن الثورة الفرنسية في كتابه، رغم أنها كانت أول ثورة ديمقراطية جماهيرية كبرى في العصر الحديث، أطاحت بالحكم المطلق وأرست مبدأ السيادة الشعبية. أما الثورة الأمريكية، فقد ذُكرت فقط من منظور عناصرها المحافظة: إذ ركز بابيروفسكي على التسوية الفيدرالية، وتقييد إرادة الأغلبية من خلال القانون الدستوري، والضمانات المؤسسية ضد الديمقراطية المباشرة. مع ذلك، لم يُشر بابيروفسكي قط إلى إعلان الاستقلال عام 1776، الذي نص على أن 'جميع الناس خُلقوا متساوين' ولهم الحق في إسقاط أي حكومة استبدادية – وتلك كانت دافعة ثورية ذات أثر عالمي.

عندما وصف بابيروفسكي تطور الديمقراطية في ألمانيا، لم يسعه إلا ذكر الاشتراكية كقوة دافعة، لكنه أسند إليها دوراً ثانوياً تماماً. بدلاً من ذلك، ركز بابيروفسكي على الحرب العالمية الأولى كعامل في التحول الديمقراطي: ليس لأن العمال والجنود قاتلوا وثاروا، ولا بسبب الثورة الروسية وثورة نوفمبر، اللتين كلفتا النبلاء الألمان العرش - بل لأن الحرب حشدت الجميع، وبالتالي خلقت تجربة جماعية. في الواقع، كانت الجماهير هي التي انتزعت الحقوق الديمقراطية من خلال الإضرابات والانتفاضات، وليس الحرب في حد ذاتها.

لذا، ليس من المستغرب أن بابيروفسكي استشهد كثيراً بكارل شميت كشاهد رئيسي. تشترك نظرية شميت السياسية مع أنثروبولوجيا بابيروفسكي للعنف في نفس السمة الرجعية الكامنة: فكلاهما ينظر إلى ثنائية الصديق والعدو لا كنتيجة لظروف اجتماعية محددة، أو تناقضات تاريخية، أو صراعات طبقية، بل كسمة جوهرية خالدة للسياسة نفسها. كتب بابيروفسكي:

السياسة جزء من التكوين الإنساني، حقيقة وجودية. نحن سياسيون في العالم؛ نميز بين البعض والبعض الآخر، ونؤكد ذواتنا أو نخضع. عالم مسالم تماماً بلا معارضة هو عالم بلا سياسة. السياسة، كما قال شميت، ليست الصراع بحد ذاته، بل هي موقف يأخذ في الحسبان إمكانية حدوثه في كل حين. لذا، فإن جوهر السياسة هو التمييز بين الصديق والعدو، وهو تناقض في الحقائق الأخلاقية لا يمكن حله (ص 150).

وبذلك، أقرّ بابيروفسكي بنظرية شميت الرجعية للدولة. وصف شميت مفهوم الصديق والعدو بأنه مبدأ دستوري عام للسياسة: كل صراع - سواء كان أخلاقياً أو دينياً أو اقتصادياً - يصبح سياسياً 'عندما يكون قوياً بما يكفي لتصنيف الناس بشكل فعال إلى أصدقاء وأعداء'. [4]

ومع ذلك، فإن هذه النظرية مشبعة بموقف مناهض للديمقراطية بشكل عميق: فبالنسبة لشميت، يُعرَّف السياسي بإمكانية الكفاح المسلح الكامنة، بل وحتى القتل الجسدي للعدو. أما النقاش البرلماني والتسوية، فهما في نظر شميت لا تعدو أن تكون مظاهر ليبرالية غير سياسية تختزل 'الكفاح' إلى مجرد 'نقاش'. في حالة الطوارئ، يجب على الدولة أن تحدد العدو بسيادتها، وهذا يشمل العدو الداخلي، الذي ربطه شميت نفسه بمنطق الحرب الأهلية. هذا المفهوم ليس فئة تحليل ديمقراطية، بل هو الأساس النظري لإضفاء الشرعية على حالة الطوارئ والديكتاتورية. بعد عام 1933، استخدم شميت هذه النظريات لتبرير الديكتاتورية النازية.

يدرك بابيروفسكي تماماً عواقب نظريات شميت. ففي كانون الثاني / يناير 2017، ألقى ما يُسمى بمحاضرة كارل شميت في جامعة هومبولت بعنوان 'الثورة الروسية وأصول الديكتاتورية السيادية'. في هذا الكتاب، جادل بابيروفسكي، مستخدماً مصطلحات شميت، بأنه كان على القيصر أو على الحكومة المؤقتة إقامة 'ديكتاتورية مؤقتة' لقمع الثورة الاجتماعية.

طغى هذا المنطق الديكتاتوري والرجعي على كتابات بابيروفسكي. وهكذا، فإن كل اللغة المهذبة التي يستخدمها بابيروفسكي الآن لتبرير الحوار الديمقراطي مع الفاشيين، ما هي إلا استراتيجية معروفة لليمين المتطرف: فهم يصرون على حرية التعبير عند تعبيرهم عن انتقاد، لكنهم يهاجمون أبسط الحقوق الديمقراطية عندما يكونون في السلطة. ولهذا السبب تحديدًا تستخدمهم الطبقة الحاكمة.

التقليل من شأن النازيين

الدرس السياسي الأهم في هذا السياق هو، بطبيعة الحال، الديكتاتورية النازية. ففي آخر انتخابات حرة جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 1932، لم يحصل هتلر إلا على 33.1% من الأصوات، أي أقل بكثير من مجموع ما حصل عليه الحزبان العماليان، الاشتراكيون الديمقراطيون والحزب الشيوعي. ومع ذلك، فقد وصل إلى السلطة عبر مؤامرة تورط فيها الجيش وقادة الأعمال ووسائل الإعلام، بهدف سحق منظمات العمال والتحضير لحرب جديدة. وفي مارس/آذار، صوتت جميع الأحزاب البرجوازية 'الديمقراطية' لصالح قانون التمكين.

وكما أوضح بيتر لونجريش، استناداً إلى تحليل منهجي لعدد كبير من تقارير الاستخبارات والشرطة، فإن معارضة النظام النازي كانت واسعة الانتشار طوال فترة حكمه. ببساطة، لم تجد هذه المعارضة متنفساً سياسياً علنياً. [5] ولهذا السبب حكم النازيون بإرهاب غير مسبوق. فور استيلائهم على السلطة، أنشأوا شبكة ضمت ما لا يقل عن 70 معسكر تجميع، سُجن فيها عشرات الآلاف من الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين والنقابيين، وجُردوا من حقوقهم. واستمر الإرهاب في التصاعد، وبلغ ذروته في المجازر الجماعية خلال الحرب العالمية الثانية وإبادة اليهود الألمان والأوروبيين.

لا نجد في كتاب بابيروفسكي عن تاريخ الديمقراطية في ألمانيا أي إشارة إلى هذا الموضوع! بل على العكس، وصف الدكتاتورية النازية الهمجية بأنها نوع من الصحوة الوطنية. فعلى سبيل المثال، عندما أعاد صياغة ذكريات فتاة من الحقبة النازية: 'بتحررها من ممثليها، وجدت السيادة الشعبية تعبيرها في 'الفوهرر' في المقام الأول. ولا شك أن هذا ما فهمه كثير من الألمان عندما قرروا الاستسلام للرجل القادر على الإغواء '. ثم لخص الأمر بنفسه: 'من الواضح أن فكرة مجتمع مصيري شامل قادرة على أسر الجماهير طالما أن الدكتاتوريات تفي بوعودها وتمنح الناس ما يشتهونه في حياتهم اليومية' (ص 74).

وبينما غُض النظر عن رعب الدولة النازية وتحويلها إلى مجتمع وطني مثالي، صوّر بابيروفسكي أولئك الذين حاربوا النازيين على أنهم الأعداء الحقيقيون للديمقراطية. ويؤكد مرارًا وتكرارًا أن الشيوعيين والنازيين على حد سواء كانوا يحتقرون الديمقراطية. لكن في الفصل ذي الصلة، خصص أكثر من خمس صفحات للشيوعيين والاشتراكيين، وثلاث صفحات فقط للنازيين في الكتاب بأكمله.

ما من أساس من الصحة لما كتبه عن ن معارضي الحرب والديكتاتورية والفاشية من الشيوعيين. فهو اقتبس من خطاب الشيوعية كلارا زيتكين في افتتاح الرايخستاغ عام 1932، ويتهمها بـ'ازدراء الديمقراطية' (ص 72). مع ذلك، ما احتقرت زيتكين الديمقراطية. ففي خطابها، انتقدت بشدة حكومة بابن الرئاسية، التي حكمت حكماً ديكتاتورياً عبر مراسيم الطوارئ، ودعت الرايشستاغ إلى الإطاحة ببابن. وتابعت زيتكين قائلة: 'إن الإطاحة بالحكومة من قبل الرايشستاغ لن تكون إلا إشارة لتعبئة الجماهير العريضة خارج البرلمان وصعودها إلى السلطة. وفي هذا النضال، تتمثل المهمة الأولى والأهم في سحق الفاشية'.

صدقت تحذيرات زيتكين بعد خمسة أشهر، عندما عيّنت الشخصيات نفسها التي ساعدت الحكومات الرئاسية على الاستيلاء على السلطة الديكتاتورية هتلر نفسه مستشاراً للرايخ. لكن بالنسبة لبابيروفسكي، فإن الدعوة إلى نضال مناهض للفاشية تُعدّ 'ازدراءً للديمقراطية'.

إضافةً إلى تبييض فظائع النازية والتقليل من شأن مناهضي الفاشية، فإن استطراد بابيروفسكي الموجز للغاية حول الرايخ الثالث يُسهم في التقليل من شأن الخطر الذي يُمثله فاشيو اليوم. ولأن النازيين (والشيوعيين!) أعلنوا صراحةً رغبتهم في إقامة دكتاتورية، بينما لا يفعل 'الشعبويون' اليوم ذلك، فلا يُمكن افتراض أنهم يُريدون إلغاء الديمقراطية (ص 133 وما بعدها). وسبق توضيح سخافة هذا الادعاء فيما يتعلق بترامب، الذي أعلن، بالمناسبة، صراحةً أنه لا يُريد التخلي عن السلطة.

في الواقع، أوجه الشبه مع العقد الرابع من القرن الماضي واضحة. فإعلان ترامب الصريح عن ارتكاب جرائم حرب، وتهديده بإبادة إيران وتجويع الملايين، لا يُضاهى في قسوته إلا النازيون. وهجماته الشاملة على الحقوق الديمقراطية والاجتماعية للعمال تُمهد لحرب شاملة ضد الصين تُهدد بقاء الحضارة الإنسانية.

وفي ألمانيا أيضاً، تُعيد الحكومة تسليح نفسها على نطاق لم تشهده منذ عهد هتلر، والحقوق الديمقراطية مُستهدفة. على كل من يُعارض الإبادة الجماعية المروعة في غزة أو الحرب الهمجية ضد إيران أن يتوقع قمعاً هائلاً. في ظل هذه الظروف، حتى النخب الحاكمة في ألمانيا بدأت تميل إلى الديكتاتورية. ولهذا السبب يُحتفى بكتابات بابيروفسكي ويُستقطب حزب البديل من أجل ألمانيا.

مع ذلك، ثمة اختلافات جوهرية عن العقد الرابع من القرن الماضي. فجماعات اليمين المتطرف ليست منظمات جماهيرية ذات أجنحة عسكرية قوية. إذ رفضت غالبية الشعب الحرب والعسكرة، والعمال في جميع أنحاء العالم بدأوا للتو في التحرر من قيود النقابات العمالية، وشن مقاومة حقيقية ضد موجة التخفيضات والتسريحات الجماعية.

يجب ربط هذه المعارضة بالنضال ضد الحرب والخطر الفاشي، وتوجيهها نحو جذر المشكلة: الرأسمالية. ويُعدّ رفض التبرير الأيديولوجي المتفشي للفاشية والحرب جزءًا أساسيًا من هذا النضال


[2]

Detailed in: Vandreier, Why Are They Back? , Mehring Books

[3]

Baberowski and Kröber in discussion, “Krieg wird es immer geben” (“there will always be wars”), in: Cicero (2016), Nr. 1, S. 112-119

[4]

Schmitt, The Concept of the Political, Munich, 1932, P25

[5]

Longerich, Unwillige Volksgenossen. Wie die Deutschen zum NS-Regime standen. Eine Stimmungsgeschichte, Munich, 2025

Loading