يدّعي كتاب 'فجر أحمر فوق الصين - كيف غزت الشيوعية ربع البشرية' الجديد، للمؤلف فرانك ديكوتر، والمنشور في فبراير، أنه يشرح كيف وصل الحزب الشيوعي الصيني إلى السلطة. إلا أنه عمل تضمن عيوب جوهرية، لا يدّعي الموضوعية الأكاديمية أو النزاهة الفكرية، وليس سوى حملة تشويه مطولة ضد الشيوعية تستهدف الحزب الشيوعي الصيني والثورة الصينية عام 1949.
إن صدور كتاب رديء كهذا في هذا الوقت بالذات، وحصوله على دعاية دولية واسعة، إيجابية ومُشيدة بشكل شبه كامل، يُشير إلى غايته السياسية.
ويأتي هذا في إطار حملة الدعاية المكثفة التي تشنها واشنطن وحلفاؤها بهدف تشويه صورة الصين ووصفها بأنها 'توسعية' و'عدوانية'، في الوقت الذي تواصل فيه إدارة ترامب الاستعدادات لتوسيع نطاق الحروب في الشرق الأوسط وأوروبا لإغراق الصين في صراع عالمي كارثي الأبعاد.
يًعدّ كتاب 'الفجر الأحمر' أحدث إصدارات سلسلة كتب ديكوتر المتحيزة حول الصين المعاصرة، التي تتزامن مع تحوّل موقف واشنطن تجاه بكين من أنها مصدر هائل للعمالة الرخيصة إلى تهديد متنامٍ للهيمنة العالمية للإمبريالية الأمريكية. سبق أن لاقى أول كتاب من ثلاثيته عن الصين في عهد ماو، الذي نُشر عام 2010، رواجاً واسعاً بالتزامن مع تولي باراك أوباما منصبه وإطلاقه ما سُمي بـ'التحوّل نحو آسيا'، وهو هجوم دبلوماسي واقتصادي على الصين، مصحوب بحشد عسكري هائل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ازداد حدةً في ظل الإدارات اللاحقة.
استند عمل ديكوتر برمته إلى الفرضية الأساسية لدعاية الحرب الباردة التي ساوت زوراً بين الاشتراكية والشيوعية والستالينية بجميع أشكالها، بما في ذلك الماوية في الصين، وأشادت بالإمبريالية الأمريكية باعتبارها حامية الديمقراطية. وتجاهل بذلك، النضال السياسي الذي خاضه ليون تروتسكي ضد سياسات ستالين الانتهازية الذي أدى إلى هزيمة مدمرة للحركة الثورية في الصين عام 1927، التي شكلت بدورها طبيعة النظام الماوي الذي انبثق من ثورة 1949.
بعد تخرجه في التاريخ من جامعة جنيف عام 1985، وشغله مناصب جامعية في لندن وهونغ كونغ، أصبح ديكوتر زميلاً بارزاً في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، وهو المعهد الأمريكي النموذجي لصناعة الخطاب المعادي للشيوعية خلال الحرب الباردة. تعاون هناك مع شخصيات بارزة مثل إتش. آر. ماكماستر، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي في ولاية ترامب الأولى، والمؤرخ البريطاني اليميني نيال فيرغسون.
ينطبق تماماً على كتابه الأخير ما أشار إليه النقاد الأكاديميون بخصوص كتبه السابقة - غياب السياق التاريخي والتحليل الدقيق، واستخدام بيانات غير موثوقة، وعدم الاهتمام بالحركات الجماهيرية أو فهمها، وأسلوب الكتابة المبتذل، واختيار المواد الأرشيفية بما يتناسب مع استنتاجات مُسبقة.
تضمن تفسير كتاب 'الفجر الأحمر' ـ'كيف غزت الشيوعية ربع البشرية' تناقض واضح عجز ديكوتر عن حله. من ناحية أخرى، قدم ديكوتر، استناداً إلى بحثه الأرشيفي، الادعاء التالي: 'ما يتضح جلياً في وثيقة تلو الأخرى هو مدى هامشية الحزب الشيوعي في تاريخ الصين منذ تأسيسه عام 1921 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.'[1]
يثور التساؤل: إذا كان دور الحزب الشيوعي ضئيلاً إلى هذا الحد، فكيف وصل إلى السلطة عام 1949؟ إجابته فظة كبقية حججه: 'الكلمة المفتاحية هي العنف، والاستعداد لممارسته. لم تحظَ الشيوعية بشعبية في الصين قط، كما هو الحال في فنلندا أو الولايات المتحدة، وقد فُرضت على الشعب بالقوة'، وفق تصريحه.[2]
ملأ ديكوتر صفحاتٍ تلو صفحات بروايات عن وفظاعة الشيوعية، مستقاة من خصومها السياسيين ومقتطعة من سياقها: دبلوماسيون أجانب، وضباط عسكريون، وجواسيس مصممون على حماية المصالح الإمبريالية وتعزيزها، أخفوا مؤامراتهم وبرروا جرائمهم. رجال أعمال، ومبشرون، وملاك أراضٍ رووا قصصاً مروعة عن نضالات العمال والفلاحين. قصصٌ بشعة عن 'شيوعيين متعطشين للدماء' مأخوذة من الصحافة الصفراء في الصين، ترددت أصداؤها في وسائل الإعلام الدولية. كل هذا غذى حججه.
بقدر ما نقب ديكوتر في أرشيف الحزب الشيوعي الصيني الستاليني، فإنه انتقي أجزاءً متفرقة لتأكيد ضآلة شأن الحزب، وعمليات التطهير الداخلية الفظيعة التي مارسها، واعتماده على العنف، وتبعيته للمساعدات من الاتحاد السوفيتي - أي بعبارة أخرى، تصوراته المسبقة.
في مراجعته في صحيفة فايننشال تايمز، لاحظ سيرغي رادشينكو، المتعاطف بوضوح مع ديكوتر، أنه 'روى قصة صعود الحزب الشيوعي الصيني كسلسلة لا تنتهي من الجرائم، بعضها موصوف بدقة متناهية. أرقام... أرقام... يُقتل أحدهم رمياً بالرصاص. أرقام... أرقام... يُدفن أحدهم حياً. أرقام... أرقام... يُسحق رأس أحدهم بصخرة. أرقام... أرقام... يُؤكل أحدهم. ها هو ذا، فجر الشيوعية.'[3]
مع ذلك، فإن العنف، في حد ذاته، لا يفسر شيئاً. فخلال تلك الفترة، كانت الصين غارقة في الحرب - صراع أهلي وحرب مع اليابان. السؤال الذي يجب طرحه والإجابة عليه هو: من ارتكب العنف، وما هي المصالح الطبقية التي خدمها؟ إن عنف الظالمين للحفاظ على استغلالهم يختلف عن عنف المظلومين الذين يناضلون من أجل حقوقهم الأساسية. من الواضح أن ديكوتر ينحاز إلى الظالمين. علاوة على ذلك، فإن الاستعداد لإلحاق العنف لا يفسر سبب انتصار أحد الطرفين في حرب، أو حرب أهلية كما في حالة الصين، وهزيمة الطرف الآخر. كما أنه لا يفسر سبب وصول الحزب الشيوعي الصيني الستاليني إلى السلطة عام 1949، بدلاً من عام 1939 أو 1929.
تأسيس الحزب الشيوعي الصيني
لا يمكن في مراجعة كهذه تفنيد كل زيف، أو نصف حقيقة، أو خلل، أو مراوغة وردت في كتاب 'الفجر الأحمر فوق الصين'، فهذا يتطلب مجلداً بحجم الكتاب نفسه على الأقل. لكن من الضروري دراسة معالجة ديكوتر للمنعطفات الرئيسية في تاريخ الصين خلال الفترة التي غطاها الكتاب دراسة نقدية.
في أقل من أربعين عاماً، اهتزت الصين ليس بثورة واحدة، بل بثلاث ثورات: سقوط سلالة مانشو عام 1911، والثورة الصينية الثانية بين عامي 1925 و1927، والثورة الصينية الثالثة عام 1949.
لم يتطرق ديكوتر إلا قليلاً إلى الإطاحة بالسلالة الإمبراطورية وتأسيس جمهورية الصين. تم إزاحة صن يات صن، أول رئيس جمهورية ومؤسس حزب الكومينتانغ البرجوازي أو الحزب الوطني، بسرعة حيث قام أمراء الحرب المتنافسون، بالتحالف مع القوى الإمبريالية الكبرى، بتقسيم البلاد.
كان عجز البرجوازية الصينية عن توحيد الصين، وإنهاء القمع الإمبريالي، وتلبية الاحتياجات الاجتماعية المُلحة للعمال والفلاحين، هو ما غذّى الحراك الفكري والسياسي الذي انبثق منه الحزب الشيوعي الصيني في أعقاب الحرب العالمية الأولى وثورة أكتوبر في روسيا عام 1917.
انطلق سرد ديكوتر لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني من تحيزاته السياسية. قال لقرائه: 'لم تحظَ الشيوعية بشعبية في الصين قط'. وصف ثورة أكتوبر في روسيا بأنها 'انقلاب'، لكنه مع ذلك، وبشكلٍ لا يُفسَّر، 'أحدث صدمة في أوروبا وخارجها'. في الصين، على عكس أوروبا في نهاية الحرب العالمية الأولى، 'لم يظهر أي عمال في الشوارع'.[4]
ومع أنه ربما لم يكن هناك آلاف العمال في الشوارع لوحوا بالأعلام الحمراء ونادوا بالشيوعية، فقد نشأت حركة جماهيرية مناهضة للإمبريالية بسرعة بعد الحرب العالمية الأولى. وكانت تلك الحركة مدفوعة بمعارضة مطالبة اليابان بالاستيلاء على مقاطعة شاندونغ، واستمرار وجود 'امتيازات' أو جيوب معزولة في مدن رئيسية مثل شنغهاي وقوانغتشو وبكين، سيطرت عليها القوى الإمبريالية الكبرى.
أحاطت آمال كبيرة بمؤتمر فرساي الذي عُقد بعد الحرب، إذ أمل العديد من الصينيين أن تدعم القوى العظمى عودة شاندونغ، التي كانت تحت السيطرة الألمانية قبل الحرب، إلى الصين. إلا أن خيبة الأمل المريرة إزاء قرار تسليم شاندونغ إلى اليابان اندلعت في احتجاجات حاشدة شارك فيها آلاف الطلاب في بكين في 4 مايو/أيار 1919، وهي حركة سرعان ما امتدت إلى مدن أخرى مصحوبة باحتجاجات وإضرابات ومقاطعة للبضائع اليابانية.
تأثرت حركة الرابع من مايو/أيار بشدة بأفكار حركة الثقافة الجديدة، التي رأت أن إنهاء استعباد الصين يتطلب تحديث جميع جوانب المجتمع استناداً إلى المثل الديمقراطية والتقدم العلمي في أوروبا والولايات المتحدة. وبينما تنوعت تياراتها، انجذبت أكثر عناصر حركة الرابع من مايو/أيار راديكاليةً وبعد نظر إلى الماركسية والبلشفية، مستلهمةً من الثورة الروسية.
رأى ديكوتر أن تأسيس الحزب الشيوعي كان نتيجةً لمؤامرات عملاء شيوعيين وأموال من الاتحاد السوفيتي. صحيح أن ممثلي الأممية الثالثة (الكومنترن) في الصين قدّموا مساعدةً قيّمة، لكن لولا التطرف الذي كان سائداً آنذاك، لما حققوا أي شيء. سخر ديكوتر من المؤتمر التأسيسي للحزب في 23 يوليو/تموز 1921، واصفاً إياه بأنه ضمّ اثني عشر مندوباً فقط 'تشاجروا حول قضايا عديدة'. ومع ذلك، أثبت الحزب أنه قوة جاذبة في الاضطرابات الثورية التي تلت ذلك بفترة وجيزة.[5]
الثورة الصينية الثانية (1925-1927)
رأى ديكوتر أنه ما كان هناك وضع ثوري في الصين بين عامي 1925 و1927. باستثناء الحالات التي لا مفر منها، وتجاهل تماماً الحركة الجماهيرية للعمال والفلاحين في كتابه. ولا تُعتبر مسائل الاستراتيجية والتكتيكات الثورية، ولا دور ستالين الرجعي، ذات أهمية. نتيجةً لذلك، افتقر سرد ديكوتر إلى التماسك والمنطق، إذ انتقل من حدثٍ إلى آخر دون ترابط. البطل الرئيسي هو زعيم الكومينتانغ، شيانغ كاي شيك، الذي اعتبرته الطبقة البرجوازية الصينية منقذها من الشيوعية والجماهير الثائرة. وقد تم التستر على جرائمه، وجرائم القوى الإمبريالية، والتقليل من شأنها.
لكن ما حدث كان أكثر تعقيداً. ففي عام 1922، وجّهت الأممية الشيوعية الحزب الشيوعي الصيني للانضمام إلى الكومينتانغ والعمل ضمن صفوفه. وقدّمت موسكو المال والسلاح والمستشارين للكومينتانغ، وأنشأت أكاديمية وامبوا العسكرية لتدريب ضباطه.
كان تروتسكي، العضو الوحيد في المكتب السياسي الذي عارض قرار الانضمام إلى حزب الكومينتانغ البرجوازي. حوّل ستالين ما بُرر في البداية كخطوة مؤقتة نحو بناء حزب مستقل إلى سياسة طويلة الأمد، وهو ما حذّر منه تروتسكي، إذ أثبت أنه قاتل للثورة والحزب الشيوعي. ارتبط النضال من أجل الاستقلال السياسي للحزب الشيوعي الصيني بنضال تروتسكي والمعارضة اليسارية في موسكو ضد البيروقراطية الستالينية التي أخضعت مصالح الطبقة العاملة للحفاظ على امتيازاتها وسلطتها تحت راية 'الاشتراكية في بلد واحد' الرجعية.
أثبت تروتسكي في نظريته عن الثورة الدائمة، التي وضعها لأول مرة عام 1905، أن البرجوازية في بلدان التطور الرأسمالي المتأخر، مثل روسيا، عاجزة بطبيعتها عن القيام بالمهام الديمقراطية الأساسية للثورات البرجوازية الكلاسيكية في أوروبا وأمريكا، بما في ذلك الإصلاح الزراعي الشامل. ووقعت تلك المهام بالضرورة على عاتق البروليتاريا، التي تقود الفلاحين في نضال ثوري من أجل السلطة كجزء لا يتجزأ من النضال من أجل الاشتراكية على الصعيد الدولي.
تنبأت نظرية الثورة الدائمة بالخطوط الأساسية لتطور الانتفاضات الثورية في روسيا عام 1917، ووفرت الأساس النظري لاستيلاء البلاشفة على السلطة في ثورة أكتوبر. مثّلت الثورة الروسية تأكيداً إيجابياً لنظرية تروتسكي، في حين كانت النتيجة المأساوية للثورة الصينية الثانية بمنزلة تأكيد سلبي لها.
تصاعدت حدة الحراك المناهض للإمبريالية، الذي تجلى في حركة الرابع من مايو، إلى انتفاضة شعبية عارمة في منتصف عام 1925. وفي 30 أيار/ مايو، أطلقت الشرطة البريطانية النار على 12 شخصاً وقتلتهم أثناء احتجاجهم على مقتل عامل في مصنع ياباني في شنغهاي. شلّ إضراب عام المدينة، وانتشرت الحركة الجماهيرية بسرعة. ووفق أحد التقديرات، شارك 400 ألف عامل في نحو 135 إضراباً.
نُظم، في كانتون، مظاهرة حاشدة في 23 حزيران /يونيو 1925، اتجهت نحو منطقة الامتياز الأجنبي في المدينة. أطلقت القوات البريطانية والفرنسية النار على الحشود بالرشاشات، ما أسفر عن مقتل 52 شخصا أُعلن عن إضراب عام ومقاطعة للبضائع البريطانية، وخرج 100 ألف عامل من هونغ كونغ، المستعمرة البريطانية المجاورة. أدى إضراب ربع مليون عامل إلى إغلاق الشركات الأجنبية في المدينتين، واستمر لمدة 15 شهراً. وكان ذلك إيذاناً ببدء الثورة الصينية الثانية.
بعد وفاة صن يات صن في آذار/ مارس 1925، اندلع صراع مرير على السلطة داخل الكومينتانغ، تمحور حول وانغ تشينغ وي، زعيم الحزب والحكومة في كانتون، وتشيانغ كاي شيك، رئيس أكاديمية وامبوا العسكرية، الذي حظي بدعم الجناح اليميني المناهض للشيوعية في الحزب. في 20 مارس 1926، استولى تشيانغ على الكومينتانغ وحكومته بانقلاب عسكري، وأعلن الأحكام العرفية، وهمّش قيادة الكومينتانغ اليسارية، واعتقل القادة الشيوعيين والمستشارين السوفييت.
في الأشهر التالية، عزز تشيانغ، بصفته رئيساً للحكومة والجيش، ديكتاتورية عسكرية. قُمعت الإضرابات وانتفاضات الفلاحين بهمجية، بما في ذلك الإضراب العام طويل الأمد في كانتون وهونغ كونغ. سُمح للشيوعيين بالبقاء في الكومينتانغ، لكن مُنعوا من تولي مناصب قيادية، وأُجبروا على تبني أيديولوجية صن يات صن الليبرالية البرجوازية. أمر ستالين الحزب الشيوعي بالبقاء داخل الكومينتانغ، الذي صار شبه مشلول سياسياً وتنظيمياً داخل حزب برجوازي.
بعد سيطرته على حزب الكومينتانغ، شنّ تشيانغ الحملة الشمالية في يوليو/تموز 1926، وهي حملة عسكرية ضد أمراء الحرب الذين سيطروا على شمال الصين. روى ديكوتر الحملة الشمالية كسلسلة من الانتصارات العسكرية لتشيانغ، ما كان الحزب الشيوعي الصيني عوناً لها، بل نقمة. أدان الكتاب الشيوعيين لتشجيعهم 'الحشود على نهب وحرق ممتلكات التجار الأثرياء وملاك الأراضي' ومهاجمة 'الأجانب باعتبارهم عملاء للإمبريالية'.[6]
في الواقع، لولا دعم الحزب الشيوعي، لما استطاع تشيانغ الظهور أمام الجماهير كمحررهم، ولكانت الحملة الشمالية قد مُنيت بفشل ذريع، بوصفها مجرد صراع بين أمراء الحرب. لم تقتصر انتفاضات العمال والفلاحين التي حرض عليها كوادر الحزب الشيوعي الصيني على تمهيد الطريق لوصول قوات الكومينتانغ فحسب، بل أدت في بعض الحالات إلى طرد أمراء الحرب المحليين مسبقاً. ولهذا السبب، سمح تشيانغ في ذلك الوقت للحزب الشيوعي بالبقاء داخل الكومينتانغ تحت إدارته - وهو أمر لم يوضحه ديكوتر قط، لأن القيام بذلك من شأنه أن يقوض ادعاءه السخيف بأن الحزب الشيوعي الصيني كان دائماً مهمشاً سياسياً.
مذبحة تشيانغ في شنغهايز
جاءت المواجهة الدموية بين تشيانغ والحزب الشيوعي في شنغهاي. فقبل وصوله، حرض الحزب الشيوعي الصيني على انتفاضة مسلحة مدعومة بإضراب عام في 21 مارس 1927، مما وضع أكثر مدن الصين تصنيعاً تحت السيطرة الكاملة لاتحاد العمال العام، باستثناء الامتيازات الخارجية.
ولكن بينما كان تشيانغ يتآمر مع رجال الأعمال في المدينة وعصابات الترياد لتوجيه ضربة قاضية، قام ستالين بنزع سلاح البروليتاريا سياسياً ومادياً، وأمر العمال بدفن أسلحتهم واستقبال قوات تشيانغ في المدينة. في خطاب شهير ألقاه في 5 أبريل، أعلن أن 'تشيانغ كاي شيك يخضع للانضباط'. بعد أسبوع واحد فقط، في 12 أبريل، دخلت قوات تشيانغ شنغهاي وارتكبت مذبحة. ذُبح مئات العمال والشيوعيين بهمجية، وتفكك الحزب الشيوعي واتحاد العمال العام في المدينة.
قلل ديكوتر من شأن الأهمية السياسية وحجم المجزرة التي وقعت في شنغهاي، ساخرًا من 'الروايات الشعبية التي زعمت لعقود لاحقة أنها مذبحة لآلاف الثوار'.[7] من الواضح أن العدد الدقيق للقتلى في شنغهاي في 12 أبريل غير معروف، إذ سعت قوات شيانغ إلى التستر على جرائمها. قدّرت الباحثة الفرنسية ماري كلير بيرجير عدد قتلى العمال وأعضاء الحزب الشيوعي الصيني خلال الاسبوعين التاليين بأكثر من 5000، إما رمياً بالرصاص أو اختفوا، ويُفترض أنهم أُعدموا.[8]
لا جدال في أنه خلال عهد 'الإرهاب الأبيض' الذي أعقب ذلك، قُتل آلاف الشيوعيين والعمال في مدنٍ صينيةٍ خاضعةٍ لسيطرة شيانغ كاي شيك. سياسياً، كانت هزيمةً كارثيةً للطبقة العاملة، يتحمل ستالين مسؤوليتها الرئيسية، ومثّلت ضربةً قويةً للثورة الصينية الثانية.
من جانبه، أعلن ستالين أن سياسته كانت صائبةً تماماً. فقد أعلن أن الكومينتانغ البرجوازي كتلةٌ ثوريةٌ من أربع طبقات: الجناح التقدمي للبرجوازية، والبرجوازية الصغيرة الحضرية، والفلاحون، والبروليتاريا، متحدةً في النضال ضد الإمبريالية، باعتبارها المرحلة الديمقراطية البرجوازية للثورة. أما المرحلة الثانية، وهي النضال من أجل الاشتراكية، فقد حُكم عليها بالبقاء في المستقبل البعيد. كانت بمنزلة إحياءٍ لنظرية المناشفة ذات المرحلتين، التي فقدت مصداقيتها تماماً بعد الثورة الروسية.
في نقده اللاذع لوجهة نظر ستالين، رد تروتسكي قائلاً: 'من الخطأ الفادح الاعتقاد بأن الإمبريالية توحد جميع طبقات الصين آلياً من الخارج... إن النضال الثوري ضد الإمبريالية لا يُضعف التمايز السياسي بين الطبقات، بل يُعززه... فكل ما يُنهض جماهير الكادحين المضطهدين والمستغلين يدفع البرجوازية الوطنية حتماً إلى تحالفٍ مفتوح مع الإمبرياليين. إن الصراع الطبقي بين البرجوازية وجماهير العمال والفلاحين لا يضعف، بل على العكس، يُشحذ بفعل القمع الإمبريالي، إلى حد اندلاع حرب أهلية دامية في كل صراعٍ خطير.'[9]
سخر ديكوتر من موقف تروتسكي واصفاً إياه بأنه 'برنامج شيوعي بحت يُنفذه الشيوعيون فقط'، وأنه 'مخطط غير واقعي، بعيد كل البعد عن الواقع على الأرض'. غير واقعي؟ لا يمكن تفسير ذلك إلا بتجاهل أهمية استيلاء البروليتاريا على السلطة في شنغهاي، واستمرار الحركة الثورية التي تردد صداها في الصين.[10]
أعدّ ستالين، الذي وصفه ديكوتر بأنه 'أكثر براغماتية من تروتسكي'، نسخة ثانية من الكارثة، إذ أمر الحزب الشيوعي الصيني بدعم حكومة الكومينتانغ 'اليسارية' في ووهان برئاسة وانغ تشينغ وي. عُين اثنان من قادة الحزب الشيوعي وزيرين في الحكومة، كُلّفا بكبح جماح إضرابات العمال وانتفاضات الفلاحين المتواصلة. وأصر ستالين على بقائهما في الحكومة حتى بعد أن خضعت لأمراء الحرب الذين قتلوا الفلاحين الذين بدأوا بالاستيلاء على الأراضي وإعادة توزيعها.
وكما حذر تروتسكي، فبعد أن استغل وانغ الحزب الشيوعي الصيني للمساعدة في قمع الحركة الجماهيرية، انقلب على الحزب الشيوعي وأنصاره. في 15 يوليو/تموز 1927، أمر وانغ رسمياً جميع أعضاء الحزب الشيوعي الصيني بالاستقالة من الكومينتانغ وإلا واجهوا عقاباً شديًًا، ثم سحق أي مقاومة من العمال والفلاحين. وبحلول أوائل أغسطس/آب، تبادل جناحا الكومينتانغ - 'اليسار' في ووهان والجناح اليميني بقيادة تشيانغ كاي شيك في نانكينغ - برقيات التهنئة.
ولإخفاء الكوارث التي تسبب بها، أمر ستالين الحزب الشيوعي الصيني المنهك والمشتت والمحبط بتدبير سلسلة من المغامرات المشؤومة. وبلغت تلك المغامرات ذروتها في انتفاضة كانتون في الفترة من 11 إلى 13 ديسمبر/كانون الأول، التي تم توقيتها لتتزامن مع افتتاح المؤتمر الخامس عشر للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي والتحضيرات لطرد ونفي المعارضة اليسارية. شكل سحق كومونة كانتون نهاية الثورة الصينية الثانية وفتح الباب أمام الثورة المضادة التي تلتها.
ديكوتر و'الإرهاب الأحمر'
في الفصلين الأولين، يجاهل ديكوتر الثورة الصينية الثانية، وهي نقطة تحول جوهرية في التاريخ الصيني الحديث كان لها أثر بالغ على مسار الأحداث اللاحقة. أما الفصول الستة المتبقية من كتاب 'الفجر الأحمر فوق الصين' فهي مخصصة في معظمها لسرد أحداث العنف الستاليني.
تتبع خمسة من تلك الفصول تحركات ومعارك قادة وجيوش الحزب الشيوعي الصيني المختلفة، حين انفصل الحزب عن الطبقة العاملة وتراجع إلى مناطق أكثر عزلة وتخلفاً في الصين لشن حرب عصابات؛ ومحاولاته لإنشاء قواعد آمنة - ما يُسمى بالسوفييت؛ والمسيرة الطويلة الكارثية شمالاً التي تولى خلالها ماو تسي تونغ قيادة الحزب؛ والتحالف الثاني للحزب الشيوعي الصيني مع تشيانغ كاي شيك؛ والمرحلة الأخيرة من الحرب ضد اليابان.
ما أبدى ديكوتر أدنى اهتمام بتقييم الأدلة المؤيدة والمعارضة لسلسلة رواياته المروعة - من نفذها، ومدى العنف وأسبابه، أو حتى ما إذا كانت قد وقعت أصلاً. للثورات الفلاحية تاريخ طويل في الصين، وكثيراً ما أنزلت عقاباً قاسياً على الظالمين، وهو ما شجعه الحزب الشيوعي الصيني وشارك فيه بلا شك. ويخرج عن نطاق هذه المراجعة تحليل كل حادثة بالتفصيل.
قُدّم الفصل الثالث، بعنوان 'الإرهاب الأحمر (1927-1951)'، مثالاً واضحا ًعلى منهجية ديكوتر غير الأخلاقية. قدّم القسم الافتتاحي سرداً مثيراً بأسلوب صحفي مُبتذل لأهوال مجلس هايلوفينغ السوفيتي قصير الأجل، الذي تأسس في تشرين الثاني /نوفمبر 1927 في أعقاب انتفاضات فلاحية فاشلة أمرت بها موسكو.
كان أول مجلس سوفييتي ريفي وزعيمه، بنغ باي، موضوعاً للدراسة الأكاديمية منذ أن نشر شينكيتشي إيتو أول عمل باللغة الإنجليزية في مجلة 'تشاينا كوارترلي' في الفترة 1961-1962. ظهرت سيرة فرناندو غالبياتي الشاملة، 'بنغ باي ومجلس هايلوفينغ السوفيتي'، في عام 1985، إلى جانب كتاب روبرت ماركس، 'الثورة الريفية في جنوب الصين: الفلاحون وصناعة التاريخ في مقاطعة هايفنغ، 1570-1930'، في عام 1984، الذي تناول الظروف القمعية في المقاطعة والانتفاضات الفلاحية العنيفة.
لم يدعم أيٌّ من هذه الأعمال فرضية أن بنغ باي، بدافعٍ من تعطشه للدماء، أشعل فتيل موجة عنفٍ أودت بحياة الآلاف، لذا يعتمد ديكوتر بشكلٍ كبير على مصادر معاصرة تُظهر عداءً صريحًا للحزب الشيوعي. فبعد الاستشهاد بوثائق الحزب الشيوعي الصيني التي تُفيد بمقتل نحو 50 مالك عقار، تتصاعد الأرقام بسرعة.
ادعى ديكوتر أنه في حفل تنصيب السوفيتي في 21 نوفمبر: 'أُمر كلٌّ من المندوبين الرسميين البالغ عددهم 300 بقتل عشرة رجعيين على الأقل، وقيادة الفلاحين لقتل عشرة آخرين، ليصل العدد الإجمالي إلى 6000 شخص'. لكن هذا ما كان كافياً. فقد ادّعى أن بنغ باي اقترح على القرويين إبادة 40% من السكان، ليس فقط ملاك الأراضي والمعارضين السياسيين، بل أيضاً 'المرضى الميؤوس من شفائهم، والبغايا، والكهنة، والعرافين، والمكفوفين، والعرج، وكبار السن'. تجدر الإشارة إلى أنه لو نُفِّذ هذا بالفعل، لكان ذلك يعني، استناداً إلى عدد سكان يبلغ 400 ألف نسمة، أن 160 ألف شخص قد ذُبحوا.[11]
استند ديكوتر في ادعائه نلك التصريحات المروعة إلى كتابٍ مناهضٍ للشيوعية باللغة الصينية بعنوان: 'سجل الكارثة الشيوعية في هايفنغ ولوفنغ'، من تأليف تشين شياوباي، الذي فرّ من هايفنغ، ونُشر عام 1932 كدعايةٍ للحزب الوطني الصيني (الكومينتانغ). ولم يُقدّم ديكوتر أيّ دليلٍ آخر أيّد ادعاءه بأنّ 40% من السكان، أو أيّ شخصٍ آخر غير المعارضين السياسيين الصريحين وكبار الملاك المستبدين وأتباعهم، كانوا مُستهدفين.
لم يمنع ذلك ديكوتر من مواصلة سرد روايته المروعة عن فظاعة الشيوعيين، مستنداً إلى تقارير صحفية مثيرة للجدل في ذلك الوقت، مثل 'وحوش سوابوي' [صحيفة نورث تشاينا هيرالد]، و'فظائع القوات الحمراء' [صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست]، و'عهد الإرهاب الشيوعي' [صحيفة نورث تشاينا هيرالد]. وإلى جانب دعاية تشين، استشهد ديكوتر بتقرير 'الشيوعية في جنوب الصين: سوفييت هاي-لو-فينغ'، وهو تقرير مُنمّق للغاية للدبلوماسي الأمريكي جاي هيوستن، استناداً إلى مصادر لم يعد بالإمكان التحقق منها.
ولا يزال عدد الإعدامات المزعومة في ازدياد. يكتب ديكوتر: 'بحلول نهاية ديسمبر، أشارت إحدى التقديرات إلى أن عدد القتلى بلغ 10,000، استناداً إلى إحصاءات جُمعت لبلدات وقرى فردية، حيث كان عدد القتلى على الأرجح بالمئات، ووصل أحياناً إلى 600 أو 700'. بعيداً عن أنه كان مسحاً موضوعياً، فإن المصدر هو صحيفة 'نورث تشاينا هيرالد' سيئة السمعة والمعادية للشيوعية. واختتم عدة صفحات من التفاصيل المروعة كتبها قنصل فرنسي في كانتون - وهو بدوره مصدر لا يمكن اعتباره محايدا قدر أن 25000 شخص لاقوا حتفهم تحت قبضة سوفييت هايلوفينغ الحديدية'.[12]
استخدمت صفحات كتاب 'الفجر الأحمر فوق الصين' المنهجية نفسها مراراً وتكراراً. فالكتاب ليس عملًا بحثياً، بل هو إعادة تدوير للدعاية المعادية للشيوعية في ذلك الوقت، مُغلّفة بصور الحقائق. ونظراً لغياب الاقتباسات المباشرة من المصادر، يستحيل معرفة مدى صحة ما ورد في الكتاب استناداً إلى هذه المصادر المتحيزة بشكل واضح، وما إذا كان مجرد أسلوب ديكوتر الأدبي المُنمّق.
من الواضح أن عمليات الإعدام نُفّذت في سوفييت هايفنغ، لكن لا سبيل للتحقق بدقة من الأعداد. تفاوتت تقديرات الحزب الشيوعي بين أكثر من 500 من مُلّاك الأراضي والبلطجية المحليين، و1686 في مقاطعة هايفنغ. علاوة على ذلك، تجاهل ديكوتر السياق تماماً. فقد جرت عمليات الإعدام في خضم موجة من الإرهاب الأبيض بدأت بمذبحة تشيانغ كاي شيك في شنغهاي. وما كان المسؤولون المحليون ومُلّاك الأراضي وأتباعهم مجرد متفرجين سلبيين.
من اللافت للنظر أن ديكوتر لم يشر إلا مرة واحدة، وبعبارات مهينة، إلى كتاب 'مأساة الثورة الصينية' لهارولد إسحاق، وهو صحفي أمريكي في الصين اتبع التروتسكية، و لا يزال كتابه أحد أهم المراجع الموثوقة حول الثورة الصينية الثانية (1925-1927) وتداعياتها المباشرة. يوثق إسحاق مدى فظاعة الإرهاب الأبيض:
للتوضيح، لا توجد سوى تقديرات جزئية وأرقام غير مكتملة مستقاة من البيانات الرسمية والصحافة اليومية. ففي الفترة من أبريل إلى ديسمبر 1927، ووفقًا لأحد التحقيقات، بلغ عدد القتلى المعروفين 37,985 شخصًا، وعدد السجناء السياسيين المعروفين 32,316 سجينًا. وبين يناير وأغسطس 1928، حُكم رسميًا على 27,699 شخصًا بالإعدام، وسُجن أكثر من 17,000. وفي نهاية عام 1930، قدّر الصليب الأحمر الصيني أن إجمالي عدد القتلى أو المتوفين في السجون بلغ 140,000 شخص. وفي عام 1931، أثبتت دراسة أجريت في مدن ست مقاطعات أن 38,778 شخصاً أُعدموا بتهمة معاداة النظام.[13]
لا يهدف هذا الاستعراض إلى تبرير جرائم الستالينية أو التستر على استخدامها للعنف، والذي شمل عمليات تطهير داخلية همجية. استلهم الحزب الشيوعي الصيني نهجه من اضطهاد ستالين للمعارضين، الذي بلغ ذروته في محاكمات موسكو الصورية سيئة السمعة في الفترة 1936-1937، إذ كان التروتسكيون الهدف الرئيسي. أُعدم مئات الآلاف من المعارضين في الاتحاد السوفيتي. وواجه عدد من التروتسكيين في الصين مصيراً مماثلاً، إما مباشرة على أيدي الستالينيين أو بشكل غير مباشر من خلال خيانة الحزب الشيوعي الصيني لهم لصالح جهاز الدولة البوليسية التابع لحزب الكومينتانغ أو الشرطة الإمبريالية.
مع ذلك، فإن ادعاء ديكوتر بأن الحزب الشيوعي الصيني حكم بالعنف وحده محض افتراء. فبدون الدعم الفعال من شرائح الفلاحين الفقراء المتعطشين للأرض، ما كان الحزب الشيوعي الصيني والجيوش الحمراء التي تشكلت في المناطق المتخلفة من الصين بعد عام 1927 ليتمكنا من مقاومة حملات الإبادة التي شنتها قوات تشيانغ كاي شيك العسكرية الأكبر حجماً والأفضل تجهيزاً. وعلى الرغم من تناقض سياساته بشأن الإصلاح الزراعي، إلى جانب قمع ملاك الأراضي وأنصارهم من الكومينتانغ، فقد شجعت هذه السياسات مقاومة الفلاحين لظروفهم القمعية.
شن تشيانغ، بين عامي 1930-1934 خمس حملات عسكرية كبرى لتطويق الأراضي في محاولة لسحق سوفييت جيانغشي والقضاء على الحزب الشيوعي الصيني. وبينما أبدى مقاومة ضئيلة للغزو الياباني لمنشوريا عام ١٩٣١، وانصاع لضغوط طوكيو وقمع الاحتجاجات المناهضة لليابان، حشد تشيانغ مئات الآلاف من الجنود في محاولته للقضاء على الحزب الشيوعي الصيني. وباءت الحملات الأربع الأولى بالفشل.
تم التحضير لحملة الحصار الخامسة في الفترة 1933-1934، والتي شارك فيها مليون جندي، بشكل منهجي بمساعدة البعثة العسكرية الألمانية في الصين. وبناءً على نصيحة الجنرال هانز فون سيكت، القائد العام السابق لجيش الرايخ، بنى تشيانغ كاي شيك حصوناً متصلة بشبكة طرق، واستخدم تكتيك الأرض المحروقة لعزل قوات الحزب الشيوعي الصيني تماماً. وعلى الرغم تفوق العدو عليه عدداً وعدة، تمكنت الجيوش الشيوعية من اختراق الحصار في أكتوبر 1934، واتجهت شمالاً، في مسيرة عُرفت بالمسيرة الطويلة.
تجدر الإشارة إلى أن ديكوتر أغفل ذكر علاقات تشيانغ كاي شيك بألمانيا النازية وإعجابه بالفاشية. ففي خطابٍ شهيرٍ ألقاه عام 1935، صرّح تشيانغ قائلاً: 'هل تستطيع الفاشية إنقاذ الصين؟ نجيب: نعم. الفاشية هي ما تحتاجه الصين الآن أكثر من أي شيء آخر. في الفاشية، يجب عسكرة التنظيم والروح والأنشطة جميعها.'[14] لم تتدهور علاقات تشيانغ مع برلين إلا بعد أن انحازت ألمانيا النازية إلى جانب اليابان، إثر غزوها الشامل للصين عام 1937.
وكان رد ستالين على الغزو الياباني هو إخضاع الحزب الشيوعي الصيني سياسياً لتشيانغ كاي شيك، جزار شنغهاي، للمرة الثانية فيما سُمي بالجبهة المتحدة المناهضة لليابان. تعود جذورها إلى المؤتمر العالمي السابع للأممية الشيوعية في يوليو/تموز 1935، الذي تخلى عن مغامرات خط المرحلة الثالثة لصالح انتهازية الجبهة الشعبية، أي إخضاع الطبقة العاملة للبرجوازية، وهو ما أثبت أنه كارثي في الصين عام 1927.
أُجبر الحزب الشيوعي على قبول جميع شروط شيانغ كاي شيك، أي إلغاء الجيش الأحمر ودمجه في جيوش حكومية تحت إشراف لجنة الشؤون العسكرية؛ وحل الجمهورية السوفيتية؛ ووقف جميع أشكال الدعاية الشيوعية؛ وتعليق الصراع الطبقي. وبمحض إرادته، أعلن الحزب الشيوعي الصيني إنهاء مصادرة أراضي الملاك، كدليل على أنه لا يدعم الصراع الطبقي. في المقابل، خُصص للحزب الشيوعي الصيني منطقة حامية حول ينان في شمال الصين، وتلقى إعانات منتظمة من حكومة شيانغ في نانكينغ طوال فترة الحرب.
الثورة الصينية الثالثة
ما تناول ديكوتر موضوع كتابه الرئيسي - كيف غزت الشيوعية ربع البشرية - إلا في الفصل الأخير منه، الذي غطى الفترة من عام 1945 إلى الإطاحة بحكم الكومينتانغ عام 1949 نافياً بذلك وقوع أي ثورة من الأساس.
في مقابلة نُشرت على موقع 'واير تشاينا' الإلكتروني، يرفض هي آراء المؤرخين الآخرين، مصرحاً: 'هناك قناعة راسخة لدى الكثيرين منا بوجود أسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية وراء اندلاع الثورة. فالثورات لا تحدث من فراغ. لكن إجابتي على ذلك هي: لا، لم تكن هناك ثورة اجتماعية، بل كان هناك غزو عسكري.'[15]
وبضربة واحدة، تجاهل ديكوتر أبسط متطلبات علم التأريخ. عند تناوله للأحداث المضطربة والمعقدة التي شهدتها الصين قبيل ثورة 1949، لا يجري الكاتب أي دراسة جادة للأحزاب السياسية الرئيسية وبرامجها، ولا لتأثير الاستغلال الإمبريالي، ولا للتخلف الاقتصادي والفقر المدقع اللذين دفعا جماهير العمال والفلاحين إلى النضال على شكل موجات.
غاب عن سرديته تماماً الفساد المستشري في حزب الكومينتانغ، وعجزه عن حل الأزمة الاقتصادية والمالية العميقة التي عصفت بالصين عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وقمعه لموجة الإضرابات والاحتجاجات التي أعقبت الحرب، والتوترات الاجتماعية الحادة التي انعكست أيضاً في صفوف جيوشه المجندة قسراً.
يُنظر إلى انهيار دكتاتورية شيانغ كاي شيك على أنه سلسلة منفصلة من الهزائم العسكرية على يد الجيوش الشيوعية. ويُعزى تحوّل الحزب الشيوعي الصيني من وجوده الهامشي المزعوم إلى حزب يقود ملايين الجنود إلى الإكراه، وانتصاراته إلى قسوة وعنف لا مثيل لهما.
ويُلقى باللوم في هزيمة شيانغ على الرئيس الأمريكي هاري ترومان وإدارته لتقصيرهم في تقديم المساعدات العسكرية ومحاولتهم إجبار الكومينتانغ على تشكيل حكومة ائتلافية مع الحزب الشيوعي الصيني. تُذكّر حجج ديكوتر بالهجمات اليمينية على ترومان، الذي حُمِّل مسؤولية 'خسارة الصين' لصالح 'الشيوعيين'. وقد برز السيناتور جوزيف مكارثي، الذي ترأس حملة مطاردة الشيوعيين في العقد السادس من القرن الماضي، في هذه الحملة.
في الواقع، اتبعت الإمبريالية الأمريكية ت السياسة نفسها في الصين كما في غيرها لإعادة استقرار الرأسمالية العالمية في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة. في ظلّ دمار أوروبا وجزء كبير من آسيا، واجهت الولايات المتحدة وحلفاؤها الطبقات العاملة الثائرة المسلحة. وكان لستالين دورٌ محوريٌّ في خيانة تلك الحركات الثورية. ففي فرنسا وإيطاليا، حيث لم تكن للأحزاب البرجوازية أيّ مصداقية سياسية، وجّهت موسكو الأحزاب الشيوعية لتشكيل حكومات ائتلافية قام فيها الوزراء الشيوعيون بنزع سلاح المقاتلين وقمع الإضرابات. وبعد ترسيخ الحكم الرأسمالي، أُقيلوا من مناصبهم.
كانت تلك أيضاً خطة ترومان في الصين. فمباشرةً بعد استسلام اليابان، انخرط ماو، بتوجيه من ستالين، شخصياً في محادثات استمرت أسابيع مع تشيانغ وممثليه بشأن تشكيل حكومة ائتلافية. وعلى مدى العامين التاليين، وفي خضم الجهود المتواصلة لتشكيل ائتلاف، التزم الحزب الشيوعي الصيني بشروط الجبهة المتحدة - لا صراع طبقي، ولا إصلاح زراعي - حتى مع تزايد الإضرابات والاحتجاجات ضد دكتاتورية الكومينتانغ وسط التضخم والفساد المستشري. وعلى الرغم من الكبح السياسي الذي مارسه الحزب الشيوعي الصيني، تنامت بوادر ثورية. وفي تقريره الذي قدمه إلى الأممية الرابعة عام 1951، أوضح التروتسكي الصيني بنغ شوزي:
شهدت الفترة الأولى التي أعقبت الحرب مباشرةً، من أيلول / سبتمبر 1945 إلى نهاية عام 1946، انتعاشاً ونمواً ملحوظين للحركة الجماهيرية في الصين. ففي تلك الفترة، طرحت الجماهير العاملة في المدن الكبرى، وعلى رأسها شنغهاي، مطالبها بتطبيق نظام الأجور المتدرجة، والحق في تنظيم النقابات العمالية، ورفض تجميد الأجور، وما إلى ذلك. وانخرطوا بشكل شامل ومستمر في الإضرابات والمظاهرات... ولعب الطلاب دوراً بارزاً، ممثلين الطبقة البرجوازية الصغيرة بشكل عام، في الاحتجاجات والإضرابات والمظاهرات واسعة النطاق في المدن الكبرى... تحت الرايات والشعارات المطالبة بالديمقراطية والسلام.[16]
انهارت خطط ترومان لتشكيل حكومة ائتلافية في الصين عام 1947، ليس بسبب رفض الحزب الشيوعي الصيني، بل لأن تشيانغ رفض الاقتراح وشنّ هجمات عسكرية للقضاء على ماو والجيش الأحمر. وحتى بعد ذلك، تريّث الحزب الشيوعي الصيني في حين احتلت جيوش تشيانغ قاعدته في ينان في نيسان/ أبريل، وأصدر حزب الكومينتانغ مذكرة توقيف بحق ماو في يونيو، وأصدر مرسوم تعبئة لقمع الثورات في تموز / يوليو. ولم ينشر الحزب الشيوعي الصيني بياناً يدعو إلى إسقاط دكتاتورية الكومينتانغ وبناء الصين الجديدة إلا في تشرين الأول /أكتوبر.
وكما أوضح بنغ، كان نظام الكومينتانغ يتفكك حرفياً ومع ذلك اعتمد الحزب الشيوعي الصيني كلياً على جيوشه المكونة من الفلاحين. ووفي حين أنهى برنامج ماو للصين الجديدة تحالف الجبهة المتحدة مع تشيانغ، لكنه كان استمراراً لسياسة ستالين ذات المرحلتين التي أخضعت الطبقة العاملة للبرجوازية الوطنية 'التقدمية' وأجلت الإجراءات الاشتراكية إلى المستقبل. في سعيها لكسب حلفاء من الطبقة البرجوازية، ما بذل الحزب الشيوعي الصيني أي محاولة لتنظيم انتفاضات بروليتارية في المدن، بل سعى إلى قمع أي تمرد من ذلك القبيل. لكن هذا لا يعني غياب الإضرابات أو غيرها من أشكال الاضطرابات السياسية، فقد كانت الصين أمة ثائرة ضد دكتاتورية مكروهة وقمعية وفاسدة. وكما أوضح بنغ في تقريره:
بعد استسلام الإمبراطورية اليابانية، بلغ طغيان شيانغ كاي شيك وفساده وعدم كفاءته ذروته. ففي البداية، وباسم الاستيلاء على 'ممتلكات العدو والخونة'، سرق العسكريون والبيروقراطيون كل الممتلكات العامة تقريباً لملء جيوبهم، وانغمسوا في الترف والبذخ المفرط. في الوقت نفسه، وبذريعة استمرار الحرب الأهلية، استولوا على الغذاء من الفلاحين وفرضوا عليهم التجنيد الإجباري، وبذلوا قصارى جهدهم للضغط عليهم وقمعهم...
كانت القاعدة المالية لحكومة شيانغ قد استُنزفت بالفعل خلال الحرب... وبعد إعلان السلام، تسارع التضخم من وتيرة هندسية إلى سرعة البرق، مما أدى إلى انهيار اليوان الذهبي والفوضى الاقتصادية غير المسبوقة في نهاية عام 1948.
توقفت التجارة والصناعة وتفككت، وتدهورت مستويات معيشة مختلف شرائح الطبقتين الوسطى والدنيا (بما في ذلك جميع موظفيها في المؤسسات الحكومية) إلى حد اليأس. ودفع الجوع العمال إلى الانتفاضة في موجة إضرابات شاملة (حيث بلغ عدد المضربين 200 ألف عامل في شنغهاي وحدها). انتشر نهب الأرز في كل مكان...
لو أن الحزب الشيوعي الصيني دعا العمال والجماهير في المدن الكبرى للانتفاضة والإطاحة بالنظام، لكان الأمر سهلاً كسهولة هدم الخشب المتعفن. لكن حزب ماو اكتفى بإصدار الأوامر للشعب بالانتظار بصمت لـ'تحريرهم' على يد 'جيش التحرير الشعبي'.[17]
متجاهلاً الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الهائلة، ركز ديكوتر كلياً على الحملات العسكرية، و ا سيما معارك منشوريا التي خاضتها القوات الشيوعية وانتصرت فيها، بعد أن أعيد تنظيمها في أكتوبر 1947 لتصبح جيش التحرير الشعبي الأكثر مركزية. وبحلول تشرين الثاني /نوفمبر 1948، سيطر جيش التحرير الشعبي على منشوريا بأكملها، لكن ذلك ترك الأراضي الشاسعة المتبقية في الصين تحت سيطرة تشيانغ الاسمية.
خُصصت الصفحات الأخيرة من كتاب 'الفجر الأحمر فوق الصين' لوصفٍ مُشتت لانهيار نظام الكومينتانغ مع اجتياح جيوش جيش التحرير الشعبي جنوباً، دون أن تواجه مقاومة تُذكر. ما وصفه ديكوتر بموجة من الهزيمة والذعر لا يُفسر انهيار الجيوش القومية، إذ كف الضباط والمجندون على حد سواء عن الاقتناع بأن لدى دكتاتورية تشيانغ ما استحق القتال والموت من أجله. كما أنه لا يستطيع تفسير التوسع السريع لقوات جيش التحرير الشعبي ليضم ملايين الجنود، وقدرته القتالية، إلا بالتلميح إلى تجنيد الفلاحين قسراً.
في مواجهة ما كان واضحاً أنه انتفاضة ثورية اجتاحت الصين، بدا ديكوتر عاجزاً عن الكلام. فبينما كانت جيوش شيانغ تتكبد هزائم متتالية بسرعة حتى سقطت كانتون 'بصوت خافت بالكاد يُسمع'، وعجز عن تقديم أي تفسير مقنع. ودُحضت فرضيته القائلة بأن الثورة الصينية عام 1949 ما كانت ثورة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وذلك بسبب أحداث لم يصفها إلا قليلاً. وانتهى كتابه دون خاتمة.
كانت الثورة ظاهرة متناقضة لا يُمكن تفسيرها بكلمة واحدة، أي العنف إذ د قضت على القمع الإمبريالي، ووحدت البلاد، وأزالت قروناً من التخلف الثقافي. ما كانت انتصارات عسكرية لجيوش ماو فحسب، بل ثورة شعبية عارمة أنهت دكتاتورية شيانغ كاي شيك الهمجية والفاسدة.
يُنظر إلى الثورة الصينية عام 1949، عن حق، من قِبل العمال والشباب الصينيين على أنها خطوة هائلة إلى الأمام. واستجابةً للتطلعات الاجتماعية للحركة الثورية للعمال والفلاحين، اضطر الحزب الشيوعي الصيني إلى القضاء على الكثير مما عُد متخلفاً اجتماعياً وثقافياً في المجتمع الصيني، بما في ذلك تعدد الزوجات، وخطبة الأطفال، وتقييد القدمين، وممارسة نظام المحظيات. كما تم القضاء على الأمية إلى حد كبير، وارتفع متوسط العمر المتوقع بشكل ملحوظ. وتم الحد من الفيضانات المتكررة للأنهار الكبرى التي كانت تُسبب الموت والدمار. ونُفذت إصلاحات زراعية واسعة النطاق.
لكن النظام الذي نشأ في بكين تشكّل بفعل هزائم الثورة الصينية الثانية، التي أدت إلى انحطاط الحزب الشيوعي على النمط الستاليني، الذي كان قائماً على جيوش فلاحية في الغالب بدلاً من البروليتاريا. ولم يوفر جهاز الدولة البيروقراطي، الذي كانت قيادته من جنرالات وضباط الجيش الأحمر، أي آليات ديمقراطية للطبقة العاملة أو جماهير الريف. ولم يقم الحزب الشيوعي الصيني بتأميم الصناعة والتمويل إلا عندما هددت الحرب الكورية (1950-1953) بالتدخل الإمبريالي في الصين، فأسس تخطيطاً بيروقراطياً على غرار الستالينيين السوفييت. ووصفت الحركة التروتسكية جمهورية الصين الشعبية بأنها دولة عمالية مشوهة تقوم على علاقات ملكية مؤممة، لكن الطبقة العاملة فيها لا تملك أي رأي سياسي.
أدى المنظور الستاليني لـ'الاشتراكية في بلد واحد'، الممزوج بالقومية الصينية، إلى سلسلة من الأزمات، إذ سعى النظام إلى إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي واجهها ضمن هذا الإطار القومي الضيق. بعد أقل من ربع قرن على إعلان قيام جمهورية الصين الشعبية، عقد ماو اجتماعه مع الرئيس الأمريكي نيكسون في شباط /فبراير 1972، وتماشى مع مطالب الإمبريالية الأمريكية. أرست تلك الخطوة الإطار الجيوسياسي لإعادة إحياء الرأسمالية وتحويل الصين إلى منصة ضخمة للعمالة الرخيصة لرأس المال الأجنبي. إلا أن النمو الاقتصادي الهائل الذي تحقق نتيجة لذلك لم يُسفر إلا عن مواجهة النظام الشيوعي الصيني الاستبدادي بمشاكل لا يملك لها حلولاً: فوارق شاسعة بين الأغنياء والفقراء، وانخفاض معدلات النمو إلى النصف، وحرب وشيكة مع الإمبريالية الأمريكية التي تعتبر الصين التهديد الرئيسي لهيمنتها العالمية.
إذا كانت صفحات كتاب 'الفجر الأحمر فوق الصين' الفقيرة نظرياً والرجعية سياسياً دليلاً على شيء، فإن كتب ديكوتر الأخرى عن الصين لا يمكنها أن تلقي الضوء على تاريخها المعقد ولا على مشاكلها المعاصرة.
Frank Dikötter, Red Dawn over China: How Communism Conquered a Quarter of Humanity, Bloomsbury, 2026, p. xiii [all page references are to the Kindle edition].
“Red Dawn over China: How Communism Conquered a Quarter of Humanity—brutality behind the propaganda”, Financial Times, February 12, 2026
Dikötter, pp. 4-5.
Ibid. p. 15.
Ibid. p. xviii
Ibid. p. 61.
Marie-Claire Bergère, Shanghai: China’s Gateway to Modernity (Stanford, 2009)
Leon Trotsky on China, Monad Press, 1978 p. 161.
Dikötter, p. 64.
Ibid. p. 74.
Ibid. pp.75-6.
Harold R. Isaacs, Tragedy of the Chinese Revolution, Haymarket Books, 2010, pp. 280-81.
Quoted in Lloyd Eastman, The Nationalist Era in China 1927-1949.
Jonathan Chatwin, “Frank Dikötter on the Chinese Communist Party’s Troubled Early Years”, The Wire China, February 20, 2026.
P’eng Shu-tse, The Chinese Communist Party in Power, Monad Press, 1980, pp. 84-5.
Ibid. pp. 74-75.
