إسرائيل: قاعدة أمريكية خلال الحرب الباردة، 1948-1991
واجهت الدولة الصهيونية منذ نشأتها- وهي دولة لم تُرسَم حدودها وفقًا لخطة التقسيم التي وضعتها الأمم المتحدة، بل نتيجةً للانتصار العسكري الإسرائيلي عام 1948 وتشريد أكثر من 700 ألف فلسطيني - قيوداً هيكلية ثقيلة.
كانت إسرائيل دولة صغيرة ذات موارد طبيعية شحيحة، ومياه محدودة، ومُستبعدة من الاقتصادات العربية المحيطة بها، التي فرضت عليها مقاطعات، وأغلقت حدودها، ورفضت التبادل التجاري. قلّما كانت هناك ممرات أخرى بطول 600 كيلومتر تخترق هذا العدد الكبير من مناطق النزاع - غزة، وإسرائيل، ولبنان، وسوريا - مما جعل أي طريق بري من رفح في مصر إلى أنطاكية في تركيا مستحيلاً. جعلت تلك الظروف الاقتصاد غير قابل للاستمرار دون دعم خارجي، ودفعت الحكومات المتعاقبة نحو التوسع الإقليمي، والإنفاق العسكري الباهظ، وبناء المستوطنات، مما أدى إلى أزمات اقتصادية متكررة.
على مدى أربعة عقود تقريباً، وحتى خطة الاستقرار لعام 1985، اتخذت إسرائيل شكل نظام تنموي صهيوني عمالي بقيادة الدولة، قائم على مؤسسات المستوطنات اليهودية (يشوف) قبل قيام الدولة، وهيمنت عليه الهستدروت وحركة ماباي/العمال.
لم تقدم الولايات المتحدة أي مساعدات اقتصادية تُذكر في السنوات الأولى، واقتصرت في الغالب على المساعدات الغذائية. اتسمت السياسة الأمريكية المبكرة بالبراغماتية والحذر، وغالباً ما اتسمت بالتناقض. وسعياً منها إلى التحالف مع الدول العربية، وحرصاً منها على تجنب إبعاد شركاء إقليميين رئيسيين، تجنبت واشنطن إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل. وكانت فرنسا، لا الولايات المتحدة، المورد الرئيسي للأسلحة لإسرائيل في العقد السادس من القرن الماضي.
بالمقابل تركزت استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على ثلاث ركائز: المملكة العربية السعودية، وإيران، ومصر، وكانت إيران هي الأكثر أهمية. عمّقت واشنطن علاقتها مع المملكة العربية السعودية بعد تفاهم 'النفط مقابل الأمن' الذي توصل إليه روزفلت عام 1945؛ ونظمت واشنطن انقلاب عام 1953 ضد الحكومة المنتخبة في إيران لضمان عودة الشاه وتأمين سيطرة الولايات المتحدة على النفط الإيراني؛ وفي البداية أقام علاقات مع النظام الجديد في مصر بعد انقلاب الضباط الأحرار عام 1952. خلال أزمة السويس عام 1956، أجبرت إدارة أيزنهاور بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الانسحاب من مصر، مع إعطاء الأولوية للاستقرار الإقليمي على الطموحات الإسرائيلية.
ومع ذلك، عملت إسرائيل على تأمين الدعم الأمريكي. سعى ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، إلى تقديم إسرائيل كشريك يمكن الاعتماد عليه في الحرب الباردة، وعرض التعاون العسكري والاستخباراتي. تعاون الموساد مع وكالة المخابرات المركزية والمخابرات البريطانية MI6، بما في ذلك في انقلاب عام 1953 في إيران، وقدم معلومات استخباراتية عن الأنشطة السوفيتية. كما حاولت إسرائيل تنفيذ عمليات سرية لتشكيل السياسة الأمريكية والبريطانية، وأشهرها 'قضية لافون' عام 1954 في القاهرة تضمنت عمليات إرهابية زائفة هدفت إلى ضمان الوجود البريطاني والأمريكي في مصرلكنها ولدت نتائج عكسية مذهلة وتسببت في أزمة سياسية كبيرة في إسرائيل.
ومن دون مساعدة اقتصادية كبيرة من واشنطن في عقودها الأولى، تمكنت إسرائيل من البقاء إلى حد كبير من خلال تمويل الشتات والتعويضات الألمانية. ومولت التعويضات– التي بلغت ما قارب 86% من الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل في عام 1956 – البنية التحتية والصناعة والشحن وأنظمة الطاقة. وحتى بعد انتهاء التعويضات الرسمية في عام 1966، استمرت مساعدات ألمانيا الغربية بمستويات عالية.
حتى منتصف الستينيات، ظلت إسرائيل هشة اقتصادياً، ومعتمدة عسكرياً على الموردين الخارجيين، ومقيدة سياسياً باستراتيجية الولايات المتحدة الإقليمية. لقد شكلت هذه التبعية سياستها الخارجية، وبنيتها الاقتصادية المحلية، وبحثها عن قوة عظمى راعية - وهي ظروف لم تتغير إلا بعد حرب عام 1967.
علاقات أمريكية الإسرائيلية دافئة بعد أزمة السويس
شكلت أزمة السويس عام 1956 نقطة تحول في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط وأضفت دفئاً على العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أجبرت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الانسحاب من مصر، إلا أن الأزمة أدت عن غير قصد إلى رفع هيبة الرئيس جمال عبد الناصر، وتعزيز القومية العربية وزعزعة استقرار النظام الإقليمي الموالي للغرب. انهار حلف بغداد بعد الثورة العراقية عام 1958؛ ثم اتحدت مصر وسوريا لفترة وجيزة؛ طلب الأردن ولبنان الدعم العسكري البريطاني والأمريكي؛ وأعلنت واشنطن مبدأ أيزنهاور، الذي أكد مسؤولية الولايات المتحدة في الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية.
مع اشتداد الحرب الباردة، أعادت واشنطن تقييم القيمة الاستراتيجية لإسرائيل. في أوائل العقد السابع من القرن الماضي، أطلقت إدارة كينيدي أولى العلاقات الأمنية الرسمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، منهيةً حظر الأسلحة ومزوّدةً إسرائيل بصواريخ هوك المضادة للطائرات. وتعمّق التعاون السري مع سعي إسرائيل لترسيخ مكانتها كحليف في مواجهة النفوذ السوفيتي، حيث عمل الموساد كمقاول فرعي لعمليات الاستخبارات الأمريكية في الخارج.
إلا أن الرئيس كينيدي عارض البرنامج النووي الإسرائيلي، خشيةً من سباق تسلح إقليمي. وطالب بتفتيش مفاعل ديمونا الذي بنته فرنسا، لكن بعد اغتياله خفت حدة الضغط. وبحلول عام 1968، خلصت الاستخبارات الأمريكية إلى أن إسرائيل قد امتلكت القدرة النووية، وتجنّبت الإدارات اللاحقة الخوض في تلك المسألة مع تعمّق العلاقات مع إسرائيل. وفي وقت لاحق، عرقلت واشنطن المحاولات العربية لإحالة قضية الترسانة النووية الإسرائيلية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وحاول جمال عبد الناصر مواجهة التفوق النووي الإسرائيلي بتطوير صواريخ بالتعاون مع علماء ألمان، مما دفع الموساد إلى شنّ حملة عام 1962 لترهيب أو اغتيال العاملين في البرنامج المصري. لم تتمكن مصر قط من مجاراة قدرات إسرائيل النووية، مما جعل إسرائيل القوة النووية الوحيدة في المنطقة.
ومع توسع النفوذ السوفيتي في مصر وسوريا والجزائر والعراق، تقاربت إدارة جونسون مع إسرائيل. وفي عام 1966، قطعت واشنطن مساعداتها الاقتصادية عن مصر وبدأت بتزويد إسرائيل بالدبابات والطائرات والصواريخ. وخلال العقدين السابع والثامن من اقرن المنصرم، عملت إسرائيل أيضاً كوكيل للمصالح الأمريكية، حيث قدمت الدعم للقوات الموالية للغرب في إثيوبيا واليمن وإيران والمغرب وجنوب أفريقيا وأجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وكانت هذه في كثير من الأحيان مجالات لم تتمكن الولايات المتحدة من التدخل فيها بشكل مباشر.
في يونيو/حزيران 1967، أعطت إدارة جونسون إسرائيل الضوء الأخضر لشن حرب استباقية ضد مصر وسوريا والأردن، على أمل إضعاف جمال عبد الناصر. أعاد النصر الإسرائيلي السريع تشكيل المنطقة، إذ دمرت القوات الجوية المصرية والسورية، واحتلت شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان. لم يُعرقل الهجوم الإسرائيلي على حاملة الطائرات الأمريكية 'يو إس إس ليبرتي' - والذي بدا أنه حادث 'نيران صديقة' أسفر عن مقتل 34 بحاراً أمريكياً اعتذرت عنه إسرائيل ودفعت تعويضات - العلاقة الاستراتيجية الناشئة، إذ رأت واشنطن أن المواجهة العلنية قد تصب في مصلحة موسكو. لكنه أثار جدلاً مستمراً وانعدام ثقة كامن.
خدمت حرب 1967، مع استيلاء إسرائيل على أراضٍ عربية، تعزيز سياستها طويلة الأمد لإقامة 'إسرائيل الكبرى'. ووسعت الحرب حدود إسرائيل الفعلية، وخلقت موجات جديدة من اللاجئين والنازحين داخلياً. وأقامت الحكومة مستوطنات على النمط الاستعماري في الأراضي المحتلة حديثاً، في تحدٍ للقانون الدولي. أدت المستوطنات بدورها إلى خلق فئة اجتماعية ذات مصلحة راسخة في سياسة إسرائيل التوسعية، مما وفر نقطة جذب لبعض القوى الرجعية، التي يشغل ورثتها الفاشيون مناصب في الحكومة اليوم، ويملون السياسات.
ودفعت تلك القوى السياسة الإسرائيلية بسرعة نحو اليمين في العقد الثامن من القرن الماضي، مما زاد من عدم الاستقرار الاجتماعي وأنهى سيطرة حزب العمل على الحكم.
حرب 1967: نقطة تحول في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية
شكّلت حرب 1967 نقطة تحول حاسمة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. فقد رسّخ انتصار إسرائيل السريع مكانتها كقوة عسكرية مهيمنة في بلاد الشام، وقضى على جاذبية فكرة القومية العربية، وأضعف النفوذ السوفيتي في المنطقة. وبإثبات قدرتها عسكرياً على تحقيق ما سعت إليه واشنطن سياسياً - احتواء القومية العربية وكبح جماح موسكو - أثبتت إسرائيل قيمتها للولايات المتحدة كأصل استراتيجي في الحرب الباردة، واضعةً بذلك أسس 'العلاقة الخاصة' التي ستُحدد ملامح العقود اللاحقة.
بدأت واشنطن بدمج إسرائيل رسمياً في منظومتها الأمنية الإقليمية، وتزويدها بأسلحة متطورة كانت حكراً على حلفاء الناتو. وبموجب مبدأ نيكسون لعام 1969، وفي حين وفرت واشنطن درعاً نووياً، سيتولى حلفاؤها الإقليميون، لا القوات البرية الأمريكية، حفظ الأمن العالمي نيابةً عنها، مما قلل من التدخل الأمريكي في النزاعات المحلية. فتحت عقيدة نيكسون أبواب المساعدات العسكرية الأمريكية على مصراعيها لحلفائها في الخليج العربي، مع تقارب الدول النفطية من الولايات المتحدة، وتحالفها ضد الدول العربية المتطرفة والاتحاد السوفيتي.
وازداد الدعم الأمريكي لإسرائيل بشكل كبير: إذ لم تُقدّم 99% من إجمالي المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل إلا بعد عام 1967. وارتفعت المساعدات الأمريكية من حوالي 50 مليون دولار سنويًا قبل عام 1967 إلى حوالي 3 مليارات دولار سنوياً بحلول منتصف العقد التاسع، ثم إلى 3.8 مليار دولار سنوياً خلال الفترة 2019-2025، ليصل إجماليها إلى ما يقارب 318 مليار دولار منذ الحرب العالمية الثانية، مما جعل إسرائيل الدولة الأعلى نصيباً من المساعدات الأمريكية للفرد.
اتخذت المساعدات الأمريكية لإسرائيل شكلاً استثنائياً. فبخلاف المساعدات الخارجية الأمريكية التقليدية - المرتبطة بمشاريع محددة وتخضع لإشراف الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية - تُحوّل معظم المساعدات الأمريكية لإسرائيل نقداً دون قيود، وتُودع مباشرةً في الخزانة الإسرائيلية. وكانت القروض العسكرية تُحوّل بشكل روتيني إلى منح، وفي نهاية المطاف، أسقط الكونغرس الأرصدة المستحقة. كما وافقت واشنطن على صرف كامل حزمة المساعدات السنوية مقدماً في بداية كل سنة مالية، مما سمح لإسرائيل بجني فوائد على الأموال غير المنفقة. ويُسمح لإسرائيل بشكل فريد بإنفاق ما يصل إلى ربع المساعدات العسكرية الأمريكية داخل حدودها، لدعم تطوير صناعتها العسكرية المحلية، وهي معفاة من متطلبات الإبلاغ التفصيلية حول كيفية استخدام المساعدات الاقتصادية.
وإلى جانب التحويلات المباشرة، تُقدّم الولايات المتحدة ضمانات للقروض، ومعاملة ضريبية تفضيلية للتبرعات الخاصة، بل وتضمن إمدادات النفط الإسرائيلية في حال حدوث أزمة. وكانت الحماية الدبلوماسية بنفس القدر من الأهمية: فمنذ عام 1972، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لعرقلة عشرات القرارات المنتقدة لإسرائيل، مما ضمن عدم اتخاذ أي إجراء دولي بشأن احتلالها غير القانوني للأراضي الفلسطينية، أو توسيع المستوطنات، أو امتلاكها أسلحة نووية.
عبّر نظام الدعم هذا عن منطق سياسي متسق. فبعد عام 1967، أصبحت إسرائيل إحدى ركائز الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وبررت قوتها العسكرية وقدراتها الاستخباراتية وتوافقها مع المصالح الأمريكية نظام مساعدات استثنائي من حيث النطاق والهيكل والعزلة السياسية. كما غذّت عمليات نقل الأسلحة الأمريكية سباق تسلح إقليمي، مما أدى إلى عقود مربحة لشركات تصنيع الدفاع الأمريكية.
في المقابل، عملت إسرائيل كحامية لمصالح واشنطن في المنطقة، مانعةً انتصارات الحركات الفلسطينية وحلفائها في الأردن (1970) ولبنان (1976-1982)، والتي هددت الأنظمة العربية المتهالكة والفاسدة والتابعة للولايات المتحدة، ومواجهةً الدول المتحالفة مع الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. كما شكلت قناةً لتمرير الأسلحة الأمريكية إلى أنظمة لم يكن بوسع واشنطن تسليحها علنًا: جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري، وإيران الخميني خلال الحرب العراقية الإيرانية، وفرق الموت في أمريكا الوسطى. وقدم الموساد معلومات استخباراتية ونفذ عمليات سرية غير قانونية نيابةً عن واشنطن. في الواقع، حلت إسرائيل محل بريطانيا - بعد انسحابها من 'شرق السويس' - كشريك استراتيجي رئيسي لواشنطن ووكيلها الأمني في الشرق الأوسط.
في الهجوم المفاجئ الذي شنته مصر وسوريا على إسرائيل في أكتوبر 1973، تكبدت إسرائيل خسائر مبكرة، مما دفعها إلى التفكير في استخدام القوة النووية (خيار شمشون). ردّت الولايات المتحدة بإطلاق جسر جوي ضخم، هو الأكبر منذ جسر برلين الجوي في الفترة 1948-1949، مكّن إسرائيل من استعادة زمام المبادرة، وعبور قناة السويس، ومحاصرة الجيش الثالث المصري، في إشارة واضحة لموسكو بأنها لن تسمح بانتصار عربي. كما أظهر هذا الجسر مدى اعتماد إسرائيل على حليف قوي.
أدت الحرب إلى فرض حظر النفط في الفترة 1973-1974، مما أدى إلى تضخم عالمي وركود اقتصادي، وأقنع واشنطن بأن الاستقرار الإقليمي، وتأمين إمدادات الطاقة، يتطلبان انخراطًا دبلوماسياً وعسكرياً أعمق. بعد انهيار دبلوماسية المكوك التي قادها وزير الخارجية هنري كيسنجر في آذار /مارس 1975، وإدراكاً لاعتماد إسرائيل، أمر الرئيس جيرالد فورد بإعادة تقييم صارمة للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية للضغط على إسرائيل للحد من طموحاتها الإقليمية وتجنب استعداء منتجي النفط العرب.
أجبر ذلك الضغط إسرائيل على قبول اتفاقيات وقف إطلاق النار وفك الاشتباك مع مصر وسوريا، مما مهد الطريق لاتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لعام 1979، التي أعادت سيناء إلى مصر وعززت دور الولايات المتحدة كوسيط لا غنى عنه في المنطقة. كما مهد ذلك الطريق للتطبيع العربي الإسرائيلي (الأردن عام 1994، ثم اتفاقيات أبراهام عام 2020) وعزل الفلسطينيين، إذ لم تعد الدول العربية الرئيسية تنظر إلى القضية الفلسطينية كعائق أمام التعاون مع إسرائيل.
في أعقاب حرب عام 1973، قامت واشنطن بدمج إسرائيل بشكل كامل في شبكتها الأمنية الإقليمية - إلى جانب مصر والأردن - وقدمت مساعدات عسكرية واقتصادية غير مسبوقة، وموّلت قواعد جوية جديدة في النقب، وزودت إسرائيل بأسلحة متطورة لضمان تفوقها العسكري النوعي.
الثورة الإيرانية وتوطيد الشراكة الأمريكية الإسرائيلية
أدت الثورة الإيرانية عام 1979 إلى إزاحة أهم حليف لواشنطن في المنطقة. فقد أسفرت الإطاحة المفاجئة بالشاه عن نظام معادٍ صراحةً لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. ودعمت الجمهورية الإسلامية الفلسطينيين، وسلمت السفارة الإسرائيلية السابقة في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ونشطت الحركات الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة، وزعزعت استقرار الأنظمة الملكية العربية المحافظة. بالنسبة لواشنطن، كانت الخسارة فادحة: فقد كانت إيران أقوى حليف إقليمي لها، وقاعدة استخباراتية رئيسية على الحدود السوفيتية، ومشترياً رئيسياً للأسلحة، ومصدراً حيوياً لعائدات النفط.
وردت الولايات المتحدة، بالتزامن مع الغزو السوفيتي لأفغانستان، بمبدأ كارتر عام 1980، الذي نقض مبدأ نيكسون عام 1969. وأعلن الرئيس جيمي كارتر أن الولايات المتحدة ستستخدم القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها في الخليج العربي. وأدى ذلك إلى توسع كبير في الوجود العسكري الأمريكي، وإنشاء ما أصبح يُعرف بالقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، وبداية حقبة طويلة من التدخل الأمريكي المباشر. عززت إدارة ريغان ذلك الموقف عام 1981، متعهدةً بحماية 'الاستقرار الداخلي' للمملكة العربية السعودية.
وبعد خسارة إيران، بقيت إسرائيل القوة الوحيدة المستقرة، ذات القدرات العسكرية، والموالية للغرب في المنطقة. واعتمدت واشنطن بشكل متزايد على الاستخبارات والقدرات العسكرية الإسرائيلية، بينما ضغطت إسرائيل من أجل زيادة المساعدات الأمريكية وأنظمة الأسلحة المتطورة. وتوافق هذا مع عقيدة وزير الدفاع أرييل شارون عام 1981، التي تقوم على الهيمنة العسكرية الأحادية، والضربة الاستباقية، وتدمير البنى التحتية السياسية المعادية.
لعبت إسرائيل دور القوة الإقليمية الفاعلة بما يتماشى مع مصالح الولايات المتحدة: تدمير مفاعل أوسيراك العراقي عام 1981، والحفاظ على احتكارها النووي في المنطقة؛ وغزو لبنان عام 1982 لطرد منظمة التحرير الفلسطينية؛ وتقديم الدعم الاستخباراتي والسري للأنظمة والحركات المتمردة الموالية للغرب في أفريقيا والشرق الأوسط.
وعلى الرغم من انتقاد واشنطن العلني لبعض تلك العمليات – كضربة مفاعل أوسيراك، وغزو لبنان، ومذبحة الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا - إلا أن التعاون استمر في التعمق. فقد أتاحت حروب إسرائيل للولايات المتحدة فرصة اختبار أسلحتها في الوقت الفعلي، غالباً ضد أنظمة سوفيتية الصنع، بينما وفرت الترسانة النووية الإسرائيلية قدرة ردع بعيدة المدى.
وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1981-1988)، لعبت إسرائيل دور الوسيط في بيع الأسلحة الأمريكية سراً إلى إيران على الرغم من المعارضة الأمريكية الرسمية. وساهمت تلك الأسلحة في إطالة أمد الحرب، وإضعاف الدولتين المتحاربتين، بينما مولت عائداتها قوات 'الكونترا' المدعومة من الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى.
في الوقت نفسه، سعت إسرائيل لتحقيق مصالحها الخاصة، أحياناًعلى حساب واشنطن. وكانت أكثر الحوادث ضرراً قضية التجسس التي تورط فيها جوناثان بولارد، محلل استخبارات في البحرية الأمريكية، إذ سرب مواد سرية إلى إسرائيل، وصل بعضها إلى الاتحاد السوفيتي. وأدت تلك الفضيحة إلى توتر العلاقات لسنوات. ولكن على الرغم من تلك التوترات، استمر صناع السياسة الأمريكيون في اعتبار القوة العسكرية الإسرائيلية وقدراتها الاستخباراتية أساسية للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
أصبحت إسرائيل تُعرف في واشنطن باسم 'حاملة الطائرات الأمريكية'. في عام 1985، أبرمت الولايات المتحدة أول اتفاقية تجارة حرة لها مع إسرائيل، وفي عام 1987 صنّفتها حليفًاً رئيسياً من خارج حلف الناتو، ما رسّخ مكانتها ضمن منظومة الأمن والتكنولوجيا الغربية الأوسع.
قد جرى التأكيد مراراً في واشنطن على الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل. ففي عام 1986، وخلال خطاب ألقاه في مجلس الشيوخ، عارض جو بايدن بيع الأسلحة للسعودية، قائلاً: 'حان الوقت لنكفّ عن الاعتذار عن دعمنا لإسرائيل. إنه أفضل استثمار بقيمة 3 مليارات دولار نقوم به. لو لم تكن إسرائيل موجودة، لكان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تخلق دولة إسرائيل لحماية مصالحها في المنطقة'. وكرّر بايدن هذا الرأي أكثر من مرة.
