العربية

واقع العلاقات الأمريكية الإسرائيلية - الجزء الثالث

انهيار الاتحاد السوفيتي والشرق الأوسط الجديد

أدى تفكك الاتحاد السوفيتي إلى إزالة آخر قيد خارجي على النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. ومع رحيل موسكو، لم تعد أنظمة مثل العراق وسوريا وجنوب اليمن قادرة على تحقيق التوازن بين القوى العظمى المتنافسة؛ وبرزت واشنطن كحكم وحيد في المنطقة.

وبدلاً من أن يُدشّن ذلك التفكك عهداً من السلام، مكّن النظام الأحادي القطبية الولايات المتحدة من التعويض عن تراجعها الاقتصادي طويل الأمد من خلال استخدام القوة العسكرية بلا قيود. وعلى مدى العقود الثلاثة التالية، شنت سلسلة من التدخلات - العراق، الصومال، يوغوسلافيا، العراق مجدداً، ليبيا، اليمن، والآن إيران - حددت ملامح النظام الإمبراطوري الجديد.

وكانت حرب الخليج أول مظاهر ذلك التحول إذ استغلت إدارة بوش غزو صدام حسين للكويت عام 1990 - الذي تم تحت وهم التسامح الأمريكي الضمني - لإعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية. أسفرت عملية عاصفة الصحراء عن مقتل أكثر من 100 ألف جندي عراقي وتدمير البنية التحتية للعراق، وتعهد بوش بإعادة البلاد إلى 'عصر ما قبل الصناعة'.

وللحفاظ على التحالف العربي، أجبرت واشنطن إسرائيل على البقاء على الحياد، بل حجبت عنها رموز تعريف الصديق والعدو لمنع الرد على صواريخ سكود العراقية. ومع ذلك، لم تُقدم الولايات المتحدة على تغيير النظام، خشية أن يؤدي انتصار كردي أو شيعي إلى زعزعة استقرار تركيا. وبدلاً من ذلك، فرضت عقوبات وحظر طيران لمدة عقد من الزمن، مما أدى إلى تدمير المجتمع العراقي وإبقاء صدام حسين ضعيفاً.

وكما حذرت اللجنة الدولية في دعوتها عام 1991 لعقد مؤتمر عالمي ضد الحرب الإمبريالية والاستعمار، فإن انهيار الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج لم يُشيرا إلى انتصار الرأسمالية الليبرالية، بل إلى نهاية نظام ما بعد الحرب وبداية حقبة جديدة من الحرب وإعادة الاستعمار.

أعلن بوش عن 'نظام جديد للشرق الأوسط' قائم على وجود عسكري أمريكي دائم في الخليج، وعدم انتشار الأسلحة النووية، وتسوية عربية إسرائيلية تقوم على مبدأ 'الأرض مقابل السلام'.

أجبرت واشنطن إسرائيل على حضور مؤتمر مدريد عام 1991، وحجبت عنها ضمانات قروض بقيمة 11 مليار دولار، وطالبت بوقف التوسع الاستيطاني، واستبعدت منظمة التحرير الفلسطينية من الوفد الأردني الفلسطيني المشترك، وضغطت على الأمم المتحدة لإلغاء قرارها الصادر عام 1975 الذي اعتبر الصهيونية عنصرية.

لم يُفضِ مؤتمر مدريد إلى اتفاق، لكنه مهّد الطريق لاتفاقيات أوسلو عام 1993، الإطار السياسي الذي سعت الولايات المتحدة من خلاله إلى ترسيخ هيمنتها وإدارة القضية الفلسطينية عبر سلطة فلسطينية مجزأة تابعة لحركة فتح بزعامة ياسر عرفات، الفصيل المهيمن في منظمة التحرير الفلسطينية.

اتفاقيات أوسلو: تهدئة القضية الفلسطينية

خدمت اتفاقيات أوسلو الإمبريالية الأمريكية كآلية مؤقتة لإدارة القضية الفلسطينية، لا لحلها، وهي القضية التي لطالما مثّلت القوة الدافعة الأقوى للمشاعر المناهضة للإمبريالية في العالم العربي، وعلى نحو متزايد عالمياً. فكل مجزرة، وحصار، وتوسع استيطاني، وانتهاكات، وسوء معاملة، ولدت غضباً جماهيرياً هدد بزعزعة استقرار الأنظمة العميلة لواشنطن. كان الحل، من وجهة نظر واشنطن، عملية احتواء، مع تحقيق عدة أهداف إمبريالية أخرى.

كان الإنجاز الأساسي لاتفاقية أوسلو، من وجهة نظر أمريكا، هو تحويل منظمة التحرير الفلسطينية من حركة تحرير وطني مسلحة إلى جهاز أمني مُتعاقد عليه. وافق عرفات، في مقابل وهم قيام دولة في نهاية المطاف، على الاعتراف بإسرائيل، ونبذ الكفاح المسلح، والأهم من ذلك، ضمان الأمن الإسرائيلي. لم تكن السلطة الفلسطينية التي ظهرت دولة وليدة، بل قوة شرطة قمعت المقاومة الفلسطينية نيابة عن إسرائيل، وفي حين أُثريت شريحة ضئيلة من البرجوازية الفلسطينية عبر 'المساعدات التنموية'. ساعدت اتفاقيات أوسلو على ترويض منظمة التحرير الفلسطينية، وهي الحركة القومية العربية الأكثر راديكالية، وإقناعها بالانضمام إلى صفوف الاحتلال الذي كانت قد تعهدت بإنهائه.

كما كان الدافع وراء أوسلو حاجة رأس المال الإسرائيلي إلى التحرر من الاكتفاء الذاتي والاندماج في اقتصاد الشرق الأوسط الأوسع في عصر العولمة. صرح زعيم حزب العمال شيمون بيريز بالهدف بصراحة قاسية في عام 1992: 'نحن لا نريد سلاماً بين الدول. نحن نريد سلاماً بين الأسواق'.

كان إنشاء دولة فلسطينية مصغرة - غير متصلة جغرافياً، تعتمد اقتصادياً على إسرائيل، وتوفر خدمات أمنية رخيصة بموجب عقود من الباطن لإسرائيل - ثمناً لاندماجها في أسواق الاتحاد الأوروبي والأسواق العربية. سيُستبعد العمال الفلسطينيون من إسرائيل ويُستبدلون بمهاجرين آسيويين أرخص ثمناً وأقل قدرة على الدفاع عن أنفسهم، بينما سيُوفر المستهلكون الفلسطينيون والأراضي الفلسطينية سوقاً مضمونة. كان هذا اقتصاداً استعمارياً مُغلّفاً بشعارات السلام.

بالنسبة لواشنطن، خدمت اتفاقية أوسلو غرضاً دبلوماسياً حيوياً آخر، إذ وفرت للأنظمة البرجوازية العربية غطاءً سياسياً لتعاونها مع الإمبريالية الأمريكية. استطاعت الطبقات الحاكمة العربية في مصر والأردن والسعودية الاستشهاد بـ'عملية السلام' كدليل على أن واشنطن لم تكن مجرد داعم غير مشروط للتوسع الإسرائيلي، مما سهّل تبرير تطبيعها مع إسرائيل وتوافقها مع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية.

وبالمثل، كان الغرض الأساسي من خارطة الطريق لعام 2003، التي خلفت أوسلو، هو توفير غطاء لحرب العراق والسماح للأنظمة العربية بتبرير موافقتها على الغزو أمام شعوبها.

كان ذلك'السلام' عاجزاً بنيوياً عن تحقيق حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم أو تحسين ظروفهم المعيشية المزرية. لم يُصمم لهذا الغرض أصلاً. واصلت إسرائيل توسيع المستوطنات طوال العقد الأخير من القرن الماضي، بوتيرة أسرع مما كانت عليه في السنوات الست والعشرين السابقة. سيطرت على المياه والموارد الأخرى، وشيّدت طرقًا التفافية، وأقامت أكثر من 600 نقطة تفتيش شلّت حركة الفلسطينيين وحياتهم الاقتصادية.

وفرت اتفاقية أوسلو غطاءً دبلوماسياً لذلك التجريد من الممتلكات وإفقار الفلسطينيين. وأصبحت السلطة الفلسطينية مرادفاً للفساد والتواطؤ. كانت الانتفاضة الثانية، التي اندلعت في سبتمبر/أيلول 2000، بمنزلة حكم الشعب الفلسطيني على اتفاقيات أوسلو. عندما انهارت محادثات كامب ديفيد عام 2000 وبدأت الانتفاضة، استُنفدت وظيفة أوسلو. استُبدلت سياسة التهدئة المُدارة بعقيدة ما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة، بما في ذلك إعطاء الضوء الأخضر لمزيد من العنف ضد الفلسطينيين.

الحرب على الإرهاب وإسرائيل

بعد أحداث 11 سبتمبر، استغل جورج دبليو بوش مصطلح 'الحرب على الإرهاب' لتبرير الحرب الاستباقية وتغيير الأنظمة، بدءاً بأفغانستان والعراق. كان ذلك بمنزلة إعلان بأن القوة العسكرية المفتوحة ستصبح الأداة الروتينية للسياسة الخارجية الأمريكية. ورحبت إسرائيل بذلك التحول بطبيعة الحال.

بعد شهر واحد فقط من غزو أفغانستان، كشف بوش عن 'محور الشر': كوريا الشمالية وإيران والعراق - آخر دولتين منتجتين للنفط قاومتا الهيمنة الأمريكية ودعمتا الفلسطينيين. وسرعان ما امتدت القائمة لتشمل كوبا وليبيا وسوريا. زعمت الولايات المتحدة الآن حقها في مهاجمة أي دولة تعرقل هيمنتها العالمية.

سارعت إسرائيل إلى إقحام صراعها في ذلك الإطار الجديد. وأصرت على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان الحرب نفسها، وأعادت تصوير المقاومة الفلسطينية كجزء من التهديد الجهادي العالمي. أعلن نتنياهو في أحداث 11 سبتمبر أن الهجمات ستُثير تعاطفاً فورياً مع إسرائيل، بينما صنّف المسؤولون الإسرائيليون حماس، الجماعة الدينية البرجوازية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، وجميع الفصائل الفلسطينية المسلحة، وحزب الله في لبنان، ضمن فئة واحدة مع تنظيم القاعدة. وساهمت تلك المناورة الأيديولوجية في مواءمة عقيدة الأمن القومي الأمريكي مع موقف إسرائيل خلال الانتفاضة الثانية.

في ذلك الوقت، أصبح أرييل شارون، رئيس وزراء إسرائيل، من أبرز المؤيدين الدوليين للتوجه الأمريكي نحو الحرب في العراق، على الرغم من حالة العراق المتردية بعد عقد من العقوبات وتدمير إسرائيل لمفاعل أوسيراك عام 1981. وساهم في خلق إجماع مؤيد للحرب داخل إسرائيل، وهو ما تناقض بشدة مع المعارضة الشعبية الواسعة في أوروبا وأمريكا الشمالية.

لم تنضم إسرائيل رسميًا إلى غزو عام 2003، لكنها قدمت معلومات استخباراتية ودعمًا لوجستياً وسياسياً. واستندت أساليب الاستجواب والتعذيب الأمريكية المستخدمة في العراق - بما في ذلك في سجن أبو غريب - بشكل مباشر إلى سوابق إسرائيلية. كما في عام 1991، استبعدت واشنطن إسرائيل من 'تحالف الراغبين' تجنباً لإحراج حلفائها العرب، الذين نددوا علناً بالحرب بينما قدموا سراً قواعد عسكرية وحقوق مرور جوي وتعاوناً في مكافحة التمرد.

وتعمّق التكامل الأمريكي الإسرائيلي في جميع المجالات الأمنية الرئيسية مثل مكافحة الإرهاب، والأمن الداخلي، وحرب المدن، والعمليات السيبرانية، والتنسيق الاستخباراتي ضد إيران في لبنان وسوريا والعراق، والتكامل الإقليمي للدفاع الصاروخي، والاستغلال المشترك لغاز شرق المتوسط. بعد أحداث 11 أيلول /سبتمبر، أصبحت إسرائيل جزءاً لا يتجزأ من البنية الأمنية الأمريكية، إذ مثّلت القاعدة الأمامية والذراع الضاربة للمواجهة المرتقبة مع إيران.

وظيفة قمع إسرائيل للفلسطينيين لصالح الإمبريالية الأمريكية

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سمحت عقيدة إدارة بوش المتمثلة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة ـ وإذعان الأنظمة العربية لحروب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق ـ لإسرائيل بالتخلي عن وهم أوسلو حول 'المفاوضات' واستبداله بالنزعة العسكرية المفتوحة: الحصار، والاغتيالات، وحظر التجول، وعمليات تغيير النظام التي تهدف إلى سحق المقاومة الفلسطينية إلى الأبد.

أشار بوش إلى ذلك التحول على الفور. وفي مارس/آذار 2001، قال لشارون إنه 'لن يحاول فرض السلام'، الأمر لذي أطلق فعلياًيد إسرائيل ً. ورد شارون بأول غارات جوية على أهداف للسلطة الفلسطينية منذ عام 1967 وبموجة من التوغلات في أنحاء الضفة الغربية. فحين رفض شارون رسمياً أوسلو في ديسمبر/كانون الأول 2001، أصدرت الأنظمة العربية احتجاجات طقوسية، ولكنها لم تتخذ أي إجراء.

وفي عام 2002، عينت واشنطن محمود عباس رئيساً للوزراء الفلسطيني بموجب 'خارطة الطريق للسلام'، لتهميش عرفات وإنشاء قيادة فلسطينية مستعدة للعمل كمنفذ لواشنطن. وكانت خارطة الطريق بمقام غطاء دبلوماسي للدعم العربي لحرب العراق المقبلة.

وفي العام 2004 أصدر بوش ضمانات مكتوبة لشارون كانت بمنزلة تحول تاريخي في سياسة الولايات المتحدة تضمن الاعتراف ببقاء الكتل الاستيطانية الكبرى جزءاً من إسرائيل، ورفض حق العودة، والتأكيد على حق إسرائيل في التصرف 'بنفسها' حتى في المناطق التي انسحبت منها. مسلحاً بهذه الضمانات، نفذ شارون عملية 'فك الارتباط' من جانب واحد من غزة ـ وما كانت تلك خطوة نحو السلام، بل تحركاً لخفض تكاليف الاحتلال مع تجميد المفاوضات بشأن اللاجئين والحدود والقدس.

وعندما فازت حماس بالانتخابات الفلسطينية عام 2006، رفضت الولايات المتحدة قبول النتيجة. ونظمت خطة بقيمة 1.27 مليار دولار لتسليح رجل فتح القوي محمد دحلان للإطاحة بالحكومة المنتخبة. وعندما استبقت حماس الانقلاب وسيطرت على غزة، دعمت واشنطن الحصار الإسرائيلي – بقطع الغذاء والدواء والكهرباء والمياه – بمشاركة نشطة من مصر.

أيدت الولايات المتحدة بشكل كامل العدوان الإسرائيلي على غزة في الفترة 2008-2009، معتبرةً تدمير حماس جزء من مشروعها الأوسع لبناء 'شرق أوسط جديد' وإضعاف إيران وسوريا. وكانت مصر والسعودية والسلطة الفلسطينية متواطئة بشكل مباشر، إذ خشيت من أن يُظهر فوز حماس الانتخابي قدرة حركة مقاومة شعبية على تحدي حكمها.

في عهد أوباما، ارتفعت المساعدات العسكرية الأمريكية إلى 3.8 مليار دولار سنوياً، مع توسيع التعاون في مجال الدفاع الصاروخي وتمويل كبير لنظام القبة الحديدية. أما ترامب فقد ذهب أبعد من ذلك إذ قطع جميع التمويل عن المؤسسات الفلسطينية، وأعلن الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وتأييد السيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، وتدبير اتفاقيات أبراهام في عام 2020 - تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والسودان، والمغرب.

وقد أضفى هذا الطابع الرسمي على ما كان سراً مكشوفًاً لفترة طويلة، أي التعاون التجاري والاستخباراتي والعسكري السري واسع النطاق بين دول الخليج وإسرائيل، الذي بات الآن مُشرعناً في خدمة نظام عقوبات 'الضغط الأقصى' الذي تفرضه واشنطن على إيران. أنهى ذلك حتى التظاهر بأن الأنظمة العربية ربطت علاقاتها مع إسرائيل بحقوق الفلسطينيين. وعزز محوراً أمريكياً مناهضاً لإيران، وضم دول الخليج إلى مواجهة واشنطن الأوسع مع الصين.

لم يُقدم أي من الموقعين على إلغاء الاتفاقيات بعد العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2023. فقد وفرت الأردن ومصر ودول الخليج ممرًا بريًا لإسرائيل، مما كفل استمرار إمدادات الطاقة إلى إسرائيل دون انقطاع.

عندما بدأت الإبادة الجماعية في أكتوبر 2023، أوضح نشر إدارة بايدن الفوري للسفن الحربية في شرق المتوسط ​​أن هذا هجوم أمريكي إسرائيلي مشترك. وقدمت واشنطن معلومات استخباراتية ولوجستية، وحزمة أسلحة طارئة بقيمة 14.3 مليار دولار، مستخدمةً حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لعرقلة قرارات وقف إطلاق النار. وأصبحت غزة مختبراً تكتيكاً للعقيدة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية تضمنت حرب المدن، والمراقبة، وعمليات الطائرات المسيرة، وأنظمة الدفاع الصاروخي، تم اختبارها في الوقت الفعلي.

كل هجوم إسرائيلي، سواء في غزة أو الضفة الغربية، خدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية. مُنحت إسرائيل حرية التصرف لأن كل عملية عزت المشروع الأوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط تحت الهيمنة الأمريكية. أشارت حرب الإبادة الجماعية عام 2023 إلى إيران والصين وروسيا بأن الولايات المتحدة لا تضع 'خطوطاً حمراء' وأنها ستتسامح مع القتل الجماعي لفرض هيمنتها.

لكن هذه العلاقة كانت دائماً قائمة على تبعية متبادلة. احتاجت إسرائيل إلى التمويل والحماية الأمريكية للبقاء؛ واحتاجت الولايات المتحدة إلى إسرائيل كذراعها التنفيذي الذي لا غنى عنه، ومقاولها الفرعي، وأداة هجومها الإقليمية. ما جمع بينهما هو المصلحة الطبقية المشتركة بين الإمبريالية الأمريكية ووكيلها الإقليمي في سحق أي تحدٍّ - فلسطيني، أو قومي عربي، أو إيراني، أو حتى من الطبقة العاملة - لهيمنتها على المنطقة الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية والأغنى بالنفط على وجه الأرض.

الحروب على لبنان لإضعاف شبكة إيران الإقليمية

في عام 2006، شنت إسرائيل هجومًا استمر 34 يوماً على لبنان، وكان هدفه صراحةً القضاء على حزب الله، حليف إيران، كقوة عسكرية وسياسية. كان ذلك جزءاً مُخططًا له بعناية من استراتيجية الولايات المتحدة لإعادة هيكلة المنطقة، التي وصفها موقع WSWS بأنها 'استمرار وتصعيد لإعادة الهيكلة الجيوسياسية الإمبريالية للشرق الأوسط وآسيا الوسطى التي بدأت بغزو أفغانستان والعراق'. وكان الهدف العسكري المباشر - سحق حزب الله – بمنزلة مقدمة لمواجهة سوريا، وفي نهاية المطاف إيران. وعرقلت الولايات المتحدة بنشاط جهود وقف إطلاق النار، إذ أُجلت زيارة كوندوليزا رايس عمداً، الأمر الذي منح إسرائيل أقصى وقت ممكن للتدمير.

أدت الحرب إلى تدمير لبنان وتشريد أكثر من مليون شخص، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية. فقد صمد حزب الله، وحشد تأييداً شعبياً واسعاً، وفرض وقف إطلاق النار. ومع ذلك، فقد ساهمت الحرب في تسريع تطوير أنظمة الدفاع الصاروخي التي أصبحت محوراً أساسياً للتعاون العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

واصلت إسرائيل جهودها للقضاء على حزب الله. فخلال العقد الثاني من الألفية، شنت آلاف الغارات الجوية في سوريا مستهدفةً القوات المدعومة من إيران وخطوط إمداد حزب الله، مُؤديةً دور سلاح الجو الأمريكي ضد محور المقاومة الإيراني. وفي عام 2024، عادت إسرائيل إلى هذه المهمة بضراوة أكبر بكثير: حملة اغتيالات ممنهجة استهدفت كامل القيادة العليا لحزب الله، وبلغت ذروتها باغتيال زعيمه حسن نصر الله في 28 سبتمبر/أيلول 2024.

وأُلقيت نحو 85 قنبلة - معظمها قنابل خارقة للتحصينات زنة 2000 رطل، مُورّدة من الولايات المتحدة - على وسط بيروت. وأمر نتنياهو بالضربة من مدينة نيويورك، في اليوم التالي لإلقائه خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصف فيه صراحةً حملة إسرائيل بأنها بناء 'شرق أوسط جديد' يتماشى مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية، ضد إيران وسوريا والعراق ولبنان. كتب موقع WSWS أن هذا ليس عملاً إسرائيلياً أحادياً، بل عملية إمبريالية أمريكية: 'حكومة نتنياهو، الممولة والمسلحة من الولايات المتحدة، ليست جهة مستقلة، بل تعمل كوكيل لأمريكا'.

في آذار /مارس من هذا العام، شنت إسرائيل هجوماً جديداً على لبنان في إطار المواجهة الأمريكية الأوسع مع إيران، مستخدمةً نفس التكتيكات التي استخدمتها في غزة - التهجير الجماعي والقصف الجوي - سعياً منها لدفع حزب الله شمال نهر الليطاني. يبقى الهدف الأمريكي الأوسع كما هو: إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. في غضون ذلك، تستغل القيادة الإسرائيلية الصراع لتحقيق طموحاتها الإقليمية وتوطيد دعائم 'إسرائيل الكبرى'.

التحكم بمنطقة أوسع: سوريا و'محور المقاومة'

لم تكتفِ إسرائيل بتنفيذ عمليات مباشرة ضد إيران، بل عملت كقوة ضاربة متقدمة لواشنطن ضد 'محور المقاومة' بأكمله الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تدميره. فخلال حملة الولايات المتحدة والخليج وتركيا لإسقاط الحكومة السورية، شنت إسرائيل مئات الغارات الجوية على مواقع عسكرية ومطارات ومستودعات أسلحة وقواعد وقوافل تابعة لإيران وحزب الله - القوة الخارجية الحاسمة في سوريا منذ عام 2013. وقدمت إسرائيل فعلياً دعماً جوياً للميليشيات المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة، إلى جانب تقديم مساعدات طبية ولوجستية للجماعات الإسلامية المسلحة في مرتفعات الجولان. وتم تنسيق هذه العمليات مع القوات الأمريكية في شرق وشمال سوريا، التي تبادلت المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل.

كان الهدف واضحاً وهو منع إيران من ترسيخ موقعها في سوريا كقوة موازنة للهيمنة الأمريكية الإقليمية. دمرت إسرائيل أيضًاً المفاعل النووي السوري المزعوم عام 2007، وهي عملية لم تكن إدارة بوش مستعدة لتنفيذها بنفسها، لكنها سمحت لإسرائيل بتنفيذها، محافظةً بذلك على احتكار الولايات المتحدة وإسرائيل للسلاح النووي. واستغلت واشنطن الضربة فوراً كتحذير لطهران: هذا ما ينتظر منشآتكم النووية.

أعادت حرب 2023-2024 بين إسرائيل وحزب الله تشكيل ساحة المعركة السورية. فقد اضطر حزب الله إلى تحويل مقاتليه وقادته وإمداداته اللوجستية إلى الجبهة الجنوبية في لبنان. وأدى انخفاض وجوده إلى فراغ مؤقت في شمال غرب سوريا، في الوقت الذي أحكمت فيه هيئة تحرير الشام، الجماعة الإسلامية السنية المسلحة المنشقة عن جبهة النصرة، سيطرتها على إدلب.

ومع انشغال حزب الله وتركيز الجهات الفاعلة الإقليمية على منع مواجهة أوسع بين إسرائيل وإيران، واجهت هيئة تحرير الشام قيوداً أقل. وساعد ذلكالتحول غير المباشر، لكن الحاسم، هيئة تحرير الشام على تشديد قبضتها، وساهم في انهيار النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول 2024.

وبعد سيطرة هيئة تحرير الشام على دمشق، واصلت إسرائيل هدفها طويل الأمد المتمثل في إضعاف سوريا وتفتيتها فدعمت جماعات الأقليات ضد الدولة المركزية - الدروز في الجنوب الغربي والأكراد في الشمال الشرقي - إلى أن أجبرتها واشنطن على سحب دعمها للقوات الكردية خلال هجوم الجيش السوري لإعادة دمج المنطقة ذات الحكم الذاتي.

إيران وتعميق التحالف الأمني ​​بين الولايات المتحدة وإسرائيل

لقد جعل الغزو الأمريكي للعراق، الذي كانت إحدى نتائجه غير المقصودة توسيع نفوذ إيران الإقليمي، إيران محورًا رئيسيًا في الاستراتيجية الأمريكية. وأسهم ذلك التحول في تسريع اندماج إسرائيل في النظام الأمني ​​العسكري الأمريكي، ودفع إيران نحو توطيد علاقاتها مع الصين، التي باتت الآن المنافس العالمي الرئيسي لواشنطن.

وما أن تم تصنيف إيران ضمن 'محور الشر'، حتى فرضت واشنطن سلسلة من عقوبات الأمم المتحدة على برنامجها النووي، على الرغم من عدم وجود أي دليل على انتهاكها لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. و صعّد أوباما الضغط في عام 2012 باستهداف قطاع الطاقة الإيراني والبنك المركزي، مهدداً أي دولة تشتري النفط الإيراني بالاستبعاد من النظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

صعّد ترامب المواجهة: فمزق الاتفاق النووي لعام 2015، وأعاد فرض عقوبات شاملة، وصنّف الحرس الثوري الإسلامي منظمة إرهابية، وأمر باغتيال قاسم سليماني عام 2020.

إلى جانب تلك الإجراءات العلنية، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل 'حربًا خفية' طويلة الأمد لشلّ القدرات النووية والعسكرية الإيرانية شملت هجوم ستوكسنت الإلكتروني على نطنز؛ واغتيالات لعلماء ومسؤولين في الحرس الثوري؛ وتخريب البنية التحتية العسكرية والطاقة؛ وهجمات على السفن الإيرانية. كانت هذه حملة مشتركة للاحتواء العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، رسّخت دور إسرائيل كقوة ضاربة في الخطوط الأمامية لواشنطن.

وأصبح ذلك التحالف واضحاً عام 2024، عندما أثارت الضربة الإسرائيلية على القنصلية الإيرانية في دمشق رداً إيرانياً مباشراً. حشدت الولايات المتحدة قواتها على الفور: شكّلت القيادة المركزية الأمريكية تحالفاً دولياً للدفاع الجوي، إذ قدّمت المملكة المتحدة وفرنسا والأردن والسعودية والإمارات العربية المتحدة الدعم الاستخباراتي والجوي واللوجستي. أصبح الدفاع الإسرائيلي الآن يعمل ضمن منظومة أمنية إقليمية تمحورت حول الولايات المتحدة.

تجلى الأمر بوضوح في يونيو/حزيران 2025، عندما هاجمت إسرائيل المنشآت النووية الإيرانية خلال محادثات أمريكية إيرانية. دافعت الولايات المتحدة عن إسرائيل، واعترضت صواريخ إيرانية، وقدمت معلومات استخباراتية ودعماً لوجستياً، ونفذت في نهاية المطاف ضربات مباشرة على المواقع النووية الإيرانية تحت الأرض - وهي أهداف تجاوزت قدرات إسرائيل. ردت إيران بضرب قاعدة أمريكية في قطر، وبعدها فرضت واشنطن وقفاً لإطلاق النار. وقدمت دول الخليج مجدداً قواعد عسكرية ومعلومات استخباراتية ومجالاً جوياً؛ وقدمت دول حلف شمال الأطلسي دعماً سياسياً ولوجستياً. و لخص المستشار الألماني فريدريش ميرتس جوهر العملية بقوله: إن إسرائيل أدت 'العمل القذر' لمصلحة الغرب.

يُمثل الصراع الحالي، الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل معاً في 28 شباط/فبراير، التعبير الأكمل عن هذا التكامل إذ فتحت جميع دول الخليج، باستثناء عُمان، قواعدها وشبكاتها الاستخباراتية ومجالها الجوي أمام واشنطن؛ وقدمت دول الناتو دعماً سياسياً وعسكرياً غير مباشر.

وتُظهر هذه التطورات مجتمعةً كيف تعمل إسرائيل كوكيلٍ متقدم لواشنطن ضمن بنية أمنية إقليمية تُوجهها الولايات المتحدة. فالولايات المتحدة هي من يحدد نطاق العمليات ومدتها والتحالف والإطار السياسي لها، وهي من يصدر أوامر وقف إطلاق النار. وإسرائيل ليست طرفًا في المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي ستُحدد شروط أي تسوية.

ويُوضح هذا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ليست نتاجاً لمؤامرات إسرائيلية أو شبكات ضغط، بل هي نتاج أزمة النظام الإمبريالي العالمي. إن اختزال مواجهة عالمية إلى مناورات دولة بلغ تعداد سكانها عشرة ملايين نسمة هو خلط بين الظل والجوهر. القوة الدافعة هي المنطق الاستراتيجي للإمبريالية الأمريكية، الساعية بشدة إلى استعادة سيطرتها على الطاقة والمواد الخام وطرق الاستثمار والممرات التجارية ونقاط الاختناق الجيوسياسية، في ظل تآكل هيمنتها على جميع الجبهات باستثناء الجبهة العسكرية.

تتصرف إسرائيل ضمن هذا الإطار كشريك ثانوي، تُعزز أفعاله أهداف واشنطن، لا كقوة خفية قادرة على توجيه أكبر قوة عسكرية ومالية في العالم نحو الحرب.

الخلاصة

يبقى كتاب لينين 'الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية' الإطار الأساسي لفهم الأزمة العالمية الراهنة. فالإمبريالية ليست مجرد عدوان استعماري أو استبداد من القوى العظمى، بل هي مرحلة محددة من مراحل التطور الرأسمالي، تتسم بالاحتكار، ورأس المال المالي، وتصدير رأس المال، والتكتلات الدولية، وتقسيم العالم بين القوى الكبرى، وهو تقسيم لا يمكن تغييره إلا بالعنف. إنها ليست خياراً سياسياً، بل هو المنطق البنيوي للرأسمالية ما أن تتجاوز حدود الدولة القومية.

كتب لينين أن تغيّر القوة الاقتصادية والمالية والعسكرية للدول الرأسمالية المتنافسة يُزعزع باستمرار أي 'توازن' إمبريالي. حطّم صعود ألمانيا توازن أوائل القرن العشرين، ولعب صعود الصين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الدور نفسه في القرن الحادي والعشرين. ينبع الدافع نحو الحرب من هذا التناقض الموضوعي، لا من قرارات القادة الأفراد.

وأكد لينين أيضاً أن الإمبريالية تُنتج 'ردود فعل عكسية على جميع المستويات' في الداخل. تتطلب الرأسمالية الاحتكارية القمع والرقابة وتقييد الحقوق الديمقراطية. تمثل المبالغ الطائلة التي تُضخ إلى إسرائيل - 158 مليار دولار منذ عام 1948، و3.8 مليار دولار سنوياً اليوم، بالإضافة إلى المساعدات الطارئة - تحويلاً مباشراً من الاحتياجات الاجتماعية إلى النزعة العسكرية وصناعة الأسلحة.

إن قمع الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأمريكية، وتجريم المعارضة، وحظر الجماعات الطلابية، والتهديد بالترحيل في ألمانيا، كلها جزء من عملية واحدة، وهي استغلال الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لتبرير توسيع نطاق جهاز القمع ضد الطبقة العاملة التي تخوض نضالاً من أجل الأجور وظروف العمل.

استند تحليل لينين إلى إدراكه أن الرأسمالية دخلت حقبة من الأزمة والانحلال المنهجيين، حيث أصبح التحول الاشتراكي للمجتمع ضرورة موضوعية. ومن هذا التحليل انبثق الاستنتاج الاستراتيجي: لا يمكن لأي مناشدة للدولة الرأسمالية، ولا لأي استحضار لـ'النظام الدولي القائم على القواعد'، ولا لأي حملة لإصلاح السياسة الخارجية الأمريكية عبر تقليص النفوذ الإسرائيلي، أن توقف الانزلاق نحو الحرب العالمية. لم توقف المظاهرات الحاشدة عام 2003 غزو العراق؛ ولم يوقفه الغضب العالمي من الإبادة الجماعية في غزة؛ ولا حتى المناشدات المقدمة إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية. لا يمكن إجبار الإمبريالية على السلام.

المطلوب هو بناء حركة عمالية عالمية، مُسلّحة ببرنامج اشتراكي أممي، مُوجّهة ضد النظام الرأسمالي الذي يُعدّ السبب الجذري للحرب الإمبريالية، بقيادة الحزب الثوري للأممية الرابعة. فقط التعبئة المستقلة للطبقة العاملة على نطاق عالمي قادرة على وضع حدٍّ للهمجية التي نشهدها الآن، وفتح الطريق أمام إعادة تنظيم اشتراكي للمجتمع.

Loading