أعلنت الولايات المتحدة رسمياً شطب سوريا من قائمة واشنطن للدول راعية الإرهاب. لقد طبع هذا التصنيف العلاقات الأمريكية السورية لما قارب من نصف قرن، مما أدى إلى فرض عقوبات وعزلة دبلوماسية واقتصادية على سوريا.
يشير الشطب من قائمة الإرهاب إلى دمج النظام السوري الجديد في نظام إقليمي تدعمه الولايات المتحدة ودول الخليج. وبالنسبة للشعب السوري، فإن الانفتاح على رأس المال الأجنبي يتزامن مع ترسيخ دولة إسلامية استبدادية وبرنامج اقتصادي يُحمّل العمال والمزارعين وعموم السكان تكاليف إعادة الإعمار.
كما أن إنهاء العقوبات المفروضة على 'هيئة تحرير الشام' (HTS) -المدعومة من تركيا-، وإلغاء المكافأة المالية البالغة 10 ملايين دولار التي كانت مرصودة للقبض على الرئيس أحمد الشرع (زعيم الهيئة المعروف سابقاً باسم أبو محمد الجولاني)، وإلغاء 'قانون قيصر'، كلها خطوات تفتح الباب أمام إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي.
تفاقمت فترة طويلة من العزلة الاقتصادية بسبب الحرب الأهلية التي استمرت أربعة عشر عاماً، حيث دعمت الولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا قوى معارضة مختلفة -بما في ذلك ميليشيات إسلامية ومرتبطة بجماعات جهادية-، في حين تدخلت روسيا وإيران وحزب الله للحفاظ على نظام الأسد.
وصرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن قرار الشطب جاء 'اعترافاً بالإجراءات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وبالتزاماتها الإضافية بالنأي بسوريا تماماً عن أعمال الإرهاب الدولي'. وتشمل هذه 'الإجراءات الإيجابية' التخلي عن الروابط مع الشبكات الجهادية، والانضمام إلى تحالف واشنطن ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والجماعات المتحالفة مع إيران، والتعاون مع وكالات مكافحة الإرهاب الأمريكية.
كانت أسباب إعادة تأهيل هذا الجهادي السابق ذات طابع جيواستراتيجي، وتتمثل في: تحقيق الاستقرار للدولة الضعيفة الموالية للولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الأسد في مواجهة الاضطرابات المتزايدة بسبب الأوضاع الاجتماعية، والقضاء على النفوذ الروسي من خلال دمج سوريا في المحور الإقليمي الأمريكي، وإضعاف إيران، وتمكين الاستثمارات الخليجية في سوريا، واستخدام سوريا كممر طاقة بري بديل يربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسط.
ومع رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية الرئيسية بشكل كبير، بات بإمكان البنوك الأمريكية والأوروبية استئناف عملياتها مع البنوك السورية، كما يمكن للبنك المركزي السوري السعي للحصول على تصنيف ائتماني سيادي، مما يتيح الوصول إلى أسواق رأس المال العالمية.
من 'خصم' إقليمي إلى شريك للولايات المتحدة
في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979 التي أطاحت بأحد حلفاء واشنطن الإقليميين الرئيسيين، شرعت إدارة كارتر في إعادة ترتيب أوضاع الشرق الأوسط، وعملت على تعزيز دور إسرائيل في المنطقة. وتمثّل أحد جوانب هذا التوجه في تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب؛ وذلك بسبب دعمها لـ 'جبهة الرفض' والمنظمات الفلسطينية المسلحة، ولاحقاً لحزب الله، في صراعهم ضد إسرائيل إبان الحرب الأهلية اللبنانية -التي تحالفت فيها بعض الأحزاب المسيحية اليمينية مع إسرائيل.
لقد كانت سوريا ركيزة أساسية في مساعي إدارة أوباما الأوسع نطاقاً لترسيخ الهيمنة الأمريكية على منطقتي الشرق الأوسط وآسيا الوسطى الغنيتين بالموارد. وجعلت علاقاتها الوثيقة مع إيران وحزب الله منها طرفاً بالغ الأهمية في الجهود الأمريكية الرامية لإضعاف ما اعتبرته واشنطن العائق الرئيسي أمام هيمنتها على المنطقة. وأدى ذلك إلى زيادة كبيرة في اعتماد سوريا على الاتحاد السوفيتي، ثم على إيران بعد انهياره.
بعد توليه السلطة مباشرة في أعقاب الحرب الإسرائيلية على حزب الله في لبنان، أوضح الشرع -القيادي الجهادي السابق- توجهاته نحو الولايات المتحدة وتركيا والاتحاد الأوروبي ودول الخليج. وقد ضمن ذلك اندماجه السريع -واندماج سوريا معه- في الفلك الأمريكي؛ إذ وصفه الرئيس دونالد ترامب بأنه 'شاب جذاب، ورجل صلب، ذو ماضٍ قوي... ماضٍ قوي للغاية، ومقاتل'. كما دعاه ترامب إلى البيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 والتقى به مجدداً في تموز/ يوليو الماضي، حين كان الشرع ضيفاً على قمة حلف الناتو في أنقرة.
كان هذا دليلاً على أن المكافأة المالية التي رُصدت سابقاً بقيمة 10 ملايين دولار لم تكن سوى غطاء للعلاقات العامة، بينما كانت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تتعاون مع الجهاديين -بميزانية سنوية قُدّرت بنحو مليار دولار- للإطاحة بنظام الأسد. وبات الشرع الآن موضع ترحيب في الولايات المتحدة وتركيا والنظام الإقليمي المدعوم خليجياً، بعد انضمامه إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مما فتح الباب أمام استئناف الأعمال والأنشطة الاقتصادية في سوريا.
تمثلت العواقب غير المقصودة لإعادة التموضع الجيوسياسي الجديد لسوريا -ضمن نظام إقليمي متحالف مع الولايات المتحدة- في توسع النفوذ التركي؛ وهو أمر يتعارض مع المتطلبات الأمنية لإسرائيل ويجلب معه توترات متزايدة بين أنقرة وتل أبيب.
ففي شهر حزيران/ يونيو، دعا ترامب الشرع إلى تولي دور إسرائيل في تفكيك حزب الله كمنظمة عسكرية، وهي مهمة رفضها الشرع معتبراً إياها تفوق قدرات جيشه.
ومع ذلك، فإن إسرائيل عازمة على إبقاء الدولة السورية الجديدة ضعيفة ومفتتة، ومنعها من تطوير قدرات عسكرية قد تقيد حرية إسرائيل في التحرك. وهي تنظر إلى الأكراد -الذين أقاموا منطقة حكم ذاتي في الشمال الشرقي- باعتبارهم 'حلفاء طبيعيين' لها. ومن جانبها، تحاول الدولة التركية -عبر مفاوضاتها مع عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون منذ فترة طويلة - تحويل عدوها الذي استمر الصراع معه أربعين عاماً إلى حليف، مما يقوض سياسة إسرائيل تجاه الأكراد.
استولت إسرائيل على أراضٍ في جنوب سوريا بالقرب من الحدود، وتحالفت مع بعض الزعماء الدروز في السويداء، وأقامت بنية تحتية عسكرية دائمة داخل البلاد؛ وذلك بهدف خلق ثقل موازٍ لـلشرع وتشكيل حصن ضد النفوذ التركي في آن واحد. كما شنت إسرائيل غارات متكررة على قواعد جوية سورية -كان آخرها قاعدة أبو الظهور في شمال سوريا خلال شهر آب / أغسطس- وذلك لتوجيه تحذير لتركيا من استخدام هذه القاعدة لتوسيع نفوذها العسكري
واشنطن تتخلى عن تحالفها مع الأكراد لصالح 'هيئة تحرير الشام' وتركيا
يكشف مصير الميليشيات القومية الكردية —أي قوات سوريا الديمقراطي (SDF) ووحدات حماية الشعب (YPG) التي سيطرت على المنطقة الكردية في شمال شرق سوريا بدعم أمريكي— عن طبيعة إعادة التموضع الجيوسياسي الأوسع لواشنطن، وعن الطابع الطبقي للقوى القومية التي تقاتل من أجل تغيير النظام. ففي شهر آب/ أغسطس، أعلنت 'قوات سوريا الديمقراطية' رسمياً حل نفسها بموجب اتفاق مع حكومة هيئة تحرير الشام، مما أنهى الحكم الذاتي الكردي ووضع المناطق الكردية تحت سيطرة 'هيئة تحرير الشام' ووحدات إسلامية أخرى.
وطوال فترة الحرب الرامية لتغيير النظام، عملت قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب كقوة وكيلة رئيسية لواشنطن -إلى جانب الميليشيات الإسلامية السنية التابعة لـ 'هيئة تحرير الشام'- وذلك مقابل الحصول على دعم أمريكي لكيان كردي يتمتع بالحكم الذاتي.
وقد رفض موقع World Socialist Web Site موقع الاشتراكية العالمية قيام التيارات اليسارية الزائفةبتمجيد هذه القوى وتصويرها على أنها مقاتلون في 'ثورة ديمقراطية'، مشدداً على أن 'ما يجري في سوريا ليس ثورة، بل هو عملية تقسيم رجعية للبلاد بقيادة إمبريالية'.
لقد كان استسلام 'قوات سوريا الديمقراطية' و'وحدات حماية الشعب' أمراً فرضته واشنطن، ولم يكن خياراً اتخذه الأكراد؛ إذ أقر قائد 'قوات سوريا الديمقراطية'، مظلوم عبدي، بأن هذه الخطوة تمت دعماً لحليفة واشنطن، أنقرة، التي تعارض أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكردي.
ونص اتفاق مارس 2025 -الذي وُقِّع بعد أشهر من الاشتباكات بين 'قوات سوريا الديمقراطية' ودمشق، ووسط مجزرة راح ضحيتها ما يقرب من 1000 علوي- على دمج قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في هيكلية نظام دمشق. وفي أغسطس 2025، وقعت سوريا اتفاقاً مع تركيا لتدريب وتجهيز قواتها المسلحة، مما شكل مؤشراً على تحرك ضد قوات سوريا الديمقراطية'
وجاء اتفاق كانون الأول /ديسمبر 2025 -الذي قضى ببقاء ثلاث فرق من قوات سوريا الديمقراطية تابعة للأكراد ضمن الهيكل العسكري للجيش السوري- مباشرةً عقب تصويت الكونغرس الأمريكي لصالح رفع العقوبات عن سوريا. وبعد أن أعطت واشنطن 'الضوء الأخضر' للهجوم العسكري الذي شنته هيئة تحرير الشام -بدعم من أنقرة- ضد الأكراد، وأدى إلى فقدان 'قوات سوريا الديمقراطية' لما يصل إلى 80 بالمائة من أراضيها، اضطرت القوات لتوقيع اتفاق يناير 2026 الذي أعاد المنطقة إلى سيطرة دمشق. وقد صرح المبعوث الأمريكي توم باراك بأن 'الغرض الأصلي من تشكيل قوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)... قد انتهى إلى حد كبير'. انتهى التحالف الأمريكي مع الأكراد بمجرد أن توقف عن خدمة مساعي واشنطن المناهضة لإيران.
لم تقطع قيادة قوات سوريا الديمقراطية (SDF) يوماً علاقتها بالإمبريالية؛ فقد تركتها استراتيجيتها القائمة على المناورة بين واشنطن وأنقرة وحتى إسرائيل -التي قبلتها كـ 'حليف طبيعي'- في حالة من العزلة وانعدام الحماية. حتى في ديسمبر 2025، كان قائد القوات، عبدي، لا يزال يدعم خطة ترامب لـ 'جعل سوريا عظيمة مجدداً' ويعرض التعاون مع الولايات المتحدة ضد إيران.
تكشف ممارسات قوات سوريا الديمقراطية عن الإفلاس السياسي لتفسير 'اليسار الزائف' للحركة القومية الكردية باعتبارها بديلاً ثورياً للإمبريالية. فقد أمضت تلك القوى عقداً من الزمن في تمجيد وحدات حماية الشعب (YPG) وقوات سوريا الديمقراطية و'ثورة روجافا' بوصفها منارة لـ 'الكونفدرالية الديمقراطية' و'تحرير المرأة' والبطولة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهو ما لم يكن في حقيقته سوى دعم لحرب إمبريالية بالوكالة.
وعندما استسلمت قوات سوريا الديمقراطية، لم تكن لدى تلك القوى أي تفسير متماسك؛ لأن إطارها بأكمله -القائل بأن الأكراد يخوضون 'ثورة' مدعومة بالغارات الجوية والأسلحة الأمريكية- قد انهار. وبينما كانوا يندبون 'خيانة' واشنطن، تهربوا من السؤال الجوهري: وهو أن القوات الكردية كانت متحالفة مع الإمبريالية الأمريكية منذ البداية، وأنهم هم أنفسهم أشادوا بذلك التحالف.
لقد كان هذا جزءاً لا يتجزأ من دورهم العام في الحرب السورية: بدءاً من تمجيد 'المتمردين المعتدلين' ووصولاً إلى الاحتفال بالإطاحة بالأسد في ديسمبر 2024. لقد خدمت خطاباتهم حول 'الثورة' في توفير غطاء يساري لعملية تغيير النظام التي قادتها واشنطن، وهو ما يؤكده استسلام الأكراد وعجز تلك القوى نفسها عن تفسيره.
الشرع يرسخ دكتاتورية إسلامية
بعد فترة وجيزة من الإطاحة بنظام الأسد، عزز الشرع موقعه السياسي بفرض إطار دستوري جديد أرسى دعائم دكتاتورية سياسية. منح هذا الدستور الرئيس سلطة منفردة لإعلان حالة الطوارئ وتعيين ثلث أعضاء 'مجلس الشعب' المنوط به صياغة التشريعات، دون أن يملك المجلس أي صلاحية لعزل الرئيس.
ويكرس الدستور الجديد الهيمنة الإسلامية السنية، جاعلاً الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، ومانحاً صلاحية مراجعة التشريعات لـ 'مجلس إفتاء' يتألف بالكامل من السنة ويخلو من أي تمثيل للأقليات. يكرّس هذا النظام التمييز ضد العلويين والمسيحيين والدروز والإسماعيليين، الذين شكلوا مجتمعين ما يقرب من 20 في المئة من سكان سوريا في عام 2025.
وقد عمد النظام الجديد إلى تفكيك سجلات الأحوال المدنية وسجلات الأراضي، مما قوض الحق في الهوية القانونية وألحق أضراراً غير متناسبة بالأقليات؛ إذ وثقت تقارير الأمم المتحدة استمرار عمليات الاحتجاز التعسفي والاختطاف والتعذيب والعنف الجنسي ضد تلك الأقليات.
استخدم الشرع المؤسسة العسكرية والترتيبات الدستورية الجديدة لترسيخ قبضته على السلطة. وفي حين أقدم شكلياً على حل هيئة تحرير الشام (HTS)، لكنه كافأ أتباعه وأعاد هيكلة الجيش السوري ليتمركز حول مقاتلي الهيئة، مع دمج آلاف الجهاديين المخضرمين في القوات الأمنية الجديدة.
وقد نفذ جهازه العسكري الجديد موجة من العنف الطائفي ضد الأقليات؛ إذ أثبت تحقيق أجرته وكالة 'رويترز' على مدى أشهر مقتل 1,479 علوياً في الفترة ما بين 7 و9 مارس/آذار 2025، وذلك في أكثر من 40 تجمعاً سكانياً على طول الساحل السوري المطل على البحر المتوسط. وقد امتدت سلسلة القيادة لتشمل شخصيات بارزة في النظام الجديد بدمشق. كما وثقت تقارير الأمم المتحدة حالات اختطاف واغتصاب واحتجاز تعسفي وإهانات طائفية تعرضت لها نساء وفتيات علويات على يد مسلحين، بمن فيهم مقاتلون أجانب دُمجوا في قوات الدولة.
وشنت قوات الشرع حملة همجية ضد الدروز في جنوب سوريا في يوليو/تموز 2025، مما أسفر عن مقتل أكثر من 1,000 شخص في محافظة السويداء. واستمر العنف الطائفي خلال عام 2026، حيث واجهت المجتمعات الدرزية الترهيب والتهجير. ومع ذلك، لا تزال السويداء خارج السيطرة الكاملة لدمشق، وقد أصبحت أداة رئيسية للتدخل الإسرائيلي في سوريا.
إعادة هيكلة الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الحرب
قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية في سوريا بنحو 216 مليار دولار؛ وهو مبلغ يفوق بثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا قبل الحرب، ويعادل قرابة عشرة أضعاف حجم الاقتصاد السوري في عام 2024. وتطرح هذه الأرقام تساؤلات حول كيفية إعادة إعمار سوريا، والأهم من ذلك، من سيستفيد من التدفقات الهائلة لرأس المال التي ستنتج عن هذه العملية.
يستغل النظام الجديد الفرصة التي أتاحها رفع العقوبات لإعادة هيكلة الاقتصاد عبر الاستثمار الأجنبي والخصخصة وتحرير التجارة -وكلها عمليات قائمة على المحسوبية والمحاباة- بالتزامن مع تعزيز سيطرته على المؤسسات التي ستتولى توزيع الثروة الناجمة عن ذلك.
وعادةً ما تُمنح العقود الحكومية لشركات يرأسها أفراد من العائلة وموالون لـ 'هيئة تحرير الشام'، في حين تذهب المناصب القيادية في الحكومة الجديدة والمؤسسات الاقتصادية والأمنية إلى أفراد من العائلة ومقربين من الشرع والهيئة. في حين تمكن بعض رجال الأعمال من حقبة الأسد من إبرام صفقات غامضة مع النظام الجديد، تعرض آخرون لمصادرة أصولهم.
أعلن الشرع عن استثمارات خليجية وأجنبية بقيمة 28 مليار دولار في قطاعات حيوية مثل الطيران والاتصالات والبنية التحتية للمياه، وهو عنصر أساسي في الاتفاق الأمريكي السعودي الرامي إلى تحقيق الاستقرار في منطقة بلاد الشام.
وقد انتهجت الحكومة سياسات تحرير التجارة التي يروج لها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في قطاعي التصنيع والزراعة؛ مما أدى إلى توسيع العجز التجاري مع الجارتين تركيا والأردن.
كما استحدثت الحكومة نظاماً ضريبياً جديداً حُدِّد فيه الحد الأقصى لضريبة الشركات بنسبة 15 في المئة - بغض النظر عن حجم الشركة - مع منح المستثمرين امتيازات ضريبية وجمركية كبيرة ناهيك عن إعلان خطط لتقليص القوى العاملة في القطاع العام بمقدار الثلث، وخصخصة المؤسسات المملوكة للدولة والخدمات العامة مثل الصحة والتعليم.
الطبقة العاملة والمزارعون وعائلاتهم يتحملون الأعباء الاجتماعية
بعد أن كانت سوريا تُصنّف كدولة متوسطة الدخل، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 1550 دولاراً في عام 2011 إلى 670 دولاراً في عام 2022، أي بنسبة تراجع تجاوزت 50 في المئة. وبلغت معدلات البطالة مستوىً هائلاً وصل إلى 60 في المئة، وفقاً لتقديرات وزير الاقتصاد.
انتهج النظام الجديد سياسات زادت من إفقار الشعب السوري؛ إذ قلص الدعم المخصص للخبز، وأوقف دعم الوقود والنفط، ورفع أسعار الكهرباء. ونظراً لأن تسعير الوقود بات مرتبطاً بالدولار الأمريكي (حيث تعادل قيمة الدولار حالياً 122 ليرة سورية)، يواجه المزارعون وأصحاب المشاريع الصغيرة ارتفاعاً جنونياً في الأسعار قد يجبر الكثيرين منهم على إغلاق أعمالهم. وعلى الرغم من استعادة جزء من إمدادات الكهرباء، إلا أن المناطق النائية والريفية لم تستفد من ذلك.
تواجه سوريا أزمة غذائية حادة، وسط تحذيرات أممية من انهيار القطاع الزراعي الذي تضرر بشدة جراء 14 عاماً من الصراع، وموجات الجفاف المتكررة، وانهيار الاقتصاد. وقد أفادت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بأن 14.5 مليون سوري يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي.
كما تعاني سوريا من نقص حاد في المياه نتيجة الدمار الذي خلفته الحرب -الذي طال أكثر من 60 في المئة من البنية التحتية للمياه- وانخفاض معدلات هطول الأمطار شتاءً بنسبة تقل بـ 60 في المئة عن المعدل السنوي.
يعيش أكثر من 90 في المئة من السكان تحت خط الفقر. ويعتمد الكثيرون على التحويلات المالية من أفراد العائلة المقيمين في الخارج، التي يُقدر إجماليها بـ 4 مليارات دولار لعام 2025، أي ما يعادل 15 إلى 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. غير أن هذا المصدر مهدد أيضاً، إذ تضغط الدول المضيفة على اللاجئين للعودة إلى ديارهم. وقد أدى عودة مليون لاجئ و2.5 مليون نازح داخلياً إلى إجهاد قطاعات الإسكان والمياه والكهرباء والخدمات البلدية، فضلاً عن نشوب نزاعات جديدة حول ملكية العقارات، حيث استولى آخرون على المنازل والأراضي التي هجرها أصحابها.
تصاعد المقاومة الاجتماعية
شهد هذا العام موجة متزايدة من الاحتجاجات والإضرابات التي شارك فيها عمال ومهنيون وطلاب وتجار ومزارعون وسكان المناطق المدمرة، حيث سُجلت 41 مظاهرة في النصف الأول من شهر حزيران /يونيو وحده. وقد طالب المحتجون بتخفيف وطأة الظروف الاقتصادية المتردية، وضمان الحقوق العمالية والمهنية، والإفراج عن المعتقلين والمغيبين قسراً. شهدت مدينتا حمص ودمشق احتجاجات تتعلق بحقوق الأراضي، وتهجير السكان لإفساح المجال أمام مشاريع استثمارية فاخرة، وقضايا حقوق الملكية.
وفي شهر أيار /مايو، اندلعت احتجاجات في مناطق زراعة القمح شرقي البلاد -ثم امتدت لتشمل أنحاء البلاد كافة- وذلك عقب تحديد الحكومة لسعر شراء القمح من المزارعين عند مستوى يقل كثيراً عن تكلفة الإنتاج؛ وهو وضع تفاقم جراء عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والأسمدة. وعلى الرغم من إصدار الشرع مرسوماً قضى برفع سعر الشراء، إلا أن السعر ظل دون المستوى الذي طالب به المزارعون.
أظهرت تلك الاحتجاجات والإضرابات أن الجماهير السورية لم تكن قد 'تحررت' في ديسمبر/كانون الأول 2024، بل سُلّمت من نظام قمعي إلى آخر. والآن، يعاني السكان من الكارثة الاجتماعية التي خلفتها 14 عاماً من الحرب الإمبريالية بالوكالة، وذلك في ظل المستفيدين الجدد من هذا الوضع.
تؤكد الأحداث في سوريا صحة 'نظرية الثورة الدائمة' لتروتسكي: ففي المناطق التي شهدت تطوراً رأسمالياً متأخراً -مثل الشرق الأوسط- تعجز البرجوازية الوطنية عن إرساء حتى الحقوق الديمقراطية الشكلية للأقليات أو عن بناء سياسة مناهضة للإمبريالية، وذلك بسبب ارتباطاتها بالإمبريالية وخوفها من الطبقة العاملة. لذا، تقع هذه المهام على عاتق الطبقة العاملة في خضم نضالها من أجل الاشتراكية.
يتعين على العمال بناء فروع لـ اللجنة الدولية للأممية الرابعة في كل من سوريا وتركيا وعموم المنطقة، بحيث تكون قادرة على توحيد العمال من كافة القوميات والأديان -من العرب والأكراد والأتراك والفرس، ومن السنة والشيعة والعلويين والمسيحيين واليهود- حول برنامج اشتراكي يهدف إلى إعادة تنظيم المجتمع على أساس تلبية الاحتياجات الاجتماعية لا تحقيق الربح الخاص. ويجب خوض هذا النضال في مواجهة كافة القوى الإمبريالية ووكلائها، والسعي نحو تأسيس الولايات الاشتراكية المتحدة في الشرق الأوسط.
