192. لعب التروتسكيون البريطانيون، بقيادة جيري هيلي، الذي قاد النضال ضد انحطاط حزب العمال الاشتراكيين وإعادة توحيده مع البابلويين، دوراً حاسماً في ضمان استمرارية اللجنة الدولية للأممية الرابعة وإنشاء فروع جديدة. ولكن ابتداءً من العقد الثامن من القرن العشرين، بدأ SLL، ثم WRP، بالابتعاد أكثر فأكثر عن المبادئ التروتسكية التي ناضلا من أجلها. وكان جوهر ذلك التحول نحو اليمين هو أن التروتسكيين البريطانيين بدأوا يُعطون الأولوية لبناء حزبهم الوطني على حساب النضال من أجل الثورة الاشتراكية العالمية وبناء حزب عالمي لقيادتها. وبررت قيادة WRP ذلك بأن بناء الحزب في بريطانيا سيؤدي إلى توسع اللجنة الدولية للأممية الرابعة. لكن ذلك التراجع عن الأممية أدى حتماً إلى تنامي النزعة القومية الانتهازية، وتوقف النضال ضد البابلوية، والتخلي عن نظرية الثورة الدائمة. وتجلى ذلك الانحطاط، الذي نشأ في أوساط الطبقة الوسطى في بريطانيا، على الصعيد الدولي، ولا سيما في الشرق الأوسط، في صورة تكيف سياسي ومالي غير مبدئي مع الأنظمة والحركات القومية البرجوازية.
193. في المقابل، اتخذ التروتسكيون الأمريكيون مساراً مختلفاً إذ استجابت رابطة العمال للأزمة السياسية التي أدت إلى استقالة تيم وولفورث عام 1974 بتوجيه نشاطها نحو الطبقة العاملة، والتركيز على تاريخ الحركة التروتسكية ودروس النضال ضد البابلوية. وبرز ذلك التركيز على التجربة التاريخية للحركة التروتسكية في سياق التطور الموضوعي للرأسمالية العالمية والصراع الطبقي الدولي كسمة سياسية رئيسية لرابطة العمال. إن تطور رابطة العمال بعد عام 1974، بما في ذلك من خلال دورها القيادي في تحقيق الأمن والأممية الرابعة، هيئها للنضال السياسي الذي بدأ عام 1982 ضد الانحطاط القومي ل WRP.
194. كتب ديفيد نورث، الأمين الوطني لرابطة العمال، في خريف عام 1982 بمناسبة الذكرى الخامسة لاغتيال الرفيق توم هينيهان، موضحاً أساس الخلافات السياسية مع حزب العمال الثوري:
يكمن جوهر تدريب الكوادر في الخضوع الواعي لجميع المنضمين إلى الحزب للمبادئ الثورية التي تُعبّر من خلالها الاستمرارية التاريخية للحركة الماركسية. ونقصد بـ'الاستمرارية التاريخية' سلسلة النضال السياسي والأيديولوجي المتواصلة التي تخوضها حركتنا الأممية ضد الستالينية، والاشتراكية الديمقراطية، والتحريفية، وجميع أعداء الطبقة العاملة الآخرين...
اعتمد التحريفيون والسياسيون الدجالون من جميع الأنواع، بلا استثناء، في سياساتهم على الاحتياجات الآنية والعملية للظرف الراهن. أما الاعتبارات المبدئية، أي تلك التي تنبع من دراسة جادة لتاريخ الحركة العمالية العالمية، ومعرفة تطورها كعملية يحكمها القانون، وما يترتب على ذلك من إعادة صياغة نقدية مستمرة لتجاربها الموضوعية، فهي غريبة تماماً عن أولئك البراغماتيين...
إن القيادة التي لا تسعى جماعياً لاستيعاب مجمل ذلك التاريخ لا تستطيع أن تفي بمسؤولياتها الثورية تجاه الطبقة العاملة على النحو الأمثل. فبدون معرفة حقيقية بالتطور التاريخي للحركة التروتسكية، لا تكون الإشارات إلى المادية الجدلية مجرد كلام فارغ، بل إنها تمهد الطريق لتشويه حقيقي للمنهج الجدلي إذ لا يكمن مصدر النظرية في الفكر، بل في العالم الموضوعي. وهكذا، ينطلق تطور التروتسكية من التجارب الحديثة للصراع الطبقي، المستندة إلى مجمل المعرفة التاريخية المستمدة من حركتنا.[1]
195. في تشرين الأول/ أكتوبر 1982، كتب نورث نقداً لكتاب جيري هيلي 'دراسات في المادية الجدلية'، وبيّن أن عرض هيلي للجدلية يرفض المادية ويعود إلى الفلسفة المثالية الذاتية التي تجاوزها ماركس في العقد الخامس من القرن التاسع عشر في نقده للهيغليين الشباب. ولخّص نورث نقده للتطور السياسي ل WRPعلى النحو التالي: 'كشفت 'دراسات في الجدلية' عن أزمة تطورت داخل اللجنة الدولية لفترة طويلة. فعلى مدى سنوات عديدة (في رأيي، بدأت تلك الأزمة عام 1976 ولم تبرز إلا عام 1978)، وباسم النضال من أجل المادية الجدلية وضد الدعاية، انحرفت اللجنة الدولية تدريجياً عن النضال من أجل التروتسكية.'
هاجم نورث، تحديداً، علاقات WRPالانتهازية مع الأنظمة القومية البرجوازية في الشرق الأوسط، فكتب:
ترافق ابتذال الماركسية، الذي رُوِّج له تحت مسمى 'النضال من أجل الجدلية'، مع نزعة انتهازية لا لبس فيها داخل اللجنة الدولية، ولا سيما فيWRP... وقد فُسِّر الدفاع الماركسي عن حركات التحرر الوطني والنضال ضد الإمبريالية بطريقة انتهازية تمثلت في دعم غير نقدي لمختلف الأنظمة القومية البرجوازية. [2]
196. ثم أوضح نورث أن هذا لم يحدث بين عشية وضحاها، مؤكداً أن WRPتخلى عن إنشاء فروع للجنة الدولية في الشرق الأوسط وعن نظرية الثورة الدائمة:
إن الخط الأيديولوجي السياسي للجنة الدولية مليء بالأسئلة غير الواضحة:
أ. 'التحالف' مع الجماهيرية الليبية في آب/أغسطس 1977؛
ب. دعم اضطهاد البعثيين العراقيين للستالينيين.
10. خلال السنوات الست التي عملت فيها اللجنة الدولية في الشرق الأوسط، لم يصدر عنها أي بيان حلل العلاقات الطبقية في تلك المنطقة من العالم. ولم يُنشر عنها أي مقال يُحلل تطور الطبقة العاملة. عملياً، اعتُبرت نظرية الثورة الدائمة غير قابلة للتطبيق على الظروف الراهنة.
12. أما بالنسبة لإيران، التي شهدت أكبر انتفاضة ثورية في العالم المُستعمَر منذ أحداث الصين، فلم تُصدر اللجنة الدولية أي تحليل نقدي لها منذ شباط / فبراير 1979.
13. من بين جميع التحولات العملية اليومية، بدأت تتبلور نزعة سياسية تحمل بصمة بابلو واضحة. وهكذا، نجد في بيان اللجنة السياسية لWRP، بتاريخ 11 كانون الأول / ديسمبر 1981:
'لكن القذافي تطور سياسياً نحو الاشتراكية الثورية، ونبذ قصور وحريم بعض الزعماء العرب الآخرين.
ولهذا السبب أصبح الزعيم بلا منازع للشعب الليبي، واسمه الآن مرادف لنضال المضطهدين في العديد من البلدان.' (نيوز لاين، 12 كانون الأول / ديسمبر 1981) [3]
197. وفي دلالة واضحة على انتهازية متقدمة، ردّ حزب العمال الثوري بقمع أي انتقاد لرابطة العمال ومحاولة عزلها. رداً على ذلك، قررت رابطة العمال في أوائل عام 1984 أن الوقت قد حان لمواجهة التدهور السياسي لحزب العمال الثوري، فطورت نقداً أكثر شمولاً. كتب نورث، في رسالة إلى الأمين العام لحزب العمال الثوري، مايك باندا، بتاريخ 23 كانون الثاني / يناير 1984: '... نشعر بالقلق من أن اللجنة الدولية باتت الآن في خطر فقدان مكاسب سنوات نضالها المبدئي الطويلة'، مضيفاً: '... نشعر بقلق بالغ إزاء المؤشرات المتزايدة على انحراف سياسي نحو مواقف مشابهة تماماً، في لاستنتاجات والمنهجية على حد سواء، لتلك التي ارتبطت تاريخياً بالبابلوية'. وأكد أن 'اللجنة الدولية تعمل منذ فترة دون رؤية واضحة وموحدة سياسياً لتوجيه عملها'.
وبدلاً من أن يكون ذلك بمنزلة رؤية لبناء فروع للجنة الدولية في كل بلد، انصبّ التركيز الرئيسي لعمل اللجنة الدولية لسنوات عديدة على تطوير تحالفات مع مختلف الأنظمة القومية البرجوازية وحركات التحرير. وقد بات مضمون تلك التحالفات أقل وضوحاً في توجيهه نحو تطوير قواتنا باعتبارها محورية في النضال من أجل إرساء الدور القيادي للبروليتاريا في الكفاح ضد الإمبريالية في البلدان شبه المستعمرة. إن المفاهيم نفسها التي طرحها حزب العمال الاشتراكيين فيما يتعلق بكوبا والجزائر، والتي هاجمناها بشدة في أوائل العقد السابع، تظهر بتواتر متزايد في صحافتنا.[4]
198. دفع نورث عن الاستقلال السياسي للطبقة العاملة ونظرية الثورة الدائمة، مع تسليط الضوء على محدودية منظمة التحرير الفلسطينية، التي تعد واحدة من أكثر الأمثلة راديكالية لحركات التحرر الوطني، وتوضيح الأسس الموضوعية لتطورها السياسي اللاحق:
بصفتنا ماركسيين، فإن نقطة انطلاقنا في التحليل السياسي لا تنطلق أبدًا من النوايا الواعية للقادة السياسيين، بل من القوى الطبقية التي يمثلونها ومنطق الصراع الطبقي الذي تُعدّ أفعالهم تعبيراً ضرورياً عنه. وعكست سياسات عرفات حتماً موقفه الطبقي كقومي برجوازي صغير. فهو لا يناور فقط بين الأنظمة البرجوازية المختلفة في الشرق الأوسط، بل وبين القوى الطبقية المتناحرة داخل الحركة الفلسطينية. مهما بلغت شجاعة عرفات وبطولته، فإن سياساته لا تُقدم حلاً للمشاكل التاريخية الكبرى التي تواجه النضال الفلسطيني من أجل تقرير المصير...
إن حساباتنا، إن لم تكن حسابات عرفات، تعتمد دائماً على تقييم قوى الطبقات وإمكانات الطبقة العاملة في النضال الثوري ضد البرجوازية...... يجب أن يكون هدفنا الاستراتيجي دائماً هو تعبئة الطبقة العاملة، بدعم من الفلاحين، ضد البرجوازية في كل دولة من دول الشرق الأوسط.[5]
199. في تقريره السياسي المقدم إلى اللجنة الدولية في 11 شباط/فبراير 1984، وضع نورث الخلافات مع حزب العمال الثوري في سياق نضال اللجنة الدولية الدؤوب على مدى العقود الثلاثة الماضية لحل أزمة القيادة الثورية، مصرحاً بما يلي:
كان ذلك تاريخاً من النضال ضد جميع تلك القوى، الستالينية، والاشتراكية الديمقراطية، والبابلوية، التي أخضعت الطبقة العاملة للبرجوازية. وتستند اللجنة الدولية إلى التقاليد والمبادئ التي أُرسيت من خلال النضالات السياسية والنظرية والتنظيمية لجميع الأجيال السابقة من الماركسيين، وقد تطور هذا الاستمرار للجنة الدولية مع تلك الأجيال السابقة من خلال النضال ضد كل أشكال معاداة الماركسية التي ظهرت داخل الحركة العمالية، ولا سيما داخل الحركة التروتسكية نفسها.[6]
200. شدد نورث على ضرورة دراسة مجمل تطورات اللجنة الدولية للأممية الرابعة خلال العقد الماضي، وانتقد العلاقات غير المبدئية التي أقامها حزب العمال الثوري في الشرق الأوسط:
ففي تموز / يوليو 1977، وقّع حزب العمال الثوري تحالفاً مع الجماهيرية الليبية. ثم تطورت العلاقات مع حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي. من الواضح أنه بحلول منتصف عام 1978، كان هناك توجه عام نحو إقامة علاقات مع الأنظمة القومية وحركات التحرير، دون أي منظور مقابل لبناء قواتنا داخل الطبقة العاملة. وبدأ تقييم غير نقدي وغير صحيح يظهر بشكل متزايد في صحافتنا، يدعو الكوادر والطبقة العاملة إلى اعتبار أولئك القوميين البرجوازيين قادة 'مناهضين للإمبريالية' يجب تقديم دعم سياسي لهم.[7]
201. تحوّل حزب العمال الثوري من المنظور التروتسكي الذي عبّر عنه بيان اللجنة الدولية للأممية الرابعة الصادر في 12 شباط / فبراير 1979 بشأن الثورة الإيرانية، إلى دعمٍ غير نقدي للجمهورية الإسلامية. وقد تضمن بيان اللجنة الدولية النقاط التالية:
الحقيقة هي أن الجماهير تحركت بدافع قضايا طبقية، لا دينية.
مع ذلك، ففي غياب قيادة ثورية منظمة، وبسبب سياسات التعاون الطبقي الجبانة التي انتهجتها الستالينية الإيرانية في حزب توده، تمكّن آية الله الخميني وغيره من الزعماء الدينيين الشيعة من احتكار قوى المعارضة سياسياً...
تعكس سياسات الخميني الطبيعة المتناقضة والملتبسة لتجار البازار وغيرهم من عناصر الطبقة الرأسمالية الإيرانية المحلية والبرجوازية الصغيرة...
لكنهم لا يستطيعون ولن يتحدوا سلطة الدولة الرأسمالية في إيران... سيعارض الستالينيون والوسطيون من جميع الأطياف استراتيجية التقدم نحو الثورة الاشتراكية في إيران، بحجة أن الثورة هناك هي في المقام الأول ثورة برجوازية، أي ثورة للمطالب الديمقراطية بإلغاء القمع الإقطاعي وشبه الإقطاعي والسماح بالتطور الحر للرأسمالية والديمقراطية الوطنيتين.
سيقولون إن الدعوة إلى سياسات للطبقة العاملة مستقلة عن البرجوازية ومعارضة لها هو 'فصائلي المضمون'.[x8]
202. انتقد نورث التخلي عن هذا الموقف، وحقيقة أن سافاس مايكل ماتساس، زعيم رابطة العمال الأممية (WIL)، التي كانت آنذاك الفرع اليوناني للجنة الدولية للأممية الرابعة (ICFI)، ذهب إلى إيران نيابة عن حزب العمال الثوري (WRP) ومجّد النظام الإسلامي البرجوازي. كتب نورث:
لم يُجرَ أي تحليل طبقي إضافي لتطور الثورة الإيرانية. واقتصر موقفنا ببساطة على الدعم غير المشروط للخميني، على الرغم من تصاعد اضطهاد كل منظمة يسارية في إيران. وفي غياب أي تحليل ماركسي لتطور تلك الثورة، بدأ خطٌ غير تروتسكي ومراجعي واضح يشق طريقه إلى صحافتنا الدولية، لا سيما في المقالات التي كتبها الرفيق سافاس عقب رحلته إلى إيران، التي جرت وسط اعتقالات ومحاكمات قادة حزب توده.[9]
203. رفض حزب العمال الثوري مناقشة الخلافات التي أثارتها رابطة العمال. بل هدد بقطع العلاقات معها إذا استمرت في انتقاداتها. كان لذلك النهج غير المبدئي والانتهازي عواقب وخيمة على الحزب. ففي عام 1985، بعد فترة وجيزة من هزيمة إضراب عمال المناجم الذي دام عاماً، اندلعت أزمة داخل الحزب، الأمر الذي أدى سريعًا إلى انفصاله عن اللجنة الدولية وانهياره التام. وقد هيأت تلك الأزمة الظروف التي سمحت بمناقشة الانتقادات التي وجهتها رابطة العمال داخل اللجنة الدولية بأكملها. قبل ذلك، ما علمت بعض الفروع بنقد رابطة العمال، أو واجهت ضغوطاً تنظيمية واستفزازات سياسية حالت دون إجراء دراسة جادة لذلك النقد. ففي خريف عام 1985، التقى مندوبو الفروع الأسترالية والسريلانكية والألمانية بديفيد نورث في لندن، وأيدوا النقد الذي وجهته رابطة العمال. كما برزت أقلية داخل حزب العمال الثوري، بقيادة ديف هايلاند، دافعت عن اللجنة الدولية ومبادئ التروتسكية.
204. في المقابل، رفضت الفروع اليونانية والإسبانية للجنة الدولية، متبعةً نهج الانحطاط القومي الانتهازي لهيلي، السلطة السياسية للجنة وانفصلت عنها. وكما أوضحت اللجنة الدولية في كتابها 'كيف خان حزب العمال الثوري التروتسكية 1973-1985'، الذي نُشر بعد الانقسام:
سعت اللجنة الدولية (ICFI) إلى توفير أساس مبدئي لحل الأزمة داخل حزب العمال الثوري. لكن كان عليها أولاً معالجة المشاكل داخل صفوفها. فقد نظّم الفرعان اليوناني والإسباني اجتماعاً فصائلياً منفصلاً في برشلونة في 21 أكتوبر/تشرين الأول 1985، وأعلنا أنهما لن يعترفا بأي سلطة داخل اللجنة الدولية باستثناء سلطة جيري هيلي. وادّعيا أنه وحده من يملك الحق في الدعوة إلى الاجتماعات. ولذلك، رفضا الحضور. وبحلول 23 أكتوبر/تشرين الأول 1985، اجتمعت أغلبية فروع اللجنة الدولية في لندن. وحلّلت بشكل صحيح أن مصدر الأزمة داخل حزب العمال الثوري كان الرفض الانتهازي للمبادئ التروتسكية ورفض الخضوع للجنة الدولية.[10]
في رسالة موجهة إلى اللجنة المركزية لرابطة العمال الدولية WIL في 9 نوفمبر 1985، بعد أن أعلن الفرع اليوناني بقيادة سافاس مايكل ماتساس أنه لن يعترف بأي سلطة أخرى غير سلطة هيلي، ورفض حضور اجتماع اللجنة الدولية للأممية الرابعة الذي عُقد وفق الأصول في 25 أكتوبر/تشرين الأول 1985، أعرب مندوبو اللجنة الدولية عن قلقهم من أن 'ينشق الاتحاد عن اللجنة الدولية للأممية على أساسٍ غير مبدئي'. وأكدوا أن 'مثل هذا الانشقاق من جانبكم سيشكل خيانةً جسيمةً للأممية وللطبقة العاملة اليونانية'. [11] ودعت الرسالة أعضاء رابطة العمال الدولية إلى رفض 'العداء للأممية الذي أدى إلى رفض حضور اجتماع اللجنة الدولية للأممية في 25 أكتوبر/تشرين الأول'، وتوقعت ما يلي، والذي سرعان ما تأكد: 'وإلا فإن اللجنة الدولية ستواجه الدمار كحزبٍ تروتسكي'. [12]
205. في 25 تشرين الأول / أكتوبر 1985، أصدرت اللجنة الدولية للأممية الرابعة بياناً بشأن طرد جيري هيلي، بالإضافة إلى قرار حول الأزمة داخل الفرع البريطاني. حدد القرار مصدر الأزمة السياسية في 'انحراف قيادة حزب العمال الثوري العالمي تدريجياً عن المهمة الاستراتيجية المتمثلة في بناء حزب عالمي للثورة الاشتراكية نحو منظور وممارسة قومية متزايدة'.[13] قررت اللجنة الدولية أنه 'يجب إعادة تسجيل عضوية حزب العمال الثوري على أساس اعتراف صريح بالسلطة السياسية للجنة الدولية للأممية الرابعة وخضوع الفرع البريطاني لقراراتها'.[14]
206. قدّمت اللجنة الدولية ة مثالاً صارخاً على النهج الماركسي في قرارها بعد دراسة مزاعم الاعتداء الجنسي ضد جيري هيلي. وأكدت اللجنة الدولية أن طرد هيلي لا ينفي مساهماته السياسية في النضال ضد التحريف البابلي في العقدين السادس والسابع من القرن الماضي، مصرحةً:
في الواقع، يُعدّ هذا الطرد نتاجاً نهائياً لرفضه المبادئ التروتسكية التي قامت عليها تلك النضالات السابقة، وانحداره إلى أبشع أشكال الانتهازية.
يمكن إرجاع التدهور السياسي والشخصي لهيلي بوضوح إلى فصله المتزايد بين المكاسب العملية والتنظيمية للحركة التروتسكية في بريطانيا وبين النضالات التاريخية والدولية ضد الستالينية والتحريفية التي انبثقت منها تلك الإنجازات...
أمثال هيلي، الذين يتخلون عن المبادئ التي ناضلوا من أجلها ويرفضون الخضوع للجنة الدولية في بناء فروعه الوطنية، لا بد أن يتدهوروا حتماً تحت ضغط العدو الطبقي.
لا استثناء لهذه القاعدة التاريخية. تؤكد اللجنة الدولية أنه لا يوجد زعيم فوق المصالح التاريخية للطبقة العاملة.[15]
207. رفض مندوبو اللجنة الدولية (ICFI) أن يُستغلوا لأغراض قومية من قِبل فصائل حزب العمال الثوري (WRP) المتنافسة. وأصروا على أنه لا يمكن تحقيق التعافي السياسي للحزب من أزمته إلا بالعودة إلى مبادئ اللجنة الدولية وقبول الخضوع المنضبط وفق قواعد اللجنة الدولية. وباستثناء الأقلية الأممية بقيادة هايلاند، لم يكن أي فصيل مستعدًا للقيام بذلك. شارك مايك باندا وكليف سلوتر، اللذان اختلفا مع هيلي، وجهة نظره الانتهازية والقومية، وسعيا إلى تجنب أي بحث في الأسباب السياسية لأزمة حزب العمال الثوري.
208. في 16 ديسمبر/كانون الأول 1985، تلقت اللجنة الدولية تقريراً من لجنة الرقابة الدولية التي شكلتها لدراسة العلاقات السياسية والمالية التي أقامها حزب العمال الثوري مع مختلف الأنظمة القومية البرجوازية في الشرق الأوسط بين عامي 1976 و1985. وأثبت ذلك التقرير بشكل قاطع أن حزب العمال الثوري دخل في علاقات سياسية انتهكت مبادئ الأممية الرابعة، مع إخفاء تلك العلاقات عن اللجنة الدولية. وصوّتت اللجنة الدولية، رغم اعتراضات مندوبي حزب العمال الثوري الذين مثلوا فصيلي سلوتر وباندا، على تعليق عضوية الحزب في المنظمة الدولية. وأيّد ذلك القرار ديفيد هايلاند، الذي مثل شريحة كبيرة من أعضاء حزب العمال الثوري المتفقين سياسياً مع اللجنة الدولية.
209. في 8 شباط/ فبراير 1986، عقد حزب العمال الثوري مؤتمراً مصغراً استُبعد منه جميع مؤيدي اللجنة الدولية. شكلت تلك المهزلة السياسية النهاية الحتمية للحزب كمنظمة تروتسكية. كانت الوثيقة الرئيسية المُعدّة لذلك المؤتمر عبارة عن خطاب لاذع مناهض للتروتسكية كتبه باندا بعنوان '27 سبباً لدفن اللجنة الدولية فوراً وبناء الأممية الرابعة'. في غضون أشهر من كتابة تلك الوثيقة، تبرأ باندا من ارتباطه بالأممية الرابعة الذي دام قرابة أربعين عاماً، وأعلن إعجابه بستالين. أما حزب العمال الثوري، فتفككت فصائله المختلفة تباعاً. وفي غضون أقل من عقد، انخرط سلوتر وغيره من قادة الحزب السابقين انخراطاً كبيراً في دعم عملية الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في البوسنة. وكان التيار السياسي الوحيد القابل للتطبيق في المنظمة البريطانية، والذي انبثق من انهيار حزب العمال الثوري، هو ذلك الذي قاده هايلاند، والذي تمسك بمبادئ اللجنة الدولية للأممية الرابعة. أسس ذلك التيار الحزب الشيوعي الدولي في شباط/ فبراير 1986، وهو النواة الأولى لحزب المساواة الاشتراكية الحالي، الفرع البريطاني للجنة الدولية للأممية الرابعة.
David North, Leon Trotsky and the Development of Marxism (Detroit, 1985) p. 5; 17-18.
David North, “in The ICFI Defends Trotskyism, Fourth International (Detroit, 1986), Volume 13, No. 2, Autumn 1986, pp. 23.
Ibid.
23 January 1984, in “The ICFI Defends Trotskyism,” Fourth International (Detroit, 1986), Volume 13, No. 2, Autumn 1986, p. 35.
Ibid., pp. 35, 36,
February 11, 1984, in “The ICFI Defends Trotskyism,” Fourth International (Detroit, 1986), Volume 13, No. 2, Autumn 1986, pp. 39.
Ibid., pp. 42-43.
Cited by David North in “Political Report by David North to the International Committee of the Fourth International,” p. 43.
Ibid.
“The WRP Breaks with Trotskyism,” in How the Workers Revolutionary Party Betrayed Trotskyism 1973-1985, p. 114.
“Letter from the International Committee to the Central Committee of the Workers Internationalist League, Greek Section of the ICFI,” 9 November 1985, in The ICFI Defends Trotskyism, Fourth International (Detroit, 1986), Volume 13, No. 2, Autumn 1986, p. 57.
Ibid., p. 58.
“Resolution of the International Committee of the Fourth International on the Crisis of the British Section,” 25 October 1985, in The ICFI Defends Trotskyism, Fourth International (Detroit, 1986), Volume 13, No. 2, Autumn 1986, p. 50.
Ibid.
“Statement of the International Committee of the Fourth International on the Expulsion of G. Healy,” 25 October 1985, in “The ICFI Defends Trotskyism,“ Fourth International (Detroit, 1986), Volume 13, No. 2, Autumn 1986, p. 52.
