ثورة شعبية تجتاح تونس وآمال في ثورة دائمة

22 January 2011

تعتبر الأحداث الأخيرة في تونس علامة مميزة على ظهور نقطة تحول عملية التطور العالمي، فبعد أن كانت ردود الأفعال الباطشة تنجح دائمًا وكان الصراع الطبقي مكبوحاً لعشرات السنين، جاءت المظاهرات الحاشدة وانتهاء فترة القمع التي دامت 23 عاماً على يد زين العابدين بن علي منذرة بانطلاق عصر جديد سمته الحركات الثورية.

والجموع التونسية المتظاهرة لا تزال على أول طريق كفاحها، فممارسات العنف المستمرة التي ترتكبها الشرطة التونسية تحت إمرة الرئيس الجديد المؤقت إنما تظهر أن طبقة العاملين معرضة لأخطار كبيرة. ولا يزال السؤال الحاسم لتولي قيادة ثورية مقاليد الأمور وتنفيذ برنامج يجمل طابع الثورية معلقاً حتى الآن. فبدون إقامة قيادة ثورية فلن يكون هناك سبيل آخر إلا أن تؤول الأمور مرة أخرى إلى حكم استبدادي على يد حاكم آخر كبديل لبن علي.

وفي الإطار نفسه فإنه من الهام جداً الإشارة إلى أن الحركة الشعبية التي أطاحت بالرئيس التونسي بن علي قد تطورت على نحو سريع ومفاجئ. فما كان يراه الغرب أن النظام التونسي كان يعد أحد أكثر الأنظمة العربية ثباتاً، وكأنه قلعة للرأسمالية في م نطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط استرعت اهتمام الامبريالية الأمريكية والأوروبية، ظهر على مدار أسابيع قليلة أنه سراب، وأنه نظام وهن، وفاسد حتى النخاع.

تعود جذور الحركة الثورية إلى القنبلة الاجتماعية التي كانت قد تكونت من فترة طويلة في قاع النظام التونسي، أسفل سطح الحياة السياسية، وجاءت شرارة الإشعال على يد أحد الطلاب، ممن تركوا دراستهم ليدخلوا مجال العمل، فقام بحرق نفسه لأنه تعذر عليه إيجاد فرصة عمل حقيقية، وقد سلبته الجهات المسئولة رزقه بعد أن صادرت الخضروات التي كان يتاجر فيها ويقتات منها. هذا الحادث التراجيدي الأليم كان بمثابة عامل محفز ساعد على انتشار نار الغضب في هشيم ملايين الشباب والعمال من البطالة المتفشية والفقر وغياب العدالة الاجتماعية والاستبداد وفساد الحاكم.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الملابسات الاجتماعية التي أدت إلى الانفجار الثوري في تونس هي ذاتها في المغرب وسائر دول منطقة الشرق الأوسط، كذلك فإن طبقة العمال في الدول الصناعية النامية ليسوا عنها ببعيدين، ولاسيما منذ بدء الأزمة الاقتصادية العالمية والهجوم الشرس من قبل البنوك وكبرى الشركات.

ومما يسترعي الانتباه هنا أن القوى الإسلامية لم تلعب عملياً أي دور في التظاهرات الشعبية، ففي جميع أنحاء العالم بدأت المسائل الأساسية المتعلقة بالنواحي الاجتماعية والطبقية المهيمنة على الحياة العامة تدخل في دائرة الضوء، وباتت تحتل مرتبة أعلى أهمية من مسائل أخرى كالدين ولون البشرة والجنسية.

الإطاحة ببن علي كانت بمثابة صدمة عنيفة لكل من برجوازيي تونس والعالم العربي، والرأسمالية الأمريكية والعالمية. فتضاعفت همومهم من هذا الزلزال الشعبي الذي تنتشر أصداءه في الدولة المجاورة وهي الجزائر ومن ثم شرقاً إلى الأردن.

ومما لا شك فيه أن أصحاب البنوك والمضاربين في نيويورك ولندن وفرانكفورت وجميع المراكز المالية العالمية أصابتهم حالة ذعر عامة عندما شاهدوا عشرات الآلاف من العمال والشباب واقفين أمام الجيش والشرطة، وغمروا قلب العاصمة تونس مطالبين بإنهاء الديكتاتورية الجاثمة على أنفاسهم. فعندما يتعلق الأمر بالفساد واستعراض الثراء الفاحش فلن يستطع أي من الحكام المهيمنين أن يضاهي أغنياء الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن ناحية أخرى فقد جاءت ردود الأفعال الأمريكية والأوروبية ساخرة ومنافقة على أحداث تونس الأخيرة. فالفساد المطلق لنظام بن علي كان معروفاً في جميع العواصم الأوروبية.

وكان العامل الذي ساهم في الانتشار السريع لحركة التظاهر هو نشر برقية السفارة الأمريكية في تونس على موقع ويكيليكس

) (WikiLeaks والتي تضمنت وصف الحكم التونسي بالتربح والفساد والديكتاتورية. أظهر دور هذه البرقية في الاضطراب الاجتماعي التونسي جزءاً من ردود الأفعال الهستيرية من قبل الطبقة الحاكمة الأمريكية على صفحات موقع ويكيليكس.

كان الحكم التونسي يندرج ضمن الاهتمامات الاقتصادية والجيوستراتيجية الأمريكية والأوروبية، فالاتحاد الأوروبي، ولاسيما فرنسا التي كانت تمثل سلطة استعمارية لتونس فيما مضى، تربطه علاقات اقتصادية مكثفة مع تونس. أما والولايات المتحدة فقد قامت بتوسيع نطاق مساعداتها العسكرية والسياسية للنظام الديكتاتوري لأنه كان يدعم مبادرة واشنطن "الحرب ضد الإرهاب".

هذه العلاقات السياسية والعسكرية كشفت النقاب عن الشخصية المخادعة لمنظومة الدفاع الأمريكية والأوروبية عن حقوق الإنسان والديمقراطية.

وبنهاية الأسبوع الماضي أوضحت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون على إحدى محطات القمر الصناعي للتليفزيون العربي أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتحيز إلى أي من الأطراف المعنية في الأزمة التونسية. لم تتغير نبرة الولايات المتحدة إلا بعد أن تبين أن حليفها لمدة سنوات عديدة بات قاب قوسين أو أدنى من حافة السقوط. وقد ادعت هيلاري بتقديم الدعم الأمريكي للمتظاهرين، وأن الولايات المتحدة عاقبت النظام المستبد على ممارساته العنيفة المفرطة.

أما الموقف الفعلي للإدارة الأمريكية من الحركة الشعبية في تونس فهو العداء الصريح، وهذا ما اتضح من التعليق الذي صرح به جاكسون ديل، أحد أعضاء تحرير جريدة واشنطن بوست. فقد كتب ديل يوم الجمعة الماضي على الحركة التونسية معلقاً: "إن التهديد الأكثر مباشرةً للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ليس الحرب، وإنما الثورة".

وأضاف في تعليقه: "لقد تسللت حركة العنف بالفعل إلى الجزائر، وقد امتلأت وسائل الأعلام العربية بالتكهنات عن بلاتوه المشهد التالي للسيناريو التونسي: هل هو مصر؟، أم الأردن؟ أو ليبيا؟ فهذه الدول كلها تعاني من الأسعار الدولية المرتفعة للمواد الغذائية والوقود والآخذة في الارتفاع بسرعة. وقد حذرت الولايات المتحدة في الأسبوع الماضي من "صدمة أسعار المواد الغذائية".

رفعت أحداث الأسبوع الماضي الستار مجدداً عن القوة المجتمعية الهائلة، والطاقة الثورية البالغة لطبقة العمال، ومع ذلك فإن ضعف الحركة الشعبية يعتبر قصوراً من المنظور الثوري الواضح وبرنامج العمل والقيادة.

وهو الأمر الذي يتيح للبرجوازية التونسية والأصابع الامبريالية المحركة لها من الوراء إمكانية إعادة توزيع المجموعات مرة أخرى وإيجاد سبل وطرق جديدة لتحطيم معارضة الشعب وإنقاذ الرأسمالية التونسية. بسقوط بن علي يكون قد حقق الغضب الشعبي هدفه الأكثر مباشرةً، والآن سوف ينتقل الحكم إلى جبهة المعارضة. وستبقى حالة الطوارئ وحظر التجول سارية تحت قناع حكومة "الوحدة الوطنية" وإعلان الانتخابات. وتواصل الشرطة والجنود من ناحيتها إطلاق النار على معارضي النظام الحاكم وإلقاء القبض عليهم.

جدير بالذكر أن النزاعات الثورية من شأنها أن تكسب قضايا الوعي والمنظور والبرنامج السياسيين أهمية خاصة. إن تاريخ تونس ودول الشرق الأوسط إنما يمثل تصديقاً حقيقياً على الاستراتيجية الثورية العالمية التي نشرها تروتسكي والتحالف الحزبي العالمي الرابع استناداً إلى منظور الثورة الدائمة.

وفي مقابل الستالينية، والديمقراطية الاجتماعية والقومية الشعبية، أوضح تروتسكي أن البرجوازية المنتشرة في البلدان على خلفية التنمية الرأسمالية المتأخرة لم تكن قادرة على الإيفاء بالمهام الأساسية للثورة الديمقراطية في حقبة الامبريالية. ونظراً لأنها كانت وهنة وتواكلية ومرتبطة بالامبريالية والقوى الشعبية الإقطاعية بآلاف الخيوط المتشابكة، فكانت برجوازية بلدان مثل تونس تخشى القوة الثورية للطبقة العاملة أكثر من خشيتها للامبريالية.

ويعد تاريخ تونس منذ استقلاله عام 1957 مثالاً كلاسيكياً على صحة هذا التشخيص التاريخي، فالبرجوازية القومية حكمت البلاد بقبضة حديدية، وتركت الشعب يعيش في فقر، وفتحت أبواب البلاد أمام البنوك والشركات الامبريالية لاستغلالها بدون قيود. والأمر نفسه ينطبق على الجزائر، حيث كانت جبهة التحرير الشعبية التي حاربت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي القوى الاستعمارية، وهي الآن تهاجم العمال المتظاهرين. فهي تنتهج سياسة اقتصاديات السوق التي تصب في صالح الطبقة الحاكمة الفاسدة، والبنوك والشركات الأجنبية.

جميع الحركات القومية تعمل الآن مع الامبريالية في كبح إرادة الشعب نفسه، الأمر ذاته الذي يسري أيضاً على الحركات التي كانت قديماً يمكن وصفها بأنها اشتراكية. فلم يكن حزب البعث ولا الناصري ولا منظمة التحرير الفلسطينية أو الحركة الليبية، قادرة على الوصول إلى مرحلة الاستقلال الحقيقي عن الامبريالية والتغلب على البطالة والفقر والتدهور الاقتصادي.

وقد ردت جامعة الدول العربية على أحداث تونس بالدعوة إلى "الهدوء، و"الاتزان"، أي إلى كبح جموح الحركة الشعبية. وفي ليبيا دافع العقيد القذافي صراحةً عن بن علي وحمل على المتظاهرين محذراً من اندلاع ثورة بلشفية جديدة. فما يطلق عليه "ثورة ديمقراطية"، التي كانت ممثلة في كثير من تجمعات اليسار الزائف في أوروبا، هي طريق ذو منفذ واحد. فهم لا يريدون إلا أن يقوم العمال بالضغط على حكومة بلادهم حتى تحصل أحزاب المعارضة الرسمية والنقابات العامة على قدرة تأثيرية أعلى، إلا أن أياً من هذه المنظمات تحاول مكافحة النظام الحاكم أو انتهاج سياسة سليمة. فالاتحاد العام للعمال التونسيين الذي كان يدعم بن علي في آخر دورتين انتخابيتين صدّق رسمياً على "إصلاحاته" المتعلقة باقتصاديات السوق.

يتمثل البرنامج الوحيد الذي يمكن تنفيذه لطبقة العمال والشعوب المضطهدة في بلدان المغرب العربي والشرق الأوسط في برنامج الثورة الاشتراكية الذي كانت تتبناه اللجنة الدولية للتحالف الحزبي العالمي الرابع. فقط الصراع المستقل لطبقة العمال على قمة جميع الفئات المضطهدة في المجتمع ضد البرجوازية المحلية والامبريالية هو ما يمكنه تحقيق الحقوق الديمقراطية والاجتماعية والعدالة الاجتماعية كأساس لإرساء حياة سياسية مستقرة.

هذا الصراع لا يمكن القيام به ببساطة في الإطار الدولي، حيث يجب في منطقة الشمال الإفريقي كلها ودول الشرق الأوسط إنشاء أحزاب تنتهج سياسة تروتسكي من أجل توحيد الجموع العاملة تحت مظلة الدول الاشتراكية المتحدة في الشرق الأوسط والمغرب العربي باعتبارهم أجزاء من الثورة الاشتراكية العالمية.

يجب عن وعي ربط هذا الصراع بصراعات العمال المتنامية في الدول الرأسمالية النامية. ففي هذه البلدان غالباً ما يعيش ويعمل عدد كبير من العمال العرب القادمين من دول الشمال الإفريقي والشرق الأوسط. وفقط استناداً إلى هذا الأساس الدولي يمكن التغلب على الثغرات الدينية والقومية التي يزداد معدل إحماؤها بفعل الامبريالية والبرجوازية. وبذلك فقط يمكن وضع القوة المجتمعية لطبقة العمال في الصراع القائم مع السطوة الامبريالية.

اتخذت اللجنة العالمية للاممية الرابعة من الموقع الإلكتروني وورلد سوشياليست (World Socialist Web Site)جريدة يومية لها للتحدث عن التطورات السياسية العالمية وتحليلها. كما أنها تتيح للنزاعات الخاصة بطبقة العمال الدولية المنظور الضروري لرؤيتها والتدقيق عليها. ونحن من جانبنا نطالب جمهور قراء هذا الموقع في تونس وفي جميع بلدان الشرق الأوسط بالاتصال بموقعنا. من يرغب في إقصاء الديكتاتورية والاستغلال في تونس وسائر بلدان المنطقة مدعوٌ لمكافحة إنشاء قطاعات خاصة باللجنة العالمية للاممية الرابعة.

Fight Google's censorship!

Google is blocking the World Socialist Web Site from search results.

To fight this blacklisting:

Share this article with friends and coworkers